مراتي كانت ديما تقول اخويا اللي عنده داون مينفعش

مراتي كانت دايمًا بتقول إن أخويا اللي عنده متلازمة داون مينفعش يقرب من بنتنا الرضيعة، وإن تصرفاته مش مضمونة وممكن يأذيها من غير ما يقصد… لكن في ليلة، سمعنا صرخة مرعبة جاية من أوضة بنتنا، وجرينا نشوف فيه إيه، ولما فتحنا الباب، اتصدمنا من المنظر اللي كان قدامنا!
أخويا الصغير يوسف عنده 29 سنة، واتولد بمتلازمة داون.
ومن يوم ما أمنا اتوفت، وأنا بقيت أقرب حد ليه، وأول واحد بيلجأ له لما يحتاج أي مساعدة.
كان بيشتغل أربع أيام في الأسبوع في مشتل لبيع الزرع والورد، وكان بيحب شغله جدًا، وبيعتمد على نفسه في حاجات كتير.
ومن أول ما عرف إن مراتي حامل، وهو بيعد الأيام علشان يشوف بنت أخوه.
كان كل شوية يسألني بفرحة:
— هي البيبي هتيجي إمتى يا أحمد؟ أنا هبقى عم بجد؟
وأضحك وأقوله:
— طبعًا يا يوسف، وهتبقى أحلى عم في الدنيا.
لكن مراتي ندى عمرها ما ادته فرصة يثبتلها إنه يقدر يتعامل مع بنتنا بحنان ومسؤولية.
أول مرة طلب يشيل ليلى بعد ولادتها، ندى شدت الصغيرة لحضنها بسرعة وقالت:
— لأ! مستحيل!
بصيتلها باستغراب:
— ليه يا ندى؟ ده أخويا، وشال أطفال قبل كده.
ردت بعصبية:
— ولو ضغط عليها جامد؟ أو وقعت منه؟ أنا مش هجرب في بنتي!
يوسف سمع كل كلمة، وبص للأرض وحط إيديه في جيوبه وسكت.
ومن اليوم ده، مراتي بدأت تلاقي أي حجة علشان تبعده عن بنتنا.
لو مد إيده ناحية عربيتها، كانت تبعدها عنه.
ولو جابلها لعبة من مرتبه، كانت تمسكها وتمسحها قدامه.
وفي مرة طلب يديها الرضعة، فقالتله بسخرية:
— أنا عندي طفلة واحدة محتاجة أخد بالي منها، مش ناقصة أراقبك إنت كمان!
اتعصبت وقلتلها:
— الكلام ده قاسي يا ندى، ومش مقبول!
لكنها ردت:
— إنت علشان أخوك مش شايف الحقيقة!
وأكتر موقف كسر قلبي كان يوم الصورة العائلية.
يوسف جه لابس قميص أزرق جميل، كانت أمنا اشترتهوله قبل ما تتوفى.
وكان فرحان جدًا، لكن أول ما المصور طلب مننا نتجمع، ندى قالت:
— ممكن ناخد صورة للأسرة الصغيرة بس؟
يوسف بص لها باستغراب:
— بس أنا من الأسرة… أنا عم ليلى!
ردت بضيق:
— أنا عايزة صورة عائلية طبيعية!
شفت ابتسامته بتختفي من على وشه.
رجع خطوتين لورا، ووقف بعيد.
ومن يومها مبقاش يطلب يشيل ليلى تاني.
كان بييجي يزورها، ويجيبلها هدايا، ويقف بعيد يضحكلها.
لحد ما جه يوم السبت اللي غيّر حياتنا.
الدنيا كانت بتمطر بغزارة، ويوسف كان عندنا على العشا.
ولما الوقت اتأخر، قلتله:
— هتبات عندنا النهارده، الجو مش أمان.
فرح ووافق.
وقبل ما ينام، وقف عند باب أوضة ليلى وقال بصوت واطي:
— تصبحي على خير يا ليلى… عمك بيحبك.
وبعدها دخل أوضة الضيوف.
وفي تمام الساعة 2:13 بعد نص الليل، صحينا على صرخة مرعبة جاية من جهاز مراقبة بنتنا.
وبعدها مباشرة سمعنا خبطة قوية!
جرينا ناحية الأوضة، وندى كانت بتصرخ:
— بنتي! بنتي مالها؟!
