منوعات

سر ال 5 جنيه

طلعت من المحل أدور عليها، ولمحت خيالها الصغير بيجري في آخر الشارع. مشيت وراها من بعيد لبعيد عشان مأخوفهاش. بدأت البنت تدخل في شوارع جانبية ضيقة وضلمة، تبعد عن نور السوق وتدخل في حواري عشوائية وقديمة أوي. كانت بتجري شوية وتبهدي شوية وهي كبسة بإيدها على كيس البانيه، وبالإيد التانية على جيبها كأنها ماسكة روحها.

أخيرًا، وقفت البنت قدام بيت قديم ومتهالك خالص، حيطانه مشققة من الرطوبة، وبابه الخشب قشران ومخلع. دخلت جوة، ووقفت أنا على بعد كام متر، وقلبي بيدق بسرعة وخوف. قربت براحة وبخطوات من غير صوت لحد الباب اللي كان موارب، وسمعت الصوت اللي جاي من جوة.

سمعت صوت البنت وهي بتنادي بفرحة من قلبها:

“ماما! ماما! أنا جبت البانيه أهو.. وجبتلك الـ 5 جنيه معايا مخسرتهاش ومخلوش عمو ياخدها!”

جاء صوت الأم، وكان ضعيف وهزلان خالص، باين عليه المرض والتعب:

“الحمد لله يا بنتي.. ربنا جبر بخاطرك.. وريني كده.. البياع مرضييش ياخد الـ 5 جنيه؟”

هنا البنت عيطت وقالت:

“لا يا ماما، عمو كان بيزعقلي جامد وكان عايز ياخدها عافية، وكان هيشيل من الأكل ويبهدلني، بس في طنط طيبة أوي كانت واقفة ورايا، طلعت هي الـ 5 جنيه من معاها وادتها لعمو وقالتلي خدي حاجتك وامشي.”

سمعت تنهيدة الأم.. تنهيدة ثقيلة طالعة من حتة جوة، وقالت وصوتها مخنوق بالعيط:

“الحمد لله.. يا رب جازي الست دي كل خير واسترها معاها ومع أولادها.. الـ 5 جنيه دي يا بنتي هي اللي كنا هنركب بيها بكره الصبح التوك توك والاتوبيس عشان نروح المستشفى عشان أعمل جلسة العلاج.. لو كانت ضاعت مننا مكنتش هعرف أتحرك من السرير، ولا كان هيبقى معانا حق المواصلات ونضيع الجلسة.”

عند الجملة دي، دموعي نزلت زي المطر وأنا واقفة ورا الباب. قلبي اتعصر وعرفت الحقيقة كاملة.. الـ 5 جنيه اللي البياع المستقوي كان هيستقيلها على البنت، كانت تساوي حياة أو موت وجلسة علاج للست دي! جسمي كله قشعر، وتأكدت إن ربنا وقفني في طريق البنت دي لسبب كبير أوي.

إيد الخير لما تمد

ما استحملتش، ولقيت إيدي بتخبط على الباب براحة. البنت فتحت، ولما شافتني عينها وسعت من المفاجأة والفرحة وقالت:

“طنط! إنتي جيتي هنا ازاي؟”

خرجت الأم وهي بتسند بالعافية على الحيطة، ملامحها شاحبة وتعبانة بس وشها كله طيبة. رحبت بيا وهي مكسوفة جداً من ضيق حالهم. دخلت البيت، وهنا كانت الصدمة.. البيت مكنش فيه أي حاجة تنفع للعيشة الآدمية. الأوضة ساقعة ورطبة، والعفش عبارة عن مرتبة قديمة على الأرض، والمطبخ الصغير فاضي ميه فيهوش لقمة عيش واحدة غير كيس البانيه الصغير اللي البنت لسه جايباه عشان يتعشوا بيه.

قعدت مع الأم واتكلمت معاها بالراحة عشان أشيل من عليها الحرج، وعرفت منها إنها أرملة من سنين، وملهاش أي دخل، وبتصارع مرض وحش محتاج علاج وجلسات كل شهر، وإن البنت البريئة دي هي سندها الوحيد في الدنيا، وشايلة مسؤولية البيت والسوق وهي في السن ده.

رجعت بيتي الليلة دي، وصورتهم مش عايزة تفارق خيالي ثانية واحدة. مكنش ينفع أنام وأنا عارفة إنهم بالمنظر ده. حسيت إن ربنا اختارني أكون سبب في تغيير حياتهم، ومكنش ينفع أخذل الاختيار ده.

تاني يوم الصبح، كلمت عيلتي وأصحابي القريبين وناس من أهل الخير اللي أثق فيهم، وشرحت لهم الحكاية. وبفضل الله، كلنا تحركنا مع بعض، وفي ظرف أسبوعين بالظبط، المعجزة كانت حصلت:

  • الشقة الجديدة والاستقرار: قدرنا بفضل الله ننقل العيلة من البيت المهدود والرطب ده لشقة صغيرة نضيفة وآدمية في مكان أحسن، بتدخلها الشمس والهواء، وفرشناها بعفش جديد وبسيط يفرح القلب.

  • علاج الأم: اتكفلنا بمصاريف علاج الأم بالكامل كل شهر، ووفرنا لها سواق تاكسي أمين يجي ياخدها من باب بيتها الجديد للمستشفى تعمل الجلسة ويرجعها، من غير ما تشيل هم “الـ 5 جنيه” بتاعة المواصلات تاني أبداً.

  • الخير اللي مبيخلصش: عملنا لهم مرتب شهري ثابت يقضيهم، والأهم من كده، بقت كرتونة كبيرة مليانة خير (لحمة، وفراخ، ورز، ومكرونة، وخضار، وفاكهة) بتروح لحد باب بيتهم أول كل شهر، عشان نضمن إن البنت دي متوقفش في طوابير ذل ولا تجوع تاني أبداً.

النهارده، وأنا بشوف ضحكة البنت دي وهي رايحة مدرستها بهدومها الجديدة، وبسمع دعاء أمها ليا في كل صلاة، بتأكد إن الـ 5 جنيه اللي دفعتها في اليوم ده مكنتش للبياع.. دي كانت تجارة مع ربنا، وهي دي التجارة الوحيدة اللي كسبت فيها من كل قلبي. ارحموا من في الأرض، يرحمكم من في السماء.

الصفحة السابقة 1 2
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى