بعد سنة كاملة من طلاقهم المفاجأة..

“المشكلة يا كريم… إن الزمن عمره ما بيرجع.”
وتركت الممر، بينما ظل هو واقفًا يراقبها تبتعد، مدركًا أن أكبر خسارة في حياته لم تكن الطفل…
بل المرأة التي لم يعرف قيمتها إلا بعد أن فقدها.مرت ثلاثة أيام…
لكن كريم ما عرفش ينام ليلة واحدة.
كل ما يقفل عينه، يفتكر كريمة وهي ماشية من قدامه بنفس الهدوء… من غير صريخ، ولا شماتة، ولا حتى نظرة انتصار.
أما سمر…
فبعد اللي حصل، سابت البيت وخدت الطفل عند أمها.
كانت بتبكي طول الوقت، لأنها عرفت إن الكذبة اللي بنت عليها حياتها انتهت.
وفي صباح اليوم الرابع…
كان عند كريمة أول اجتماع رسمي بصفتها نائب المدير الطبي.
قاعة الاجتماعات كانت مليانة رؤساء الأقسام.
وأثناء عرض خطة تطوير قسم الأطفال…
الباب خبط.
السكرتيرة دخلت بتوتر.
“يا دكتورة… في شخص مُصر يقابلك.”
رفعت كريمة عينيها.
“مين؟”
“الأستاذ كريم.”
اتنهدت بهدوء.
“خليه يستنى.”
بعد ساعة كاملة…
خرجت من الاجتماع.
لقته لسه قاعد على نفس الكرسي.
أول ما شافها وقف بسرعة.
لكن المرة دي…
ماكانش لابس بدلة غالية.
ولا على وشه غرور.
كان شكله مرهق جدًا.
قال بصوت واطي:
“ممكن خمس دقايق؟”
ردت بهدوء:
“اتفضل.”
دخلوا مكتب صغير.
فضل ساكت شوية…
وبعدين طلع من جيبه ظرفًا قديمًا.
حطه قدامها.
“ده جواب كتبته يوم الطلاق… بس عمري ما سلمتهولك.”
فتحت الظرف.
كان مكتوب بخط إيده:
“أنا عمري ما حبيتك بالشكل اللي تستحقيه… وكنت كل ما أفشل، أرمي فشلي عليكي.”
كريمة قفلت الورقة بهدوء.
وقالت:
“متأخر.”
هز رأسه.
“عارف.”
سكت لحظة…
ثم قال:
“أنا عملت تحليل كامل بعد اللي حصل… والدكتور أكد نفس الكلام… المشكلة كانت عندي من البداية.”
أغمضت كريمة عينيها للحظة.
رغم إنها كانت عارفة الحقيقة…
إلا إن سماع اعترافه كان كأنه قفل آخر باب من الماضي.
قال كريم وهو يكاد يبكي:
“أنا دمرت سبع سنين من عمرك.”
ابتسمت ابتسامة هادئة.
“لأ.”
رفع رأسه باستغراب.
قالت:
“السبع سنين علموني أكون أقوى… وعلموني ما أربطش قيمتي برأي حد.”
سألها بصوت مكسور:
“مفيش فرصة نبدأ من جديد؟”
ابتسمت لأول مرة…
لكن ابتسامتها كانت مليانة سلام، مش حب.
وقالت:
“في ناس مكانها في الذكريات… مش في المستقبل.”
خرج كريم من المكتب وهو فاهم إن بعض الأبواب، مهما ندمت، مش بتتفتح مرتين.
أما كريمة…
فرجعت لمكتبها، وفتحت ملف أول طفل كان مستنيها للكشف.
ابتسمت وهي تلبس السماعة الطبية، وقالت لنفسها:
“في حياة كاملة مستنياني… ومش هضيع منها دقيقة واحدة بعد النهارده.”
يتبع…بعد شهرين…
كانت حياة كريمة ماشية بهدوء لأول مرة من سنين.
شغلها بقى أكبر، ومسؤولياتها زادت، لكنها كانت بتحس إنها أخيرًا بتعيش لنفسها.
وفي يوم هادئ…
كانت ماشية في ممر المستشفى، لما سمعت حد بيناديها بصوت متردد:
“كريمة…”
لفت.
كانت سمر.
وشها كان شاحب جدًا، وعينيها باين عليهم السهر.




