ابني عنده عشرين سنه

عنده عشرين سنة في عربية وبعد خمس سنين ، دخل فصلي طفل صغير ، أول ما رفعت عيني عليه حسيت إن قلبي وقف في من مكانه لأن تحت عينه الشمال كانت نفس الوحمة نفس العلامة اللي كنت بحفظها عن ظهر قلب في وش ابني.
من يوم ما جبت ابني للدنيا وأنا وهو لوحدنا بنواجه الحياة. أبوه ساب الدنيا قبل حتى ما يشوفه ومن ساعتها بقيت أنا الأم والأب والسند والبيت والدنيا كلها بالنسبة ليه وهو كمان كان دنيتي الوحيدة والسبب اللي كنت بصحى عشانه كل صبح.
كبر قدام عيني سنة ورا سنة. أول يوم مدرسة ، أول مرة نزل يلعب لوحده ، أول مرة ناداني وهو فرحان بنجاحه كل لحظة كانت بالنسبة لي كنز. كنت ببص ليه وأقول في سري إن ربنا عوضني بيه عن كل حاجة خسرتها وإن وجوده في حياتي كان كفاية يهون أي تعب مر عليا.
ولما بقى عنده عشرين سنة ، خرج من البيت زي أي يوم عادي. قبل ما يقفل الباب بصلي وابتسم وقال بلاش تستنيني على العشا ممكن أتأخر شوية. ماكنتش أعرف إن دي آخر مرة هشوف فيها ابتسامته.
وبعدها بساعات جالي خبر وفاته. قالوا إنها كانت حادثة عربية والسواق كان سايق وهو سكران. الظابط حاول يهون عليا وقال بهدوء اطمني ابنك ما اتألمش. لكن ولا كلمة في الدنيا كانت تقدر تخفف وجع أم فقدت ابنها الوحيد.
ومن يومها وأنا عايشة بجسمي بس أما روحي فاتدفنت معاه تحت التراب.
فاكرة يوم دفنه كأنه امبارح. كنت واقفة قدام قبره وببص للتراب ومش قادرة أستوعب إن ابني اللي كان مالي عليا البيت بضحكته بقى تحت الأرض. فضلت أسأل نفسي إزاي الشمس طلعت تاني وإزاي الناس راحت شغلها وإزاي الدنيا كملت عادي بعد ما حياتي أنا وقفت.
عدّت خمس سنين كاملة حاولت أرجع أعيش وكملت شغلي في حضانة الأطفال ، يمكن ضحكاتهم تداوي جزء صغير من اللي انكسر جوايا. كان أسهل إني أدي حناني لأطفال الناس ، بدل ما أفضل كل يوم راجعة لبيت ساكت مفيهوش غير صور ابني وذكرياته اللي عمرها ما سابتني.
كل طفل كان بيفكرني بحاجة فيه ضحكة ، كلمة ، طريقة جري لكني كنت دايمًا بقول لنفسي إن دي مجرد مشاعر أم فقدت ابنها وإن مفيش حد هيشبهه أبدًا.
لحد الصبح اللي دخلت فيه المديرة ومعاها طفل جديد.
ابتسمت وقالت ده آدم لسه منقول عندنا جديد.
دخل وهو مستخبي وراها مكسوف وماسك شنطته بإيده الصغيرة ولما طلبت منه يعرف نفسه رفع عينه ناحيتي لأول مرة
أول ما بصيت له اتجمدت مكاني.
مش بس الوحمة حتى طريقته وهو بيميل راسه وابتسامته الصغيرة وهو مكسوف كانوا شبه ابني بشكل يخوف.
وللحظة حسيت إني مش شايفة طفل غريب حسيت إني ببص على جزء من ابني عمر رجعلي من بعيد. حاولت أقنع نفسي إنها مجرد صدفة وإن فيه آلاف الأطفال عندهم نفس العلامات ، لكن قلبي كان بيرفض يصدق.
كملت الشرح بالعافية وكل شوية كانت عيني تروح عليه من غير ما أحس. كل حركة منه كانت بترجعلي ذكرى قديمة وكل مرة يضحك فيها كنت بحس إن الزمن بيلعب بيا.
بعد ما خلص اليوم قربت منه وقعدت على ركبتي عشان أبقى في مستواه وسألته بهدوء
مين هييجي ياخدك بعد المدرسة؟
ابتسم ببراءة وقال
ماما وبابا الاتنين جايين النهارده.
هزيت راسي كأني عادي لكن إيدي كانت بتترعش وقلبي كان بيدق بطريقة عمري ما حسيتها.
فضلت مستنية آخر اليوم عشان أشوف مين هييجي ياخده. ورغم إن دوامي كان خلص فضلت قاعدة في رعاية ما بعد الدوام وكل شوية أقول لنفسي إني بس عايزة أطمن على الطفل لكن الحقيقة إني كنت مستنية أشوف أهله ، يمكن ألاقي تفسير للي شفته.
ولما الطفل جري وهو بيصرخ ماما رمى شنطته من على ضهره وجرى بكل فرحة ناحية الباب.
رفعت عيني أشوف الست اللي فتحِت ليه حضنها
وفي اللحظة دي حسيت إن الدنيا كلها وقفت واتسمرت مكاني من الصدمة لأن الست دي كانت آخر واحدة في الدنيا كنت أتوقع أشوفها قدامي.
صابرين_محمد
سيب لايك وكومنت لو القصة لمستك
ومتنساش تصلي على النبي ﷺ وأنا هرد بالتكملة في أول تعليق.
ابني مات وهو عنده عشرين سنة في حادثة عربية وبعد خمس سنين ، دخل فصلي طفل صغير ، أول ما رفعت عيني عليه حسيت إن قلبي وقف في من مكانه لأن تحت عينه الشمال كانت نفس الوحمة نفس العلامة اللي كنت بحفظها عن ظهر قلب في وش ابني.
وقفت مكاني، وحسيت إن رجلي مش شايلاني.
بلعت ريقي بصعوبة وقربت منه وأنا بحاول أخلي صوتي طبيعي.
مين قالك إن في حادثة يا آدم؟
بص للعربية اللعبة شوية، ولفها بين صوابعه الصغيرة، وقال بهدوء
محدش… أنا شفتها.
سألته باستغراب شفتها فين؟
رد وهو مركز في العربية في الحلم… عربية لونها غامق، وكانت ماشية بسرعة أوي… وبعدها سمعت صوت خبطة جامد.
اتسعت عيني، لكني حاولت أقنع نفسي إنه خيال طفل.
في اللحظة دي دخلت المساعدة تنادي الأطفال عشان ميعاد الأكل، فجري آدم مع زمايله كأنه مقالش أي حاجة غريبة.
أما أنا، فضلت واقفة مكاني.
طول اليوم وأنا بفكر… هل الطفل ده سمع حد بيتكلم عن الحادثة؟ ولا دي مجرد مصادفة تانية؟
لكن المصادفات بقت كتير.
…
بعد كام يوم، نهى بقت تيجي كل يوم تستلم آدم، وكل مرة كنت بحاول أتكلم معاها شوية.
لحد ما في يوم قلتلها
هو آدم مولود إمتى؟
ابتسمت وقالت من خمس سنين وشهرين.
التاريخ دخل قلبي زي السهم.
كان نفس الشهر… ونفس الأسبوع… اللي فقدت فيه ابني.
هزيت راسي وسكت.
نهى لاحظت شرودي وقالت مالك؟ وشك اتغير.
ابتسمت ابتسامة باهتة وقلت افتكرت حاجة قديمة.
بصتلي نظرة طويلة، كأنها فاهمة أكتر مما بتقول، لكن قبل ما تنطق، آدم شدها من إيدها.
ماما… يلا.
وركبوا العربية ومشيوا.
…
في اليوم اللي بعده، كان عند الأطفال نشاط رسم.
طلبت منهم يرسموا أي مكان بيحبوه.
الأطفال رسموا بيوت وحدايق وبحر.
إلا آدم.
فضل ساكت، وبعدين بدأ يرسم طريق طويل.
وفي آخر الطريق… رسم شجرة كبيرة.
وتحتها شاهد قبر.
ولما خلص، كتب تحت الرسمة بخط طفل صغير
هنا كنت بنام.
حسيت ببرودة سرت في جسمي.
قربت منه وسألته بهدوء
إيه المكان ده يا آدم؟
رفع عينه ليا، وقال بمنتهى البراءة
مش عارف… بس أنا حافظ الطريق ده.
قبل ما ألحق أسأله أي سؤال تاني…
دخل الحارس وهو بيدور عليا وقال
في راجل برة بيسأل عليكي بالاسم.
استغربت.
خرجت بسرعة.
ولما وصلت للباب…
لقيت رجل كبير في السن، ملامحه مرهقة، وما إن شافني حتى مد إيده ليا بظرف قديم أصفر اللون.
وقال بصوت منخفض
الظرف ده كان مع ابنك يوم الحادث… والنهارده بس عرفت أوصله لصاحبه.
وأول ما بصيت على الظرف…
لقيت عليه بخط إيد ابني كلمة واحدة
أمي اتجمدت وأنا باخد الظرف من إيده.
إيدي كانت بتترعش، وقلبي بيدق بعنف.
بصيت للرجل وسألته بصوت مخنوق
إزاي؟! قالوا إن كل حاجته اتسلمتلي.
تنهد وقال
وده اللي كان مفروض يحصل… بس الظرف وقع وقت نقل العربية، واتحشر تحت الكرسي. العربية اتباعت بعد القضية بسنين، ومن كام يوم الميكانيكي لقيه وهو بيفك الفرش. لما فتحت الظرف أشوف صاحبه، لقيت اسمك وعنوانك القديم.
حضنت الظرف لصدري كأنه جزء من ابني رجعلي.
شكرته، ومشيت من غير ما أحس أنا رايحة فين.
…
أول ما دخلت البيت، قفلت الباب، وقعدت قدام صورة ابني.
بصيت للصورة ودموعي نزلت لوحدها.
رجعتلي بحاجة منك بعد خمس سنين…
فتحت الظرف بحذر.
كان جواه ورقة مطوية أكتر من مرة.
خطه كان هو… نفس الخط اللي كنت براجع بيه واجباته زمان.
فتحتها وبدأت أقرأ.
أمي… لو بتقري الرسالة دي، يبقى أنا غالبًا اتأخرت عليك في حاجة كنت عايز أقولها…
وقفت القراءة لحظة.
الكلمات كانت بتوجعني.
كملت.
عارف إنك هتزعلي لو عرفت، عشان كده كنت مستني أقولك بنفسي…
قلبي انقبض.
إيه الحاجة اللي كان مستخبيها عني؟
كملت بسرعة.
فاكرة الراجل الكبير اللي قابلناه من شهر عند الورشة؟
حاولت أفتكر.
وبالفعل… افتكرت.
قبل الحادثة بأسابيع، ابني رجع البيت وهو بيحكيلي إنه ساعد راجل عربيته عطلت في الطريق، ووصله لحد بيته.
وقتها افتكرت إنها مجرد موقف وعدى.
لكن الرسالة كانت بتحكي حاجة تانية.
الراجل ده سلمني أمانة، وقالي لو حصله أي حاجة أو لو اتأخر، أوصلها لصاحبتها…
قطبت جبيني.
إيه الأمانة دي؟
وقلبت الورقة.
لقيت اسم مكتوب بخط واضح.
نهى…
شهقت من الصدمة.
نهى؟
بنت خالتي؟
إيه علاقتها بالأمانة؟
وفي نفس اللحظة، رن تليفوني.
كان رقم نهى.
رديت بسرعة.
لكن اللي سمعته مكانش صوتها…
كان صوت راجل بيقول بقلق
إنتِ تبقي أبلة آدم؟… لو سمحتِ تعالي بسرعة… آدم اختفى من قدام البيت، وآخر كلمة قالها قبل ما يجري كانت أنا عارف الطريق… هروح المكان اللي كنت فيه زمان وقعت الرسالة من إيدي، وقلبي كاد يخرج من صدري.
قلت بسرعة هو اختفى من إمتى؟
الراجل رد وهو بيحاول يسيطر على توتره من حوالي عشر دقايق. دورنا في الشارع كله، ومش لاقيينه.
من غير ما أفكر، خطفت شنطتي ونزلت أجري.
لما وصلت، لقيت نهى واقفة قدام البيت وهي بتعيط، وجوزها بيلف بالعربية في الشوارع المجاورة.
أول ما شافتني، حضنتني وهي بتقول أنا مش فاهمة! عمره ما عملها قبل كده.
حاولت أهديها، لكن جملة واحدة فضلت ترن في وداني
أنا عارف الطريق.
فجأة افتكرت الرسمة…
الطريق الطويل…
الشجرة…
وشاهد القبر.
سألت نهى بسرعة آدم عمره راح المقابر قبل كده؟
هزت رأسها بقوة أبدًا.
في اللحظة دي، جوزها رجع بالعربية وقال ملقيناهوش.
سكت ثواني، وبعدين قلت تعالوا معايا…
في مكان لازم نروحه.
استغربوا، لكن محدش اعترض.
…
طول الطريق للمقابر، كان الصمت مالي العربية.
كل واحد فينا غارق في أفكاره.
وأنا كنت بدعي من كل قلبي أكون غلطانة.
أول ما دخلنا المقابر، نزلت أجري ناحية المدفن اللي حافظاه عن ظهر قلب.
ومن بعيد…
شفت طفل صغير قاعد على الأرض.
ضهره لينا.
ولابس نفس تيشيرت آدم.
صرخت آدم!
لف ببطء، وبص لنا بهدوء غريب.
كان قاعد قدام قبر ابني.
ولما قربنا منه، قال بمنتهى البراءة
هو هنا…
سألته وأنا برتعش مين؟
أشار للقبر الصامت وقال
صاحبي.
نهى شهقت، وجوزها حمل آدم بسرعة وهو بيقول إيه الكلام ده يا ابني؟
لكن آدم زقه برفق، ونزل تاني على الأرض.
وحط إيده الصغيرة على الرخام.
وقال
كان بيقول إنه زعلان… عشان الرسالة اتأخرت.
اتسمرت مكاني.
بصيت على الظرف اللي لسه في إيدي.
آدم عمره ما شاف الرسالة…
ولا يعرف أصلًا إن معايا ظرف.
لكن قبل ما أتكلم…
وقعت عين نهى على الاسم المكتوب في الورقة، فتغير لون وشها فجأة.
همست بصوت مرتعش
الرسالة… لسه معاكي؟
رفعت عيني أبصلها.
وقلت بدهشة
إنتِ… كنتِ تعرفي بوجودها؟
نهى نزلت دموعها، وبصت للقبر طويلًا، ثم قالت
في حاجة حصلت قبل الحادث بأيام… عمري ما قدرت أحكيها لحد.
وسكتت…
كأنها بتجمع شجاعتها لأول مرة منذ خمس سنوات نهى فضلت باصة للقبر ثواني طويلة، وبعدين مسحت دموعها وقالت بصوت مبحوح
أنا لازم أحكيلك الحقيقة… الحقيقة كلها.
قلبي انقبض.
لكنها كملت بسرعة قبل ما أقاطعها
متخافيش… اللي هقوله ملوش أي علاقة بخيانة ولا حاجة وحشة. بس أنا كنت خايفة أفتح الموضوع بعد اللي حصل.
قعدنا على الدكة الحجر اللي جنب المدفن، وآدم كان واقف ساكت، ماسك إيد أبوه، وعينه على القبر كأنه مستني يسمع.
أخذت نهى نفسًا عميقًا وقالت
قبل الحادث بأسبوع… ابنك قابل راجل كبير في السن في الطريق. الراجل كان تعبان، وابنك وصله بالعربية لحد بيته. هناك الراجل حكاله إنه بيدور على بنت أخوه من سنين، وإنه ندم إنه قطع صلته بأهله بسبب خلاف قديم.
افتكرت الرسالة.
قلت بسرعة وده الراجل اللي كتب عنه في الورقة.
هزت رأسها.
أيوه… والراجل ده كان يعرف عيلتنا.
اتسعت عيني.
يعرفنا؟
قالت
طلع صديق
—
قديم لخالك الله يرحمه. ولما عرف إن ابنك قريبنا، طلب منه يوصل أمانة.
إيه هي الأمانة؟
نهى سكتت لحظة، ثم قالت
مفتاح.
استغربت.
مفتاح إيه؟
طلعت من شنطتها صورة قديمة، كانت أطرافها مصفرة من الزمن.
في الصورة ظهر صندوق خشبي صغير، عليه قفل نحاسي قديم.
وقالت
الراجل قال إن الصندوق ده متخزن من أكتر من خمسة وعشرين سنة، وفيه أوراق تخص العيلة كلها… وأوصى إنه ما يتفتحش غير لما المفتاح يوصل لصاحبته.
بصيت للصورة، ثم للرسالة.
وصاحبته مين؟
رفعت نهى عينيها ناحيتي وقالت بهدوء
إنتِ.
شهقت.
أنا؟!
هزت رأسها.
ابنك كان راجع يقابلك يوم الحادث… وكان ناوي يسلمك المفتاح بنفسه، ويشرحلك كل حاجة. لكنه ما لحقش.
سكتت الدنيا حواليا.
كل السنين دي… كنت فاكرة إن ابني خرج يومها عادي.
لكن الحقيقة إنه كان راجع وهو شايل أمانة ليا.
بسرعة فتحت الرسالة مرة تانية، وقلبت الورقة من الخلف.
ولأول مرة لاحظت إن فيه سطر صغير جدًا مكتوب بالقلم الرصاص، كأنه اتكتب في آخر لحظة.
اقتربت من الضوء عشان أقرأه.
وكان مكتوب
يا أمي… لو المفتاح ضاع، دوري في المكان اللي فيه الشجرة الكبيرة… هتفهمي كل حاجة.
رفعت رأسي ببطء.
وبصيت للشجرة الضخمة الواقفة في آخر المقابر…
نفس الشجرة…
اللي آدم كان بيرسمها كل مرة بصيت للشجرة، وحسيت بقشعريرة سرت في جسمي.
كانت واقفة في آخر صف المقابر، كبيرة وقديمة، وفروعها مغطية جزء من المكان.
همست من غير ما أحس
هي دي…
آدم ساب إيد أبوه، ومشى ناحيتها بخطوات هادئة.
ناديت عليه
استنى يا آدم.
وقف، وبصلي، وقال
هو كان واقف هنا.
قلبي دق بعنف.
مين؟
قال ببساطة
الولد اللي بيبتسم.
نهى بصتلي باستغراب، أما جوزها فقال
يمكن بيتخيل… الأطفال ساعات خيالهم واسع.
هزيت رأسي، لكني كنت عارفة إن لازم أشوف المكان.
قربنا كلنا من الشجرة.
كان التراب حوالين جذعها ناشف، لكن في ناحية صغيرة كأنها اتقلبت من وقت قريب.
ركعت على الأرض، وبدأت أزيح التراب بإيدي.
نهى نزلت تساعدني، وجوزها جاب قطعة خشب صغيرة من جنب السور وبدأ يحفر بحذر.
بعد دقائق…
سمعنا صوت خفيف.
تك.
وقفنا كلنا.
كان فيه جسم معدني تحت التراب.
طلعناه بهدوء.
علبة حديد صغيرة، غطاها عليه صدأ، لكنها كانت مقفولة بإحكام.
بصيت لنهى.
قالت وهي متوترة
دي مشفتهاش قبل كده.
حاول جوزها يفتحها، لكنها كانت مقفولة.
قلت وأنا بافتكر كلام الرسالة
المفتاح…
لكن المفتاح فين؟
في اللحظة دي، آدم قرب من العلبة، ولمسها بإصبعه الصغير.
وبعدين بص ناحيتي وقال
المفتاح مش هنا.
استغربت.
أمال فين؟
رفع عينه للسماء لحظة، كأنه بيفكر، ثم قال
في البيت… جوه الحاجة الخشبية اللي فيها الصور.
شهقت.
في البيت عندي فيه صندوق خشبي قديم، بحط فيه صور ابني وكل متعلقاته.
الصندوق ده مفتحتوش من يوم وفاته.
كنت كل ما أبصله، أقفله تاني من غير ما ألمسه.
نهى قالت بسرعة
يلا… لازم نروح.
أخدنا العلبة معانا، ورجعنا بيتي.
دخلت أوضتي، ووقفت قدام الصندوق الخشبي.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه لأول مرة من خمس سنين.
كانت الصور زي ما هي…
وساعته…
وكشكول قديم…
وتحتهم، في ركن صغير جدًا، لقيت ظرفًا لم أره من قبل.
كان مربوطًا بخيط أزرق.
ولما فتحته…
وقع منه مفتاح نحاسي قديم.
لكن مع المفتاح كانت فيه ورقة صغيرة مكتوب عليها بخط ابني
لو لقيتي المفتاح… متفتحيش الصندوق لوحدك. لازم يكون الراجل العجوز موجود… لأنه الوحيد اللي يعرف السر الكامل.
ساد الصمت في الغرفة.
ونظرت إلى الرجل الذي سلمني الرسالة في الصباح…
لكن مكانه كان خاليًا.
لأننا لم نأخذ منه أي رقم هاتف…
ولا حتى سألناه عن اسمه اتبادلنا النظرات في صمت.
أول واحد اتكلم كان جوز نهى
إحنا حتى ما سألناهوش اسمه… ولا قال ساكن فين.
حاولت أفتكر ملامحه بالتفصيل.
كان راجل كبير، شعره أبيض، وماسك عصاية خشب، وفي إيده خاتم فضة عليه حرف واحد محفور.
لكن وقتها كنت مصدومة بالرسالة، ومركزتش في أي حاجة تانية.
نهى فجأة قالت
استني…
جريت على الشنطة بتاعتها، وطلعت منها كارت صغير.
لما سلّمنا الرسالة، وقع منه ده من غير ما يحس.
أخدت الكارت بسرعة.
كان قديم، ولونه باهت.
مكتوب عليه
محمود عبدالعزيز أمين أرشيف متقاعد.
وتحته عنوان قديم في حي من أحياء المدينة.
قلت فورًا
لازم نروحله.
…
تاني صباح، وصلنا للعنوان.
البيت كان قديم جدًا، وبابه الخشبي مقفول.
خبطنا أكتر من مرة.
وبعد شوية، فتحت لنا سيدة كبيرة في السن.
سألتها
لو سمحتي… الأستاذ محمود موجود؟
بصتلنا باستغراب، وقالت
حضراتكم تقربوله إيه؟
قلت
إحنا بندور عليه في موضوع مهم.
نزلت رأسها بحزن وقالت
للأسف… الأستاذ محمود توفى من أسبوع.
حسيت إن الأرض بتميد بيا.
توفى؟!
هزت رأسها.
أيوه… لكن قبل وفاته كان كل يوم يقول إنه مستني يسلم أمانة لصاحبتها، وكان رافض يرتاح قبل ما يعمل كده.
بصيت لنهى.
يبقى الراجل نفذ وعده فعلًا.
السيدة كملت
استنوا.
دخلت، ورجعت بعد دقيقة وهي شايلة دفتر جلدي قديم.
وقالت
وصاني… لو حد جه ومعاه مفتاح نحاس قديم، أسلمه الدفتر ده.
فتحت الدفتر بحذر.
في أول صفحة كانت فيه جملة مكتوبة بخط محمود
لو وصلتوا لهنا… يبقى الأمانة بدأت ترجع لأصحابها.
وقلبت الصفحة.
لقيت خريطة مرسومة بالقلم.
مش خريطة لمدينة…
لكن خريطة لبيت قديم.
وفي آخر الخريطة علامة حمراء.
وتحتها مكتوب
الصندوق الحقيقي ليس الذي وجدتموه تحت الشجرة… بل ما بداخله هو مفتاح الطريق فقط.
رفعت رأسي ببطء.
ونهى همست وهي تنظر إلى الخريطة
أنا أعرف البيت ده…
سألتها بسرعة
فين؟
قالت وهي ما زالت تحدق في الرسم
ده بيت جدنا القديم… اللي اتقفل من أكتر من عشرين سنة، ومحدش دخله من يومها.
وفي اللحظة نفسها…
وقع المفتاح النحاسي من إيدي على الأرض.
ولما ارتطم بالسيراميك…
انشق نصفين.
وظهر من داخله شيء صغير جدًا لم يكن أحد يتوقع وجوده
مفتاح ثانٍ… أصغر حجمًا، ومصنوع من الذهب انحنيت بسرعة والتقطت المفتاح الذهبي.
كان صغيرًا جدًا، لا يتعدى طول عقلة الإصبع، وعلى رأسه نقش غريب يشبه شجرة لها ثلاثة فروع.
بصتله نهى وهمست
النقش ده…
سألتها شفتيه قبل كده؟
هزت رأسها ببطء.
أيوه… في بيت جدي.
…
في نفس اليوم، روحنا البيت القديم.
كان في آخر شارع هادئ، بابه الخشبي مغطيه التراب، والشبابيك مقفولة من سنين.
أول ما وقفنا قدامه، حسيت بإحساس غريب.
مش خوف…
إحساس إن المكان مستني حد يرجعله.
طلع جوز نهى مفتاح الباب القديم، وبعد محاولات فتحه.
الباب عمل صوتًا طويلًا وهو بيتفتح، وكأن البيت بيتنفس لأول مرة من سنين.
دخلنا.
ريحة الخشب القديم والغبار كانت مالية المكان.
الأثاث كله متغطي بملايات بيضا، والساعات على الحيطان واقفة.
كأن الزمن وقف هنا.
آدم كان ماشي قدامنا بهدوء، يبص يمين وشمال، كأنه حافظ المكان.
وفجأة وقف قدام سلم خشبي.
وقال
مش هنا.
استغربنا.
لف ناحية أوضة صغيرة تحت السلم.
وأشار بإيده.
هناك.
دخلنا الأوضة.
كانت فاضية تقريبًا، غير مكتبة قديمة مليانة كتب.
بدأنا نفتش.
فتحنا الأدراج، قلبنا الكتب، لكن مفيش أي حاجة.
كنت على وشك أقول إننا فهمنا الخريطة غلط.
لكن آدم قرب من المكتبة، وحط إيده على كتاب كبير مغبر.
ولما شده…
سمعنا صوت خفيف.
طَق.
المكتبة اتحركت سنتيمترات قليلة.
كلنا اتجمدنا.
جوز نهى زقها بحذر.
وراها ظهر باب حديد صغير، مدفون جوه الحائط.
وفي نص الباب…
كان فيه قفل صغير بنفس شكل المفتاح الذهبي.
بصيت للمفتاح اللي في إيدي.
ثم للقفل.
قلبي كان بيدق بقوة.
دخلت المفتاح ببطء…
ولأول مرة من سنين…
سمعنا صوت القفل وهو بيفتح.
لكن قبل ما نفتح الباب الحديدي…
لقينا ظرفًا أبيض ملزوقًا عليه من الخارج.
وعليه بخط قديم واضح
لا تفتحوا هذا الباب… إلا بعد أن يقرأ الجميع الرسالة الموجودة بالداخل وقفنا كلنا نبص للظرف.
الغريب إنه كان مثبت من بره الباب، كأن صاحبه كان عارف إن أي حد هيوصل للمكان ده هيشوفه قبل ما يفتح.
نزعت الظرف بحذر.
كان مقفول بالشمع الأحمر، وعليه نفس ختم الشجرة ذات الفروع الثلاثة.
فتحت الشمع، وطلعت ورقة مطوية بعناية.
بدأت أقرأ بصوت مسموع
إذا وصلت هذه الرسالة إلى صاحبتها، فاعلمي أن ما ستجدينه خلف هذا الباب ليس كنزًا من الذهب، ولا أسرارًا تُخيف. إنه أمانة عائلية احتفظت بها سنوات طويلة حتى لا تضيع، ووعد قطعته لصديق رحل قبل أن يستردها.
بصيت لنهى.
كانت
بتسمع وهي ماسكة نفسَها.
كملت القراءة
في هذا المكان محفوظ صندوق فيه عقود قديمة، وصور، ورسائل، وشجرة نسب العائلة، وكل ما يثبت حقوق أصحابها. لم أرد أن تقع هذه الأوراق في الأيدي الخطأ أثناء الخلافات التي فرقت الأسرة.
سكتُّ لحظة.
إذًا كل الحكاية كانت عن أمانة… مش عن سر مخيف.
وفي آخر الرسالة كان فيه سطر مكتوب بخط مختلف، واضح إنه أضيف بعد سنين
وابنكِ كان آخر من وافق أن يحمل هذه الأمانة، وأصر أن يوصلها بنفسه، وقال لي أمي بتحب تجمع شمل العيلة… وهي أول واحدة لازم تعرف الحقيقة.
انهمرت دموعي.
ابتسمت رغم الوجع.
حتى في آخر أيامه… كان بيفكر فيَّ.
نهى مسحت دموعها وقالت
كان طيب أوي… الله يرحمه.
مددت إيدي ناحية مقبض الباب الحديدي.
لكن قبل ما أفتحه، سمعنا صوت ارتطام خفيف جاي من داخل الغرفة.
كلنا بصينا لبعض.
جوز نهى قال بهدوء
أكيد حاجة وقعت بسبب إن الباب اتحرك.
لكن الصوت اتكرر…
مرة تانية.
ثم ساد الصمت.
أخذت نفسًا عميقًا، ولففت المقبض ببطء…
وبدأ الباب الحديدي يفتح، كاشفًا عن غرفة صغيرة لم يدخلها أحد منذ عشرات السنين، لكن أول ما وقع نظرنا على ما بداخلها…
توقفنا جميعًا في مكاننا من شدة المفاجأة فتح الباب ببطء، وصرير المفصلات كسر الصمت.
دخل جوز نهى الأول، وشغّل كشاف الموبايل.
النور كشف عن غرفة صغيرة، جدرانها من الحجر، وفي منتصفها ترابيزة خشب قديمة.
وفوق الترابيزة…
كان فيه صندوق خشبي كبير، محفور على غطاه نفس شعار الشجرة.
وحواليه أرفف عليها ملفات وصناديق أصغر، كلها متغطية بطبقة سميكة من التراب.
لكن اللي لفت انتباهي مش الصندوق…
كان كوب زجاج عليه شوية مية ناشفة، وكأنه حد شرب منه وسابه من زمن بعيد.
همست معقول المكان ده محدش دخله من سنين؟
جوز نهى قرب من الصندوق وقال شكله مقفول بالمفتاح الصغير.
ناولته المفتاح الذهبي.
حطه في القفل…
ولفّه بهدوء.
تك…
القفل اتفتح.
رفعنا الغطا.
جواه كانت رزم أوراق مربوطة بشرائط قماش، وألبومات صور قديمة، وعلبة مخمل خضراء.
فتحت العلبة.
لقيت فيها خاتم فضة.
نفس الخاتم…
اللي كان لابسه الرجل العجوز يوم سلمني الرسالة.
وتحته ورقة صغيرة مكتوب فيها
من يحمل هذا الخاتم، يصبح أمين الأمانة بعدي.
بصيت لنهى باستغراب.
قالت يبقى الأستاذ محمود كان آخر أمين.
بدأنا نقلب في الأوراق.
كان فيها عقود ملكية قديمة، وصور للعيلة من أكتر من أربعين سنة، وخطابات متبادلة بين أجدادنا.
وفجأة…
وقع ألبوم صور من بين الملفات.
فتحته.
وأول صورة فيه كانت صورة لابني…
لكن مش وهو كبير.
كان طفل عنده حوالي خمس سنين.
اتجمدت.
أنا متأكدة إن الصورة دي عمرها ما كانت عندي.
قلبت الصفحة بسرعة.
لقيت صورة تانية…
أنا وابني.
في عيد ميلاده السادس.
الصورة دي كمان اختفت من البيت بعد الحادث، وفضلت أدور عليها شهور.
بصيت لنهى وقلت
إزاي الصور دي هنا؟!
وقبل ما حد يرد…
لقينا ظرفًا صغيرًا وقع من بين صفحات الألبوم.
كان مكتوب عليه بخط الأستاذ محمود
هذه الصور أخذها ابنك بنفسه قبل الحادث بأيام، وقال احتفظ بيها مع الأمانة… ولما أمي تستلمها، قولها متزعلش إني أخدتها من غير إذنها، كنت عايز أعملها مفاجأة.
ابتسمت وسط دموعي.
لأول مرة من خمس سنين…
حسيت إن جزءًا من ابني رجع إليّ.
لكن بينما كنا نجمع الأوراق…
لاحظ آدم شيئًا غريبًا في آخر الغرفة.
كان هناك درج خشبي صغير، نصف مفتوح.
اقترب منه بهدوء، ثم ناداني
أبلة… هو ده كان مقفول ليه؟
ولما فتحنا الدرج بالكامل…
وجدنا بداخله مفكرة جلدية سوداء، وعلى أول صفحة منها مكتوب بخط ابني
يومياتي… ممنوع أي حد يقرأها إلا أمي شهقت، ومددت إيدي ناحية المفكرة.
كانت قديمة شوية، لكن واضح إنها كانت متحافظ عليها كويس.
لمست الغلاف بإيدي، وكأني بلمس إيد ابني.
فضلت ثواني مش قادرة أفتحها.
نهى حطت إيدها على كتفي وقالت بهدوء
اقريها… دي كانت أمنيته.
فتحت أول صفحة.
كان كاتب في أولها
لو أمي بتقرأ الكلام ده، يبقى أنا مش موجود قدامها… بس أتمنى لما تخلص، تبتسم، ومتعيطش.
دموعي نزلت غصب عني.
قلبت الصفحة.
كان بيكتب عن أيامه العادية…
عن الجامعة…
وأصحابه…
وأحلامه.
وفي كل كام صفحة، كان يكتب سطرًا عني.
أمي بتتعب أوي… ولازم أخليها ترتاح.
نفسي أجيب لها بيت أكبر.
كل ما أكبر، بحس قد إيه هي ضحت عشاني.
كل كلمة كانت بتوجعني، وفي نفس الوقت بتطمني إن ابني
—
عاش وهو راضي عني.
لحد ما وصلت لآخر عشر صفحات.
الكتابة اختلفت.
بقت أسرع، وكأنها مكتوبة على استعجال.
وكان أول سطر فيها
النهارده قابلت الأستاذ محمود للمرة التانية.
كملت القراءة.
سلمني الأمانة، وحكالي حكاية طويلة عن العيلة، وطلب مني أوصلها لأمي. وافقته، لكن طلبت منه حاجة.
استغربت.
إيه اللي طلبه؟
قلبت الصفحة.
قلت له… لو حصلي أي حاجة قبل ما أوصلها، أوعدني إنك متسيبش أمي لوحدها، وإنك توصلها كل حاجة بنفسك.
بصيت للخاتم الفضي.
افتكرت الراجل العجوز.
