عام

طليقي – محمد نور

4

— **«اسألوها عن شهادة الميلاد الخامسة!»**

عمّ الصمت المطبق.

تطلعتُ إليه بذهول: «ماذا قلت؟!»

ضحك “سليمان” بشر: «أربعة أطفال عادوا معكِ إلى المنزل… لكن هذا لا يعني أن أربعة فقط هم من ولدوا تلك الليلة!»

ترنحتُ إلى الخلف، وانهارت ركبتي..

تذكرتُ يوم الولادة القيصرية تحت التخدير، عندما كان “دانيال” بجانبي، والمهد والضوء الخافت، وكيف قال لي حينها إن هناك مضاعفات وأنه يجب أن أكون شاكرة لأن أطفالي الأربعة أحياء…

أخرج المحقق حقيبة سوداء من سيارة “دانيال”، وسحب منها سوار مستشفى قديم ومغلف.

كان اسمي مكتوباً عليه..

وتحته، بخط صغير، كُتبت كلمتان لم أرهما في حياتي قط:

**”الطفل الخامس (E)”**

# (النهاية المغلقة والكاملة)

تجمّدت في مكاني، وشعرت ببرودة تسري في جسدي كأن الزمن توقف.

«الطفل الخامس؟» همستُ بها، وعيناي تتنقلان بين سوار المستشفى البلاستيكي وجه “دانيال” المقيد على الأرض.

لم يستطع “دانيال” رفع عينيه بوجهي هذه المرة. انكسرت نظرة التحدي في عينيه، ولأول مرة أراه يرتجف خوفاً حقيقياً.

تقدمت المحققة “سارة” بخطوات حازمة، وسحبت الظرف المغلق المصاحب للسوار من الحقيبة السوداء، وفتحته بسرعة أمام الجميع.

ألقت نظرة خاطفة على المستندات الرسمية، ثم التفتت إليّ بنبرة هادئة ومطمئنة:

— «سيادة العميد كيشا… لا داعي للقلق. لا يوجد طفل مفقود.»

تنفستُ الصعداء وكأن الحياة عادت إلى رئتيّ: «ماذا تقصدين؟»

رفعت المحققة الأوراق الرسمية المرفقة من السجل الطبي القديم وقرأت بوضوح:

— «هذا السوار يعود لملف ولادتك القيصرية بالفعل، لكن التقرير الطبي المعتمد من الاستشاري المشرف يوضح أنه كان هناك اشتباه مبكر بتوأم خماسي في الأسابيع الأولى، إلا أن النمو توقف عند أربعة أجنة فقط. “دانيال” ومساعده احتفظا بهذه الورقة واشتروا وثائق مزورة لاحقاً لاستخدامها كأداة ابتزاز ضدكِ أو مساومة في حال انكشاف جرائمهم المالية!»

التفتت المحققة إلى “سليمان” الملقى على الأرض وتابعت بصرامة:

— «لعبة خبيثة ومكشوفة، ولدينا التقرير النهائي للولادة الذي يثبت وجود أربعة أطفال فقط، وهم أطفالك الأربعة الأحباء الواقفون أمامك الآن.»

نظر “سليمان” إلى الأرض بخيبة أمل، بينما أغمض “دانيال” عينيه باستسلام تام.

في تلك اللحظة، جثت والدة دانيال “مريم” على ركبتيها وهي تبكي، واحتضنت أبنائي الأربعة بقوة، ثم رفعت رأسها ونظرت إلى ابنها المكلل بالعار وقالت بصوت جازم أخير:

— «دانيال… لقد انتهيت من حياتنا جميعاً. من اليوم، ليس لك أم، ولا عائلة، ولا شرف. وهؤلاء الأطفال لن يحملوا من قسوتك شيئاً، بل سيربون على الحق والكرامة التي حرمت نفسك منها.»

سحب رجال الأمن العام العقيد “دانيال” ومساعده “سليمان” خارج القاعة الصامتة، وسط نظرات الخزي والاحتقار من كافة أقاربه وضباط العائلة المتقاعدين. اختفت أضواء الشرطة الحمراء والزرقاء في عتمة الثلج الساقط، لتطوي معها صفحة رجل ظن أن النفوذ والكذب يحميانه من العدالة.

**بعد مرور عام كامل…**

في صبيحة يوم عيد جديد، كانت الشمس تشرق دافئة على منزلنا ببياضه الناصع.

أصبح “صالح”، و”نوح”، و”إيثان”، و”صوفيا” يملؤون البيت ضحكاً وفرحاً، يرتدون ثياب العيد الجديدة، وتتزين صدورهم بابتسامات لا تغيب. زارتنا الجدة “مريم” وقضت معنا الصباح، تنظر إلى أحفادها الأربعة بفخر وتعوضهم عن سنوات الحرمان.

أما “دانيال”، فقد صدر بحقه حكم قضائي بالسجن لمدة 15 عاماً بتهم الاختلاس والتزوير وتجريده التام من رتبته العسكرية وممتلكاته، ليقضي بقية حياته خلف الأسوار، نادماً على كل لحظة ظن فيها أنه يستطيع محو الحقيقة.

احتضنت أطفالي الأربعة وجلست معهم في الحديقة تحت أشعة الشمس الدافئة.

نظر إليّ “نوح” ابتسم وقال: «ماما… هل نحن آمنون الآن؟»

قبلت رأسه ونظرت إلى وجوههم المشرقة وقلت بكل ثقة ويقين:

— «نعم يا حبيبي… نحن آمنون، وقويون، ومعاً إلى الأبد.»

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصود

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى