زعيم المافيا

مش فارق معايا.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
مش لازم يفرق.
رفعت ضمادة معقمة وقالت
عندك جرحين لسه بينزفوا… ولازم أضغط على اللي تحت ضلوعك.
هز رأسه بقوة.
لأ.
لو معملتش كده… ممكن تفقد الوعي خلال دقائق.
قال بصوت متعب
يبقى سيبيني.
تأملته نورا لثوانٍ، ثم قالت
ده مش اللي إنت عايزه.
الغضب في عينيه.
إنتِ متعرفيش أنا عايز إيه.
قالت بهدوء
أنا عارفة إنك هاجمت كل اللي قرب منك… لكنك لسه ما شلتش المحلول من دراعك.
نظر تلقائيًا إلى أنبوب المحلول.
ثم أكملت
إنت خايف… لكنك في نفس الوقت بتحاول تعيش.
صمت.
وتقدمت نورا خطوة واحدة فقط.
في اللحظة نفسها…
تصلب جسده بالكامل. فتوقفت فورًا في مكانها تنفّس فينسنت بصعوبة، وصدره يعلو بشكل متسارع كأنه في ماراثون . كانت عيناه الرماديتان تشعان برعب حقيقي، رعب لم يره أحد فيه من قبل. كان يرى في يد نورا، رغم أنها فارغة، يعيد إحراق جسده. لم تتحرك نورا. علمت أن أي حركة مفاجئة ستجعله يدخل في صدمة قلبية بسبب الفزع. خفضت جَسىىدها قليلًا لتصبح في مستوى نظره، وقالت بصوت هادئ، رصين، يحمل نبرة لم يعتد عليها … نبرة الأمام والأمان لم يكن سينتظر. ببطء شديد، خلعت نورا قفازها الطبي البلاستيكي. كانت تعلم أن البلاستيك البارد قد يذكره بحبس الأنفاس، أما الجلد البشري الدافئ فهو الحقيقة الوحيدة التي يمكنها طرد الأشباح. مدّت يدها الممتلئة، الدافئة، ووضعتها بثبات وقوة في منتصف صدره. اللمسة والتحول
تصلب فينسنت كأنه صُعق ببرق. اتسعت عيناه، وخرجت من حنجرته صرخة مكتومة الصمت. تحركت يده السليمة بسرعة البرق وقبضت على معصم نورا بقوة كادت تكسر عظامها. كان ضغطه على يدها ، لكنها لم تتراجع، ولم تسحب يدها، بل ظلت تنظر في عينيه وتقول بصرامة
اتنفس معايا… شهيق… زفير… ركز في إيدي، إيدي مش … إيدي أرض ثابتة.
تحت كفها، كان قلبه يخبط كطائر حبيس في قفص حديدي. لكن، لسبب لم يفهمه فينسنت نفسه، لم تأته النوبة. لم يشعر باللهب يأكل جلده. كان كف نورا ممتلئًا وناعمًا وثابتًا بشكل غريب، كأنه يمتص والحرارة من جسده ويستبدلها ببرودة السلام.
تدريجيًا، بدأت أنفاسه تبطئ. ارتخت قبضته القوية حول معصمها، وتحولت إلى ما يشبه التمسك بالحياة. تلاقت عيناه بعينيها، وبلع ريقه الجاف، وبصوت مبحوح، ضعيف، كطفل تائه وسط عاصفة، همس بالكلمات التي غيرت كل شيء
أرجوكي… ما ترفعيش إيدك.
له نورا بهدوء، وحافظت على ضغط يدها. التفتت برأسها نحو الباب الزجاجي ولمحت الطبيب الجراح وميليسا يراقبون بذهول. أشارت نورا للطبيب بيدها الأخرى بحسم
ادخل فورًا! النبض استقر… جهز أنبوب الصدر والضمادات، أنا هفضل مثبتة حركته.
نقطة التحول ليلة الجحيم في المستشفى
دخل الجراح مرتجفًا، وبدأ بالعمل بسرعة تحت نورا التي لم تترك صدر فينسنت للحظة. كانت هي الرابط الوحيد بينه وبين الواقع، وكلما شعر بوخزة ألم من مشرط الطبيب، كان يضغط على يدها، وتضغط هي بالمقابل لتذكره بأنه ما زال حيًا.
لكن الأمور لم تكن لتمر بهذه البساطة في حياة رجل في شيكاغو.
فجأة… انقطعت الأنوار بالكامل عن المستشفى.
لكن نورا لم . نورا التي قضت حياتها غير مرئية، وجدت في هذه اللحظة بالذات سببًا لتقف شامخة. قفلت قفل السىىرير الحديدي، وسحبت الطاولة الطبية الثقيلة لتسد بها زاوية الرؤية من الباب الزجاجي.
انفجر زجاج الباب إثر رصاصة طائشة. انحنت نورا بجسدها فوق فينسنت بالكامل، لتلقي بحجمها فوقه وتحميه من المتطايرة. في تلك اللحظة، شعر فينسنت بجسدها بالكامل يحيطه. لم يكن هناك مجال للهلع من اللمس، لأن غريزة البقاء والدهشة من تضحية هذه المرأة ألجمت خوفه ودخل ، موجهًا نحو . لم يكن يرى سوى ظهر نورا.
في كسر من الثانية، وبأطراف أصابع فينسنت السليمة التي كانت تتحرك بحرية لأول مرة منذ سنوات، سحب المحقن الطبي الكبير المملوء بمادة مخدرة قوية كان الجراح قد تركها على الطاولة، وبحركة خاطفة وسريعة من خلف ظهر نورا، غرس المحقن بكامله في رقبة وضغط المكبس.
ترنح الرجل وسقط ، قبل أن يدخل كاليب مسرعًا ويطلق .
النهاية المغلقة بعد مرور عام
في المستشفى نفسه، ولكن في الرئيسي الذي أُعيد بناؤه بالكامل…
لم تعد نورا بينيت تلك الممرضة الممتلئة التي تقف في آخر الصفوف وتتحمل . أصبحت الآن رئيسة قسم الطوارئ والرعاية الحثيثة في مستشفى ليكشور، بعد أن قام متبرع مجهول بشراء المستشفى بالكامل، وإقالة المشرفة ميليسا جرانت وتعيين نورا بميزات وصلاحيات لم تحلم بها من قبل. والأهم من ذلك، أن أحدًا في المستشفى لم يعد يجرؤ على السخرية من وزنها أو النظر إليها ؛ فقد عرف الجميع أنها المرأة التي روضت . أما في الواجهة البحرية لشيكاغو، داخل المكتب الفخم لفينسنت ميرسر…
كان يجلس خلف مكتبه، يرتدي بدلت canali السوداء . دخل عليه كاليب ووضع مجموعة من الأوراق أمامه، ثم تراجع خطوتين للخلف كالمعتاد. لم يكن فينسنت يرتدي قفازات. نزل من مكتبه وتوجه نحو النافذة المطلة على البحيرة. التفت إلى كاليب وقال بصوت هادئ وقوي هل كل شيء جاهز للموعد؟ أجاب كاليب باحترام السيارة في الأسفل يا سيدي، والدكتورة نورا في انتظارك بمركزها الجديد. ابتسم فينسنت ابتسامة خفيفة، التقط معطفه، وخرج. كل شهر، كان فينسنت يذهب للمستشفى، ليس من أجل فحص طبي، بل من أجل جلسة أمان مدتها نصف ساعة. يجلس في مكتب نورا، وتضع هي يدها الدافئة على صدره لثوانٍ معدودة، ليثبت لنفسه وللعالم أن الذي اندلع قبل اثني عشر عامًا قد انطفأ أخيرًا… وأن الندوب لم تعد تؤلم، طالما أن هناك يدًا صادقة تعرف كيف تلمس الروح قبل الجسد.



