خطه

تلك الستة أسابيع يا فاطمة، كانت هي حياتي الحقيقية. الستون عامًا التي عشتها قبلها كانت مجرد انتظار. تمشيتي معكِ في الجنينة، وضحكاتنا على قطعة التفاح، ولمسة يدكِ وأنا أمشي على رمل البحر… كل لحظة منها كانت بمثابة غفران كامل لكل أخطائي.
أنتِ لم تمثلي دور الابنة يا فاطمة… أنتِ كنتِ الابنة الصادقة البارة، وأنا لم أكن أُمثّل… أنا فقط أزلت القناع الذي فرضته عليّ الحياة. الثروة التي تركتها لكِ ليست تعويضًا، فلا شيء يعوض غيابي، لكنها حقكِ وحق أمكِ العفيفة.
سامحيني يا بنتي… وافتكريني دائمًا… ليس كراجل عجوز غريب عثرتِ عليه في دار الرعاية… بل ك بابا الذي أحبكِ قبل أن تراكي عيناه.
والدكِ… حسن.
أغلقت الرسالة وضمتها إلى بكل ما أوتيت من قوة. في تلك اللحظة، لم أعد الفتاة الوحيدة التي تعود كل ليلة إلى بيت فاضي. لم أعد الشخص الذي لا جذر له.
خرجت من مكتب المحامي وأنا أحمل الصندوق الخشبي بين ذراعي، كأنه أثمن كنز في الوجود. كانت الشمس تشرق على المدينة، ونسيم الصباح يلامس وجهي.
ذهبت مباشرة إلى المقاپر. وقفت بين قبر أمي وقبر حسن الذي ووري التراب بالأمس فقط. وضعت الورد الأبيض على القپرين، وجلست على الأرض الترابية بينهما.
لم أكن أشعر بالضياع بعد الآن. كانت الخطة التي وضعها حسن لم تكن خطة لخداعي، بل كانت جسرًا من الحب بنى به ما تبدد من سنيننا.
سحبت نفسًا عميقًا، ونظرت إلى الشاهد الجرانيتي الصغير الذي يحمل اسم أبي، وقلت بصوت عالٍ ثابث، تتلقفه الرياح الدافئة
سمعتك يا بابا… وأنا مش زعلانة. وأنت كنت أفضل أب في الدنيا… ومش هنسالك أبدًا.




