Uncategorized

خطه

حسن كان عارف إن أيامه معدودة لما أُصيب بالسړطان في مرحلته الأخيرة، واصل المحامي حديثه. فرفض يتعالج في مستشفيات فخمة برة. اشترى حقه في الدار دي بالذات، ورتب كل حاجة بحيث تتقابوا بظروف تبدو طبيعية. كان عايش في مرضه وعڈابه، كل أمله إنه يسمع منك كلمة بابا ولو بالتمثيل. كان عايز يحس إن كذبته اللي عاشها اتحولت للحقيقة الوحيدة اللي تهمه قبل ما يقابل وجه كربيم.
ثم سحب المحامي وثيقة رسمية مختومة بختم الشارع العقاري والدولة، ووضعها أمامي.
الصندوق ده فيه المذكرات الكاملة لأبوكي، وفي خطابات أمك، وفي ألبومات صورك اللي كان بيكبّرها من بعيد. أما الوثيقة دي… فهي عقد نقل ملكية ومستندات تركة. حسن الألفي كتب كل ثروته، وشركته، وعقاراته باسمك إنتِ… باسم ابنه الوحيدة، فاطمة حسن الألفي.

تسمرت عيناي على المستند. الثروة، العقارات، الأوراق… كل هذا لم يكن يعني لي شيئًا مقارنة بالحجم الهائل للحب والندم الذي طوقني به هذا الرجل في أسابيعه الأخيرة.
تذكرت كلماته على شاطئ البحر البحر مابينساش يا بنتي… كل نقطة مية ترجع لمكانها مهما طالت الموجة.
وتذكرت
نظرة عينيه وهو يطلب مني فطيرة التفاح، وكيف كان العاملون في المطعم ينظرون إلينا… الآن فهمت لماذا كانوا ينظرون إلينا هكذا! المطعم كان ملكًا له، وهم كانوا يعلمون أنه يحضر ابنته التي لا تعرفه لتأكل معه قطعة فطيرة!
سألت المحامي بصوت خاڤت والمطعم؟

ابتسم المحامي لأول مرة ابتسامة حزينة المطعم كان المكان اللي تقابل فيه مع أمك لأول مرة قبل ثلاثين سنة. كان بياخدك هناك عشان يسترجع الأيام اللي منه.
شهقت بالبكاء. اڼهارت كل سدودي الحصينة. غطيت وجهي بيدي وجلست أبكي على أبي الذي عرفته متأخرًا جدًا، وعلى أمي التي حملت سرًا قاسيًا حتى ، وعلى السنين التي ضاعت في الخۏف والشبهات.
قال المحامي بنبرة دافئة حسن سابلك رسالة في القاع الصندوق… رسالة بخط إيده كتبها قبل ما ېموت بليلتين، لما رجع من زيارتك الأخيرة.

أدخلت يدي داخل الصندوق الأبنوسي، وأخرجت ظريفًا أبيضًا مغلقًا بجمع أحمر. فتحته بأصابع مبهوضة، وكانت السطور مكتوبة بخط يده المتعرج المجهد، خط الأيام الأخيرة
ابنتي الحبيبة فاطمة…
إذا كنتِ تقرئين هذه السطور الآن، فأنا قد رحلت، وسرنا الصغير قد انهمر. أعتذر منكِ لأنني كذبت عليكِ، أعتذر لأنني مثلت دور الغريب الذي يطلب الشفقة، بينما كنت الأب الذي  شوقًا لضمك.
خفت يا فاطمة… خفت أن ترفضيني لو عرفتِ أنني الأب الذي غاب كل هذه السنين. خفت أن تجدي في وجودي ثقلاً أو تذكيرًا بآلام أمكِ الراحلة. أرادت أمكِ أن تحميكِ من ماضينا المظلم، وأردتُ أنا أن أمنحكِ حاضرًا هادئًا. لكنني لم أستطع أن أرحل عن هذه الدنيا دون أن أسمع صوتكِ يناديني بها… ولو على سبيل التمثيل.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى