عزومة حماتي

كانت الساعة لسه يدوب بتدق ستة الصبح، والدنيا برا غرقانة في ضباب الفجر ونسمة الهوا الباردة بتخبط في الشيش، وأنا نايمة في سريري سامعة من سقف الأوضة صوت غريب… تك تك تك.. دربكة.. خبط حلل.. وصوت وابور شغال الله ينور. صحيت مخضۏضة، بصيت في الساعة وبصيت لجوزي محمود اللي كان نايم في سابع نومة ومش حاسس بالدنيا، قلت في بالي يا فتاح يا عليم، هي حماتي بدأت المعركة من ديل الفجر ولا إيه؟.
ريحة بصل متشوّح في سمنة بلدي بدأت تتسحب من تحت عقب الباب وتدخل الأوضة، ريحة تقلية محشي أصيلة تخلي المېت يصحى من تربته، ومعاها ريحة حبهان ومستكة بتغلي في شوربة وزفر. بطني كركبت من الريحة، وقلت في سري أخيراً.. أخيراً يا بطة هترمي عضمك بلقمة محترمة ونفطر زي الناس.. ده بقالنا شهر عايشين على النواشف والأكل السريع بسبب الشغل ومصاريف
المدارس، وحماتي شكلها عاملة غزو شامل في المطبخ.
قمت من السرير بهدوء عشان مصحيش محمود، لبست عبايتي البيتي الشيك وفردت طرحتي ونزلت السلم بسرعة لبيت حماتي اللي في الدور الأرضي. أول ما فتحت الباب، لقيت الشقة عبارة عن خلية نحل، الدخان طالع من المطبخ كأنه مصنع، والأرض مرشوشة ومعطرة، وصوت الست أم كلثوم شغال في الراديو الصغير اللي على الثلاجة. دخلت المطبخ وكنت مبهورة باللي شايفاه… بسم الله ما شاء الله، الصواني مرصوصة على الرخامة كأنها لوحة فنية في متحف! صواني الرقاق باللحمة المفرومة لونها دهبي وريحتها تجنن، وصواني البشاميل وشها محمر ومقرمش، والبطتين المحمرين محطوطين في سرفيس كبير وحواليهم جبال من لسان العصفور المحمر باللوز، وديك رومي متكتف ومتبل بالبصل والطماطم مستني يدخل الفرن، وحلل المحشي… يا وعدي
على حلل المحشي! ورق العنب والكرنب والكوسة مرصوصين رصة هندسية ما يعملهاش إلا مهندس ديكور، كل صباع قد التاني بالمسطرة.
حماتي، الحاجة أم محمود، كانت واقفة لافة إيشاربها وربطة وسطها بمريلة المطبخ، وشها أحمر من صهد البوتاجاز وعرقانة بس عينيها بتلمع بفرحة الانتصار. أول ما شافتني دخلت، وعيني بتبرق على الأكل، راحت ملوية بوزها وقالت بنبرة فيها لؤم المدارس القديمة أهلاً يا ست هانم.. لسه بدري، الشمس طلعت يا مرات ابني، ده أنا قلت هتنزل تفرش معايا السفرة من الفجر، بس يلا.. كتر خيرك إنك صحيتي قبل الظهر. بلعت الكلمة في بطني وابتسمت ابتسامة صفرا وقلت لها صباح الخير يا ماما، تسلم إيدك إيه الحاجات الجميلة دي! والله العظيم الريحة صحتني من فوق، قوليلي أعمل إيه معاكي؟ أنا جاية أهو من بدري عشان أساعدك وأشيل عنك. بصتلي
من فوق لتحت وقالت طيب، خدي عندك بقى… قشري تلاتة كيلو بصل دول عشان الشوربة والتقلية التانية، واغسلي الخضرة دي، وبعدين امسكي الصحون الصيني دي تلميع بخل ومية دافية عشان الضيوف لما يجوا يشوفوا حاجتنا بتبرق، مش يقولوا بيت أم محمود مطفي.
هزيت راسي وقلت من عينيا يا ماما، وقعدت على الكرسي الخشب الصغير في كورنر المطبخ وبدأت الشغل. البصل عما عيني والدموع نازلة طرطشة، وكل ما أبص لصواني البشاميل والبط أقول لنفسي استحملي يا بت يا هناء، كله هيهون لما المغرب يأذن والمدفع يضرب وتنزلي في البطاية دي تفرميها، الروايح دي محتاجة صبر وصمود. الساعات كانت بتعدي والوقت بيجري زي الصاروخ، الشغل كان كتير جداً وحماتي ما كانتش بترحمني؛ خلصت البصل قالتلي تعالي قوري الكوسة دي، خلصت الكوسة قالتلي صبي الشربات بتاع القطايف
والكنافة،
متابعة القراءة








