رسالة من العروسة

لم ينم سامر في تلك الليلة، ظل جالسًا على مقعد خشبي في زاوية الغرفة، وعيناه معلقتان بالهاتف الذي يحتوي على التسجيل الصوتي، بينما ريم كانت تجلس على طرف بفستانها الأبيض تبكي بصمت حتى تبلل قماش الفستان، وكانت تشعر أن كل دقيقة تمر، لكن نظرات سامر لم تكن نظرات رجل مخدوع، بل كانت نظرات بركان يوشك على .
مع خيوط الفجر الأولى، وقف سامر ونظر إلى ريم وقال بنبرة حازمة: “اغسلي وجهك، والبسي عباءتك، وخذي دليلك معك.. اليوم سينتهي هذا إلى الأبد”. خرج الاثنان من المنزل والحي لا يزال في ، وركبا السيارة متوجهين إلى منزل أهل ريم، وعندما وصلا وطرقا الباب في هذه الساعة المبكرة، فتح والد ريم الباب وهو يرتجف، وظن أن ابنتها قد طُرِدت وجاءت مطلقة في ليلتها الأولى، أمها وبدأت تبكي، لكن سامر دخل بكل هدوء وجلس في الصالون وقال: “يا عمي، أنا لم آتِ لأعيد ابنتكم، أنا جئت لأعيد لها كرامتها التي خوفًا من كلام الناس.. ريم أشرف من الجميع، والآن سنذهب معًا إلى بيت ابن عمها”.
حاول والد ريم منعه وهو يبكي ويقول: “يا بني استر علينا، ابن عمها رجل نفوذ مابقي من سمعتنا”، لكن سامر رفض واستدعى والده وأمه ليكونوا شهودًا على ما سيحدث. اجتمعت العائلتان في منزل عم ريم، وكان ابن عمها “أحمد” يجلس بنظرات وابتسامة نصر مصطنعة، ظنًا منه أن سامر جاء ليفسخ العقد بسبب التي نشرها في الحي.
وقف سامر في منتصف المجلس، وأخرج هاتفه وتشغّل التسجيل الصوتي ليرن في أرجاء الغرفة، صمت الجميع وتغيرت ملامح العم وأحمد، وأصبح وجهه . قال سامر بصوت جدران المكان: “هذا هو ابنكم البار الذي ائتمنتموه على شرف العائلة، هذا الذي حاول حياة فتاة بريئة لأنها رفضت “. هنا، حدثت الأولى التي لم يكن يتوقعها أحد؛ فالعم، وبدلاً من أن يعتذر أو ابنه، نظر إلى سامر ببرود شديد وقال: “وما الجديد؟ نحن نعرف هذا التسجيل منذ سنة، ونعرف أن أحمد هو من لفق لها التهمة، ونحن من طلبنا منه أن يفعل ذلك!”.
ساد صمت في الغرفة، والدة سامر على الأرض من هول ، بينما التفت والد ريم إلى أخيه وهو مذهول لا يصدق ما يسمع. أكمل العم شديد: “أخيك يا عبد الله -ملتفتًا لوالد ريم- كان قد وقع على تنازل عن نصيبه في أراضي العائلة والشركة قبل سنوات دون أن يقرأ، وحين اكتشفت ريم هذه الأوراق بالصدفة وقررت وفسخ خطبتها من أحمد لأنها عرفت أنه أباها، كان يجب علينا أن حتى لا يصدقها أحد في الحي إذا تكلمت عن والأموال.. لقد جعلنا الحي كله لتظل عيناها في الأرض ولا تجرؤ على رفع رأسها أو المطالبة بحق أبيها!”.
كانت هذه الحقيقة كالقنبلة التي نسفت كل شيء، ريم لم تكن عاطفي فقط، بل كانت مؤامرة من عمها وابنه لسرقة أموال والدها الطيب المغفل الذي كان يثق بأخيه أعمى الثقة. ارتمت ريم على الأرض وهي وتبكي، بينما شعر والدها بطعنة في صدره مغشيًا عليه من هول التي جاءت من لحمه .
لكن سامر لم يتراجع، بل ابتسم ابتسامة غامضة مليئة بالتحدي، وأخرج من جيبه هاتفًا آخر وقال للعم وأحمد: “كنت أعلم أن من يملك هذه الدناءة ليتهم بنت أخيه في ، لن تحركه دمعة أو اعتذار.. لذلك قبل أن آتي إلى هنا، قمت بإرسال نسخة من هذا التسجيل، ونسخة من الأوراق والوثائق التي سرقتها ريم من مكاتبكم في فترة خطبتها واحتفظت بها في حقيبتها السرية، إلى المدعي العام والشرطة.. والآن، هم على الأبواب”.
ولم يكد سامر ينهي كلمته حتى قوات الشرطة المنزل بناءً على البلاغ العاجل المدعوم بالأدلة الجنائية والتسجيلات وتهم والتشهير. سُحب أحمد وأبوه وسط وتهديدهما، بينما كان أهل الحي يتجمعون عند الباب ويشاهدون الطغاة الذين طالما صدقوا كذبهم.
التفت سامر إلى ريم، وانحنى ورفعها من على الأرض بكل حنان، ومسح دموعها أمام الجميع وقال لها بصوت مسموع: “اليوم انتهى الخوف يا ريم، واليوم تبدأ ليلة زفافنا الحقيقية.. أنتِ لستِ زوجتي فقط، أنتِ البطلة التي حمت عائلتها، وأنا الرجل الذي يفخر طوال عمره أنه ارتبط بأنقى وأشجع نساء الأرض”. عادوا إلى بيتهم، وحقهم بين أيديهم، ليثبتوا أن حبل الكذب وإن طال، يشنق صاحبه في النهاية، وأن الشرف الحقيقي لا تصنعه ألسنة الناس، بل تحميه شجاعة الصادقين ونبل الأوفياء.

