رجعت من المستشفي

طبعاً، لما الكروت اتجمدت وهو خارج مع نورا في مطعم غالي عشان يدفع الحساب، الكارت ارفض. لما حاول يدخل على حساب الشركة عبر الإنترنت، لقي الحساب اتقفل. ولما حاول يكلم البنك، قالوا له بالحرف الحسابات مجمدة بناءً على أمر قضائي من المالك الأصلي ليلى محمود الشرقاوي.
تاني يوم الصبح، الساعة تسعة بالضبط، كنت قاعدة في الصالون ببيت أهلي، لابسة بدلة رسمية سوداء، وشاربة قهوتي بهدوء، ومريم نايمة في السرير الصغير جنبنا. سمعت صوت خبط شديد على الباب… خبط عصبي.
أمي فتحت الباب، ودخل كريم وراه أمه مدام سامية، وكانوا في حالة توتر تام. كريم شعره منكوش، ووشه أصفر من الخضة والتوتر، وحماتي بتتنفس بصعوبة وشكلها متشنج.
كريم اتكلم بصوت عالي وهو داخل
إنتِ عملتي إيه يا ليلى؟! إيه العبث اللي عملتيه ده؟ البنك بيقول إن الكروت اتجمدت وإن الفيلا صدر ليها قرار حجز قضائي! إنتِ مستوعبة إنتي بتعملي إيه؟!
مدام سامية بصتلي بحدة وقالت
اكيد البنت دي اتأثرت بسبب الولادة! إزاي تفكري تحرجي ابني بالطريقة دي؟ قومي اعدلي الهبل ده حالاً، وروحي معايا على البنك فكّي الحسابات قبل ما الموضوع يكبر في السوق كله!
قمت من مكاني ببطء، ظبطت جاكيت البدلة بتاعتي، وبصيت لهم نظرة واحدة خلتهم يسكتوا فجأة. النظرة دي مكنش فيها أي خوف، مكنش فيها أي ضعف… نظرة ست صحيت وبقت تملك كل مفاتيح اللعبة.
طلعت من شنطتي نسخة من العقد والبند الإضافي الموثق والمختوم بشعار الجمهورية، ورميته على الترابيزة قدامهم.
قلت بصوت هادئ ومسموع كويس جداً
اقرأ يا كريم… اقرأ كويس العنوان والبند رقم سبعة.
كريم مد إيده بتوتر شديد، مسك الورقة، وعينه بدأت تقرا السطور. كل ما كان بيقرا، وشكلو كان بيتحول للون الأبيض الشاحب، وعينه بتتسع من هول الصدمة.
إيه… إيه ده؟ ده قالها بصوت مكسور ومرتجف. إزاي… إزاي ده حصل؟ أنا… أنا المدير التنفيذي! أنا صاحب الفيلا!
ضحكت بسخرية وقعدت تاني على الكرسي، وقلت
لا يا كريم… إنت مكنتش غير واجهة، موظف راقي أنا اللي عيّنته بإيدي، وأنا اللي ملكتُه الأصول عشان كنت محتاجة راجل يشاركني الحياة والبيت، بس للأسف النتائج طلعت عكس المأمول. الفيلا اللي سبتها امبارح وأنا نازلة بدم الولادة وبنتي في حضني… بتاعتي. والشركة اللي فاكر نفسك إمبراطور فيها… بتاعتي. والفلوس اللي كنت بتصرفها على الهانم بتاعتك في الفنادق… بتاعتي.
حماتي قربت، وجريت على الترابيزة مسكت الورقة بتهز إيدها، وبصتلي بصوت عالي وعينها مليانة قلق
لااا مستحيل! انتِ بتكدبي! ابني هو اللي بنى الشركة دي! ابني هو اللي…
قاطعتها بصوت حاسم وقاطع زي السيف
ابنك مكنش غير موظف لولا اسم أبويا ما كانش عرف يكتب كلمتين على بعض في ورقة رسمية. والنهارده، الصبح بدري، أستاذة منى كانت في محكمة الأسرة ومحكمة الاقتصادية، ومعاها قضايا طلاق، وقضايا تلاعب مالي وإداري موثقة بالأوراق.
كريم سقط على الكرسي اللي وراه، وماسك راسه بإيديه الاتنين، وقال بصوت منكسر ومنتهى الضعف
ليلى… أرجوكِ… عشان خاطر العيش والملح… وعشان بنتنا مريم… متعمليش فيا كده. أنا أسف… والله كنت غايب عن وعيي، وموضوع نورا ده انتهى، وأمي… أمي مكنش قصدها…
مدام سامية وقفت قدامي، ولأول مرة في حياتها، نزلت دموع من عينها، دموع الندم، وقالت بصوت مكسور
يا بنتي… إحنا كبرنا، وكريم ملوش غيرك… سامحيه المرة دي، وعشان خاطر البنت…
بصيت لهم الاتنين بقلب هادئ تماماً، وقلت الكلمة الأخيرة
يوم ما نزلت من المستشفى وجروحي لسه بتنزف، وبنتي في حضني، وحضرتك يا مدام سامية قلتِ لي خدي البنت دي وامشي… أنا وقتها خدت البنت ومشتش كضعيفة، مشيت عشان أرجع أخد حقي بالقانون. دلوقتي، الفيلا فاضية، والشركة تحت الحراسة القضائية، وبكرة الصبح كريم هيكون بره الفيلا دي وبلا شقة وبلا شغل، ومفيش قدامه غير إنه يقف قدام القاضي عشان يطلقني وياخد جزاؤه العادل.
قمت ووقفت قدامهم، وفتحت باب الشقة على مصراعيه، وقلت بصوت عالي وصارم
بره… مش هقولها تاني. بره بيتي، وباب حياتي اتقفل للأبد.
كريم قام وهو بيجر رجليه وراه، وحماتي كانت بتسنده، وخرجوا من الشقة ومن حياتي كلها، وهم فاهمين كويس جداً إن التجاوز والظلم دايمًا بيكلفوا صاحبهم غالي أوي.
دخلت لأوضة مريم، شلتها بحنان على صدري، وبصيت من البلكونة على الشارع، وحسيت لأول مرة من سنين طويلة إن الهواء بقى نقي، وإن الجرح اللي في جسمي هيبرا، وإن الصفحة الجديدة اتقفلت وبدأت بجد.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”