إذن هو كان بينفذ الوعد…
حتى آخر يوم في عمره.
وقبل آخر صفحة، لقيت جيبًا صغيرًا معمول في المفكرة.
دخلت إيدي فيه.
طلعت بطاقة ذاكرة إلكترونية صغيرة جدًا.
نظرنا لبعض باستغراب.
جوز نهى قال
دي كارت ميموري.
كان جنبه ورقة صغيرة مكتوب فيها
فيها حاجة مهمة… لكن متتشافش إلا في المكان اللي اتصورت فيه.
سألت نهى
هو يقصد إيه؟
هزت رأسها.
لكن آدم، اللي كان ساكت طول الوقت، رفع رأسه فجأة وقال
البحر.
بصيناله كلنا.
قلت
ليه البحر؟
قال بثقة غريبة
هو كان ماسك الكاميرا هناك… وأنا شايف الصخور الكبيرة.
اتسعت عيني.
لأن آخر رحلة خرجها ابني قبل الحادث…
كانت فعلًا إلى البحر.
ولم يكن يعرف ذلك… إلا أنا فضلت أبص لآدم ثواني من غير ما أتكلم.
قلت بهدوء
يا آدم… مين قالك إنه كان عند البحر؟
هز كتفيه وقال ببراءة
محدش… بس أول ما شوفت الكارت حسيت بكده.
نهى احتضنته وقالت
يمكن افتكر صورة شافها في البيت.
لكنها كانت عارفة زيي إن آدم عمره ما شاف صور رحلة البحر.
كل الصور كانت معايا… أو هكذا كنت أعتقد.
تاني يوم الصبح، أخدت كارت الذاكرة، وروحنا كلنا للشاطئ اللي كان ابني راحه آخر مرة.
المكان اتغير شوية عن زمان، لكن الصخور الكبيرة كانت لسه زي ما هي.
وقفت أبص للبحر.
نفس الموج…
نفس الهوا…
كأن خمس سنين معدوش.
طلعت الكارت من جيبي.
كان معانا لابتوب صغير، لكن افتكرت الجملة اللي كتبها ابني
متتشافش إلا في المكان اللي اتصورت فيه.
فقلت
هنشغله هنا.
ركبنا الكارت.
أول ما اتفتح، ظهر ملف فيديو واحد.
اسمه
لأمي.
دموعي نزلت قبل حتى ما أشغله.
ضغطت تشغيل.
ظهر ابني على الشاشة، واقف قدام البحر، والهوا بيحرك شعره.
ابتسم للكاميرا وقال
لو الفيديو ده اشتغل… يبقى الأستاذ محمود وفّى بوعده.
سكت ثانية، ثم ضحك ضحكته اللي وحشتني.
أمي… أول حاجة، متزعليش. أنا عارف إنك هتعيطي، بس كملي للآخر.
فضلت أسمع وأنا مش قادرة أرفع عيني من الشاشة.
قال
أنا صورت الفيديو ده عشان الأمانة، بس كمان عشان أقولك حاجة كنت دايمًا بكسف أقولها وش.
ابتسم وقال
أنا فخور إني ابنك.
انهرت في البكاء.
نهى كانت بتمسح دموعها هي كمان.
ثم أكمل
لو وصلتي لحد هنا، يبقى أكيد فتحتي الصندوق. الأوراق اللي جواه مهمة للعيلة، لكن في حاجة أهم.
مد إيده ناحية الكاميرا، وطلع صورة صغيرة.
كانت صورة جماعية للعيلة كلها في عيد قديم.
وأشار إلى طفل صغير واقف في آخر الصف.
وقال
الولد ده… هو مفتاح حكاية كاملة. محدش بيسأل عنه، مع إنه كان سبب إن العيلة تفضل متماسكة سنين.
قرب الصورة من الكاميرا، لكن الرياح قلبتها بسرعة، وما ظهرش وش الطفل بوضوح.
قال
اسألي الأستاذ محمود عنه… هو الوحيد اللي يعرف.
انتهى الفيديو.
ساد الصمت.
بصيت لنهى.
هي بصتلي بحزن، وقالت
بس الأستاذ محمود… توفى.
وفي اللحظة دي، افتكر جوز نهى حاجة.
قال بسرعة
استنوا… زوجة الأستاذ محمود قالتلي وهي بتدينا الدفتر إن فيه صندوق صغير في مكتبه، وقالت إنها مفتحتوش لأنه كان كاتب عليه لا يُفتح إلا بعد مشاهدة الفيديو.
نظرنا إلى بعضنا في ذهول.
إذن…
الأستاذ محمود كان يعرف أن هذه اللحظة ستأتي، ورتب كل شيء قبل وفاته رجعنا من البحر وإحنا ولا واحد فينا نطق بكلمة.
كل واحد كان غرقان في أفكاره.
وصلنا بيت الأستاذ محمود قبل المغرب، واستقبلتنا زوجته أول ما شافتنا.
بصت في وشوشنا وقالت بهدوء
يبقى شفتوا الفيديو.
استغربت وقلت
حضرتك عرفتي منين؟
ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت
لأنه كان قايللي… هييجوا تاني، ولما يرجعوا افتحي لهم المكتب.
دخلتنا أوضة صغيرة في آخر البيت.
كانت مليانة كتب وملفات، وكل حاجة فيها مترتبة بدقة.
أشارت إلى درج خشبي وقالت
الصندوق هناك.
فتحنا الدرج.
كان فيه صندوق صغير من خشب الجوز، وعليه ورقة مكتوب فيها
بعد مشاهدة الفيديو فقط.
المفتاح الذهبي دخل فيه بسهولة.
ولما فتحناه…
لقينا ملف واحد، ومعاه كاسيت تسجيل قديم.
وتحته جهاز تشغيل صغير للشريط.
قالت زوجة الأستاذ محمود
كان محتفظ بيه مخصوص.
ركبنا الشريط.
وبعد ثوانٍ، اشتغل صوت الأستاذ محمود.
كان صوته هاديًا ومتعبًا.
قال
لو بتسمعوا التسجيل ده، يبقى أنا خلاص سبت الدنيا.
سكت لحظة، ثم أكمل
أنا كنت مجرد أمين للأمانة… لكن الحقيقة الكاملة مكتبتهاش في الورق، لأن فيها مشاعر أكتر من إنها تتحط في ملفات.
أخذ نفسًا عميقًا.
من أكتر من خمسة وعشرين سنة، اتفرقت العيلة بسبب سوء تفاهم كبير. كل واحد افتكر إن التاني ظلمه، والكل بعد عن الكل.
ثم قال
لكن أكتر واحد تعب عشان يجمعكم من جديد… كان ابنها.
ضممت المفكرة إلى صدري.
أكمل التسجيل
لما عرف القصة، كان كل ما يقابلني يقولي مش عايز العيلة تفضل متفرقة. نفسي أمي تشوف الكل مجتمع قبل ما تكبر.
دموعي نزلت من جديد.
ثم قال
وعشان كده، بدأ يجمع الصور القديمة، والعقود، والرسائل، ويرتبها بنفسه.
نهى همست
عشان كده كانت الصور بتختفي…
أومأت وأنا أبكي.
لكن الأستاذ محمود قال بعدها جملة خلتنا كلنا نسكت.
في الملف هتلاقوا رسالة واحدة مقفولة.
فتحنا الملف بسرعة.
وفعلًا…
كان فيه ظرف أبيض، مكتوب عليه
يُفتح بعد اكتمال جمع أفراد العائلة.
بصينا لبعض.
العيلة لسه مش كلها موجودة.
لسه فيه أفراد منعرفش مكانهم، وفيه ناس منقطعة أخبارهم من سنين.
فهمت ساعتها إن رحلة ابني ما كانتش مجرد توصيل أمانة…
كانت بداية طريق طويل، هو كان
نفسه يكمله، لكن القدر ما ادّالوش الفرصة.
أما إحنا…
فبقينا قدام وعد جديد لازم نكمله بدلًا منه عدى أسبوع كامل.
خلاله بدأنا ندور على كل فرد من العيلة انقطعت أخباره.
واحد كان مسافر من سنين.
وواحدة كانت عايشة في محافظة تانية بعد وفاة جوزها.
وحد تالت كان قاطع علاقته بالجميع بسبب خلاف على ميراث قديم، واتضح بعد مراجعة الأوراق إن الخلاف كله كان مبني على ورقة ناقصة وسوء فهم.
بفضل العقود والرسائل اللي كانت في الصندوق، بدأت الصورة تتضح.
ولأول مرة من عشرات السنين…
بدأت المكالمات ترجع بين أفراد العيلة.
وبدأت البيوت اللي كانت مقفولة تفتح أبوابها من جديد.
وفي يوم الجمعة، اتجمعنا كلنا في البيت القديم.
كان عددنا كبير.
أطفال بيلعبوا في الجنينة.
وكبار قاعدين يحكوا ذكريات زمان.
وقفت أبص للمشهد، وافتكرت كلام ابني في الفيديو
نفسي أمي تشوف الكل مجتمع.
ابتسمت وسط دموعي.
يمكن هو مش موجود بجسمه…
لكن أثره جمع ناس كانوا فاكرين إنهم عمرهم ما هيرجعوا لبعض.
نهى قربت مني وهي ماسكة الظرف الأخير.
وقالت
أعتقد… جه وقته.
بصيت حواليّ.
كل الأسماء اللي كانت في شجرة العيلة بقوا موجودين.
هزيت رأسي.
فتحت الظرف ببطء.
كان جواه خطاب واحد.
بدأت أقرأ بصوت مسموع
إذا كنتم تقرأون هذه الرسالة، فاعرفوا أن الأمانة وصلت، وأن الخصام انتهى، وأن البيت رجع مليان بأصحابه.
ثم توقفت لحظة.
لأن آخر سطر كان مختلفًا عن باقي الخط.
واضح إنه مكتوب بخط ابني.
يا أمي… لو حققتي الأمنية دي، يبقى أنا مطمن.
ماقدرتش أكمل.
الدموع غلبتني.
لكن في نفس اللحظة…
شد آدم طرف هدومي.
بصيت له.
ناولني ورقة صغيرة مطوية.
استغربت.
قلت
دي إيه؟
قال
لقيتها تحت سجادة الأوضة اللي فيها الباب الحديد.
فتحت الورقة.
كانت قديمة جدًا، وحوافها متآكلة.
لكن اللي شد انتباهي إن الخط مش خط الأستاذ محمود…
ولا خط ابني.
وفي أولها مكتوب
إلى من سيكمل الطريق بعدنا…
نظرت إلى نهى.
ثم إلى الورقة مرة أخرى.
كان واضحًا أن حكاية الأمانة التي ظننا أنها انتهت…
كانت تخفي فصلًا جديدًا لم نعرف عنه شيئًا بعد فتحت الورقة بحذر، لأن أطرافها كانت هشة جدًا.
بدأت أقرأ بصوت منخفض
إلى من سيكمل الطريق بعدنا… إذا وصلت هذه الرسالة إليك، فاعلم أن ما فعلناه لم يكن من أجل الأوراق ولا البيوت، بل من أجل ألا تضيع الذكريات.
ساد الصمت في الغرفة.
كملت القراءة
كل صورة في هذا البيت لها حكاية، وكل رسالة كُتبت كانت محاولة للإصلاح، لكن هناك شيء واحد لم نعثر عليه أبدًا…
قطبت جبيني.
إيه هو؟
قلبت الصفحة.
كان فيها رسم بسيط لشجرة العيلة، لكن في أحد الفروع كان فيه اسم ممسوح بعناية، كأن حد تعمد يخفيه.
نهى قربت مني وقالت
أنا أول مرة أشوف الاسم ده.
جوزها قال
واضح إنه اتشال من زمان.
وفي أسفل الصفحة، كانت جملة قصيرة
ابحثوا عن الألبوم الأزرق… ففيه الصورة التي لم تكتمل.
بصيت حواليا.
كل الألبومات اللي لقيناها كانت بنية أو خضراء.
مفيش أي ألبوم أزرق.
وفجأة، آدم جري ناحية المكتبة القديمة.
وقف قدام الرف الأخير، ومد إيده فوق الدولاب، ونزل ألبوم مغطى بطبقة تراب سميكة.
ولما مسحنا التراب…
ظهر لونه.
كان أزرق.
اتبادلنا النظرات.
فتحته ببطء.
فيه صور كتير للعيلة في مناسبات مختلفة.
لكن آخر صفحة كانت غريبة.
كان فيها مكان صورة… والصورة نفسها مش موجودة.
مكانها ورقة صغيرة مكتوب عليها
الصورة مع صاحبتها… وستعود يوم تعود الابتسامة إلى هذا البيت.
وقبل ما نستوعب معنى الكلام…
سمعنا طرقًا خفيفًا على باب البيت القديم.
خرج جوز نهى يفتح.
وبعد لحظات رجع، ومعاه سيدة كبيرة في السن، شعرها أبيض، وفي إيدها إطار صورة ملفوف بقماش أبيض.
أول ما دخلت، بصت على الألبوم الأزرق، وابتسمت وقالت
واضح إنكم وصلتوا للمرحلة الأخيرة… وأنا جيت أوفي بوعد قطعته من ثلاثين سنة.
ثم وضعت إطار الصورة على الطاولة…
وقالت بهدوء
دي الصورة الناقصة… واللي بسببها بدأت الحكاية كلها وضعت السيدة إطار الصورة على الطاولة بكل هدوء.
كلنا اتجمعنا حواليها.
كانت إيدي بتترعش وأنا بفك القماش الأبيض.
ولما ظهر الإطار…
لقينا صورة قديمة بالأبيض والأسود.
فيها أفراد العيلة كلهم واقفين قدام البيت القديم.
لكن الغريب…
إن في طرف الصورة مكان كان واضح إنه اتقص واتلزق فيه جزء تاني باحتراف.
السيدة ابتسمت وقالت
دي مش الصورة الأصلية.
سألتها باستغراب
يعني إيه؟
قالت
زمان، لما حصل الخلاف بين الإخوات، واحد منهم قص جزء من الصورة، لأنه كان رافض حتى يشوف أخوه فيها. ومن يومها كل واحد احتفظ بنسخة ناقصة.
نهى همست
عشان كده الألبوم كان ناقص.
أومأت السيدة برأسها.
ثم فتحت حقيبتها، وأخرجت ظرفًا صغيرًا.
ومن داخله أخرجت…
الجزء المفقود من الصورة.
كان محفوظًا بعناية طوال السنين.
ناولته لي.
وقالت
ركبيه مكانه.
مسكت القطعة بحذر.
ولما حطيتها فوق الصورة…
اكتملت لأول مرة بعد أكثر من ثلاثين سنة.
كل أفراد العيلة بقوا ظاهرين.
ووسطهم…
وقف طفل صغير مبتسم.
سألت السيدة
مين الطفل ده؟
ابتسمت وهي تنظر للصورة طويلًا.
وقالت
ده جدكم وهو صغير… وكان دايمًا يقول إن العيلة مهما اتفرقت، هييجي يوم وترجع تضحك قدام الصورة دي من تاني.
ساد الصمت.
كان واضح إن كل رحلة الأمانة دي بدأت من وعد بسيط… وانتهت بلمّة عيلة.
في اللحظة دي، بصيت لآدم.
لقيته مبتسم للصورة.
وسألني
الأبلة… هو كده بقى كل الناس رجعت؟
ابتسمت لأول مرة من قلبي من يوم وفاة ابني.
وربتّ على رأسه وقلت
لسه يا آدم… بس إحنا أخيرًا عرفنا الطريق.
وانتهى اليوم على صوت ضحكات الأطفال في جنينة البيت القديم…
بينما كانت صورة العيلة المكتملة معلقة في منتصف الصالة، بعد غياب جزء منها لسنوات طويلة، لتبقى شاهدًا على أن الذكريات الصادقة، والمحبة، قادرة على جمع ما فرقته الأيام في صباح اليوم التالي، رجعت البيت وأنا حاسة لأول مرة من سنين إن في هدوء جوايا.
وقفت قدام صورة ابني المعلقة في الصالة.
ابتسمت وقلت بصوت واطي
نفذت وصيتك… والعيلة رجعت لبعض.
ولأول مرة من خمس سنين…
حسيت إني قادرة أدعيله من غير ما أنهار.
بعد كام يوم، وأنا برتب الأوراق اللي رجعناها من البيت القديم، لفت نظري ملف صغير ماكنتش فتحته.
كان مكتوب عليه
خاص بالحضانة.
استغربت.
إيه علاقة الحضانة بالأمانة؟
فتحته.
لقيت جواه إيصال تبرع قديم، وعقد تأسيس فصل للأطفال الأيتام، وتحتهم جواب بخط الأستاذ محمود.
كان حلم ابنك بعد التخرج يفتح فصل مجاني للأطفال اللي فقدوا أحد والديهم، وقال لي الطفل اللي يفقد أهله محتاج حضن قبل أي حاجة.
قفلت عيني.
افتكرت مرة وهو عنده سبعتاشر سنة، رجع من زيارة دار أيتام وقاللي
نفسي لما أكبر أعمل حاجة للأطفال دول.
كنت فاكرة إنه مجرد كلام شاب صغير…
لكن واضح إنه
—
كان مخطط بجد.
في اليوم اللي بعده، رحت الحضانة بدري.
ناديت المديرة، ووريتها الأوراق.
قرأتها بهدوء، وبعدين بصتلي وقالت
يعني كان نفسه يعمل الفصل ده؟
هزيت رأسي.
ابتسمت وقالت
يبقى نعمله.
بعد شهرين…
كان في الحضانة فصل جديد.
على بابه لافتة خشب بسيطة مكتوب عليها
فصل الأمل.
من غير أسماء.
من غير صور.
بس كل طفل يدخل الفصل كان يلاقي ألعاب، وكتب، وحد يسمعه ويهتم بيه.
وكل ما أشوف طفل بيضحك هناك…
كنت أحس إن جزءًا من حلم ابني بيتحقق.
أما آدم…
فبقى من أقرب الأطفال لقلبي.
لكن المرة دي، ما بقيتش أشوف فيه شبه ابني.
بقيت أشوفه هو…
طفل جميل، ربنا بعته في الوقت اللي كنت محتاجة فيه سبب أرجع أبتسم.
وفي آخر يوم في السنة الدراسية…
جري عليا قبل ما يمشي، واداني رسمة.
كانت فيها شجرة كبيرة…
وتحتها بيت…
وحواليه ناس ماسكين إيد بعض.
وفي آخر الرسمة كتب بخطه الصغير
العيلة لما تبقى مع بعض… كل واحد بيبقى في بيته.
حضنت الرسمة، وابتسمت.
لأنني أدركت أن فقدان الأحبة لا يختفي، لكنه قد يتحول مع الوقت إلى أثر طيب، يدفعنا لنكمل الخير الذي كانوا يتمنونه
ابني مات وهو عنده عشرين سنة في حادثة عربية وبعد خمس سنين ، دخل فصلي طفل صغير ، أول ما رفعت عيني عليه حسيت إن قلبي وقف في من مكانه لأن تحت عينه الشمال كانت نفس الوحمة نفس العلامة اللي كنت بحفظها عن ظهر قلب في وش ابني من يوم ما جبت ابني للدنيا وأنا وهو لوحدنا بنواجه الحياة. أبوه ساب الدنيا قبل حتى ما يشوفه ومن ساعتها بقيت أنا الأم والأب والسند والبيت والدنيا كلها بالنسبة ليه وهو كمان كان دنيتي الوحيدة والسبب اللي كنت بصحى عشانه كل صبح كبر قدام عيني سنة ورا سنة. أول يوم مدرسة ، أول مرة نزل يلعب لوحده ، أول مرة ناداني وهو فرحان بنجاحه كل لحظة كانت بالنسبة لي كنز. كنت ببص ليه وأقول في سري إن ربنا عوضني بيه عن كل حاجة خسرتها وإن وجوده في حياتي كان كفاية يهون أي تعب مر عليا ولما بقى عنده عشرين سنة ، خرج من البيت زي أي يوم عادي. قبل ما يقفل الباب بصلي وابتسم وقال بلاش تستنيني على العشا ممكن أتأخر شوية. ماكنتش أعرف إن دي آخر مرة هشوف فيها ابتسامته وبعدها بساعات جالي خبر وفاته. قالوا إنها كانت حادثة عربية والسواق كان سايق وهو سكران. الظابط حاول يهون عليا وقال بهدوء اطمني ابنك ما اتألمش. لكن ولا كلمة في الدنيا كانت تقدر تخفف وجع أم فقدت ابنها الوحيد ومن يومها وأنا عايشة بجسمي بس أما روحي فاتدفنت معاه تحت التراب فاكرة يوم دفنه كأنه امبارح. كنت واقفة قدام قبره وببص للتراب ومش قادرة أستوعب إن ابني اللي كان مالي عليا البيت بضحكته بقى تحت الأرض. فضلت أسأل نفسي إزاي الشمس طلعت تاني وإزاي الناس راحت شغلها وإزاي .