قصص و روايات

ترك والدي الجامعة

2

ترك والدي الجامعة

يوجد دفتر توفير باسمك داخل درج المكتب. كنت أوفر جزءًا صغيرًا من راتبي كل شهر منذ يوم ميلادك. أعلم أنه ليس مبلغًا كبيرًا، لكنه يكفي لتبدئي الحياة التي كنت أحلم أن أراها لك.

مقالات ذات صلة

ولا تنسي أبدًا… لا تقيسي الحب بما يملكه الإنسان، بل بما يضحي به من أجل من يحب.

أحبك أكثر مما تستطيع الكلمات وصفه.

والدك… الذي سيبقى فخورًا بك إلى الأبد.

أغلقت الرسالة وأنا أبكي بحرقة.

بعد أسبوعين فقط، وبينما كنت أرتب بقية أغراضه، رن هاتفي من رقم مجهول.

عندما أجبت، جاءني صوت امرأة متردد يقول

أنا… أمك.

في تلك اللحظة، نظرت إلى رسالة أبي الموضوعة أمامي، وأدركت أن أصعب قرار في حياتي لم يكن دفنه…

بل كان اختيار ما إذا كنت سأفتح بابًا أغلقه أبي بيديه

قبل أكثر من خمسة وعشرين عامًا.

يتبع…

ظللت صامتة لعدة ثوانٍ، ثم قلت بهدوء

ماذا تريدين؟

بدأ صوتها يرتجف.

أعرف أنني لا أستحق حتى أن تسمعيني… لكنني أريد فرصة واحدة فقط لأراك.

أغلقت عيني.

قبل سنوات، كنت أحلم بهذه المكالمة. كنت أتخيل أن أمي ستعود، وتعتذر، وتشرح لي لماذا تركتني.

لكن الآن…

لم أعد تلك الطفلة.

قلت لها

أين كنتِ طوال خمسة وعشرين عامًا؟

ساد الصمت.

ثم قالت

كنت خائفة… وارتكبت أكبر خطأ في حياتي.

ابتسمت بمرارة.

لا… أنتِ لم ترتكبي خطأ. الخطأ يحدث مرة واحدة. أما أنتِ فاخترتِ الغياب كل يوم لمدة خمسة وعشرين عامًا.

حاولت أن تبكي وهي تقول

أرجوكِ… امنحيني فرصة.

أجبتها بهدوء

هل تعلمين كم مرة مرضت وأنا صغيرة وتمنيت

أن تكون أمي بجانبي؟ كم مرة كان أبي يعود من العمل منهكًا، ثم يطبخ لي ويغسل ملابسي ويساعدني في واجباتي المدرسية؟ هل تعلمين أنه ترك حلمه في أن يصبح مهندسًا حتى لا أشعر يومًا أنني بلا سند؟

لم تستطع الرد.

تابعت

الرجل الذي تركتِه لم يقل عنكِ كلمة سيئة واحدة طوال حياته. لم يحاول أن يجعلكِ تبدين شريرة في عيني، رغم أنه كان يملك ألف سبب لذلك.

ثم أضفت بصوت اختلطت فيه الدموع بالفخر

لقد رباني رجل واحد… وكان يساوي ألف شخص.

سمعت شهقة مكتومة من الطرف الآخر.

قالت

هل يمكنكِ أن تسامحيني؟

نظرت إلى صورة أبي المعلقة على الحائط.

ثم تذكرت آخر كلماته في الرسالة

إذا ظهرت يومًا وطلبت منكِ المغفرة، فالقرار قرارك وحدك.

تنفست بعمق وقلت

أسامحك…

لأنني لا أريد أن أحمل الكراهية في قلبي بقية حياتي.

توقفت لحظة، ثم أكملت

لكن المسامحة لا تعني أن تعودي إلى حياتي. لقد فات أوان أن تكوني أمي.

أغلقت الهاتف بهدوء.

لم تتصل مرة أخرى.

بعد أشهر، استخدمت المال الذي ادخره أبي طوال عمره، وأضافت إليه مدخراتي، واشتريت منزلًا صغيرًا بحديقة كان يحلم بها دائمًا.

وفي الحديقة زرعت شجرة بلوط، وثبتُّ بجانبها لوحة صغيرة كتب عليها

إلى الرجل الذي ضحّى بأحلامه ليحقق أحلامي.

وفي كل عام، في يوم ميلاده، أجلس تحت تلك الشجرة، أحكي له عن حياتي، وعن نجاحي، وعن كل شيء كان يتمنى أن يراه.

قد لا يكون موجودًا بجسده…

لكنني أشعر به في كل قرار أتخذه، وفي كل خطوة أخطوها.

تعلمت أن الأب الحقيقي ليس من يمنحك الحياة…

بل من يهبك عمره كله لتعيشها أنت.

النهاية.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى