جارتي ام يوسف

في ضوء الكشاف الضعيف، قربت من التلاجة المفتوحة، وعيني اتسعتا بذهول وصدمة كادت توقف قلبي عن الخفقان.
التلاجة لم تكن خالية، ولم تكن معطلة كما كانت تظن وتدعي! الأرفف كانت مرصوصة بقوالب “طوب أحمر” مصفوفة بعناية فائقة، وعليها أكياس بلاستيكية مملوءة بقطع ثلج صغيرة ومياه مجمدة يتبقي منها قطرات قليلة، وتحت كل رف، حاطين جردل صغير عشان يلم المية اللي بتسيح ببطء..
وفي نفس اللحظة دي، وصلني صوت أم يوسف الباكي وهي قاعدة في وسط ولادها في الأوضة التانية، بتقول بصوت خافت بيقطع القلب:
ـ “معلش يا ولاد.. استحملوا شوية كمان. تمن الماتور الجديد اللي الصنايعي طلبه أنا حوشته خلاص، بس لو دفعته، مش هلاقي تمن علاج جدتكم الشهر ده ولا مصاريف المدرسة بتاعتكم.. استحملوا معايا، الثلج بيحافظ على الأنسولين والأكل اليومي على قد ما نقدر، وبكرة ربنا يفرجها وينورها في وشنا من حيث لا ندري ولا نحتسب.”
الكلام نزل عليا كالصاعقة. حسيت إن كل حرف من كلامها كان صفعة قوية على وجهي. أنا اللي كنت بفتكرها بخيلة ومكسلة، وهي كانت بتموت كل يوم ألف مرة عشان توفر قرشين تعالج بيهم أمها وتطعم ولادها اليتامى في صمت وعزة نفس من غير ما تمد إيدها لحد! تلاجتها لم تكن بايظة.. كانت صانعة معجزة من الصبر والتحمل وسط الفقر والمرارة.
نزلت دموعي بغزارة، وحسيت بذنب فظيع بياكل روحي. جريت على الأوضة، وفتحت بابها بالكامل، وناديت عليها بصوت مكسور:
ـ “يا أم يوسف.. سامحيني.. سامحيني يا أم يوسف أنا حقيرة وظلمتك!”
الست اتخضت وقامت بسرعة، وبصتلي بخوف وقلق وهي بتقول:
ـ “فيه إيه يا نور؟ جرجر إيه يا بنتي؟ حد من أهلك حصل له حاجة؟”
مقدرتش أستحمل، جريت عليها وحضنتها بقوة وأنا بعيط بحرقة زي الأطفال، وقعدت أعتذر لها على كل كلمة جرحتها بيها، وعلى كل ظن سيء ظنته فيها. مسكت إيدها المرتعشة وبصيت في عيونها اللي مليانة دموع وعزة نفس، وقلت بصوت حاسم:
ـ “من اللحظة دي.. مفيش ثلج في التلاجة، ومفيش بهدلة تاني. بكرة الصبح بدري، شقتي وجوزي وتحت أمركم في كل اللي تحتاجوه.. مش هسكت غير لما تلاجة بيتكم ترجع تنور أحسن من الأول، وماتشيلوش هم أي مليم!”
أم يوسف حاولت ترفض وتكسف، وقالت بعزة نفس نادرة: “يا بنتي عيب، أنا ما صدقت لقيت حد أحط عنده الأنسولين عشان ما أتقلش..”، بس قاطعتها بابتسامة وسط دموعي: “إحنا جيران يا أم يوسف، بل إحنا أخوات، وربنا بعتني هنا عشان أشوف بعيني وأصلح غلطي في حقك.”
وفعلاً، تاني يوم الصبح، جوزي نزل معايا، وجبنا أمهر صنايعي في المنطقة، وطلعنا شقة أم يوسف. طلع الماتور القديم واتصلح تماماً واتشحن، وجبت لهم أطنان من الخير والأكل اللي يملي البيت دفء وبركة، وساهمت معها في مصاريف علاج والدتها، وعملنا أحلى عزومة في شقتها عشان نحتفل برجوع الحياة الطبيعية لبيتهم الطاهر.
مرت الأيام، وبقت أم يوسف بالنسبة لي مش بس جارتي، دي بقت أمي التانية اللي بروح أقعد معاها كل يوم نشرب الشاي ونضحك، بعد ما ربنا أداني درس في عدم التسرع في الحكم على الناس، وسترها مع الست الصابرة دي ووضعت في طريقها سند يغير حياتهم للأبد.
#الكاتبه_نور_محمد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”