فتحنا الباب، ولقينا سرير ليلى فاضي!
ويوسف قاعد على الأرض جنب السرير، وإيديه بتترعش.
أما ليلى، فكانت ممددة على السجادة قدامه، وساكتة تمامًا.
ندى صرخت:
— إنت عملت إيه في بنتي؟!
جريت علشان أشيلها، لكن يوسف رفع وشه وقال:
— استنى يا أحمد… اتصل بالإسعاف بسرعة!
قلبي كان هيقف.
سألته:
— إيه اللي حصل؟!
فتح إيده اللي كان قابض عليها، ولقيت جواها قطعة بلاستيك شفافة صغيرة.
وقال بصوت مرتعش:
— دي كانت في بقها… ليلى كانت بتختنق!
اتصلت بالإسعاف فورًا، وحطيت التليفون على السماعة الخارجية.
المسعف بدأ يسألنا عن تنفسها واستجابتها، ويوجهنا نعمل إيه لحد ما المساعدة توصل.
وفجأة ليلى أخدت نفس واضح، وبدأت تعيط.
الصوت ده رجّعلي روحي.
ندى وقعت على ركبها وهي بتقول:
— الحمد لله… الحمد لله يا رب!
لكن يوسف كان لسه قاعد على الأرض، وشه شاحب، وإيده بتترعش.
قربت منه وسألته:
— احكيلي يا يوسف… إيه اللي حصل؟
قال:
— أنا كنت صاحي، وسمعت صوت كحة غريبة من أوضة ليلى. جيت أشوفها، لقيتها بتحرك إيديها ورجليها ومش قادرة تعيط.
وسكت شوية وبعدين كمل:
— خبطت على باب أوضتكم، بس محدش سمعني… خفت عليها أوي يا أحمد.
سألته:
— وعملت إيه؟
قال:
— افتكرت التدريب اللي خدناه في الشغل عن الإسعافات الأولية… حاولت أساعدها، والحتة دي خرجت من بقها.
وبص لليلى وقال:
— أنا خفت تموت مني يا أحمد… خفت أمي تزعل مني علشان معرفتش أحافظ عليها.
الجملة دي كسرت قلبي.
حضنته وقلتله:
— إنت عملت اللي قدرت عليه يا حبيبي… وإحنا هنطمن عليها.
بعد دقايق، الإسعاف وصل، وأخدنا ليلى المستشفى علشان تتفحص بعد حادثة الاختناق.
طول الطريق، ندى كانت حضناها وبتعيط، ويوسف قاعد جنب الشباك ساكت.
الغريب إن ندى لأول مرة ما طلبتش منه يبعد عن بنتنا.
في المستشفى، الدكتور كشف على ليلى، وطلب متابعة حالتها والتأكد من سلامة التنفس وعدم وجود أي مضاعفات.
وبعد الفحص والملاحظة، طمنا إن حالتها مستقرة.
لكن لما شاف قطعة البلاستيك، سألنا:
— الحاجة دي وصلت للطفلة إزاي؟
ندى بصتلي، وأنا بصيتلها.
محدش فينا كان عارف.
الدكتور قال بجدية:
— الأجسام الصغيرة دي خطر جدًا على الأطفال، ولازم تتأكدوا إن مفيش أي قطع ممكن توصل لإيديها.
يوسف كان واقف عند الباب، فالدكتور سأله:
— إنت اللي لاحظت إنها بتختنق؟
هز راسه.
الدكتور ابتسم وقال:
— كويس إنك انتبهت بسرعة وطلبت المساعدة. الوقت في المواقف دي مهم جدًا.
يوسف بصلي كأنه مستني أتأكدله إن الدكتور بيكلمه هو.
فابتسمت وقلتله:
— الدكتور بيشكرك يا يوسف.
لأول مرة من ساعات، ابتسم ابتسامة صغيرة.
لكن اللي حصل بعد كده كان أصعب من الليلة نفسها.
رجعنا البيت الصبح، وندى فضلت تدور في أوضة ليلى على مصدر قطعة البلاستيك.
وبعد شوية سمعتها بتناديني بصوت مخنوق:
— أحمد… تعالى شوف.
دخلت الأوضة، ولقيتها ماسكة لعبة معلقة فوق سرير ليلى.
كانت لعبة موسيقية صغيرة، فيها أشكال ملونة بتتحرك.




