منوعات

جاء المليونير لطرد المستأجرة

​وعندما عادت الطفلة إلى ماكينة الخياطة، وقف مسمّراً عند الباب. لم يستطع أن يدير ظهره ويرحل، وفي الوقت نفسه لم يدرك كيف يمد يد العون دون أن يبدو الأمر وكأنه شفقة. أعادت الطفلة تشغيل الماكينة، فملأ صوت الدواسة الإيقاعي الصمت الثقيل. لم يغادر نعمان؛ ظل واقفاً يراقب قدميها الصغيرتين المرهقتين تضغطان على الدواسة، ورأسها يميل من التعب وهي تواصل العمل، وكأن لا خيار آخر أمامها.

​شيء ما انكسر داخله في تلك اللحظة. لم تكن شفقة، ولم يكن شعوراً بالذنب… كان شيئاً أقرب إلى الغضب، غضب لا يجد له مخرجاً؛ غضب من الأم، ومن الظروف، ومن نفسه لأنه لم ينتبه لشيء كهذا من قبل. رأى قطرة دم صغيرة تسيل من طرف إصبعها، فمسحتها بثوبها دون أن تتأفف أو تشتكي، وواصلت الخياطة.

​سألها أخيراً: «ما اسمكِ؟». ترددت قليلاً، ثم قالت: «ليان»، وعادت لاهتمامها بالقماش.

مقالات ذات صلة

​مدّ نعمان يده إلى جيبه، وأخرج محفظته، ثم سحب منها حزمة من الأوراق النقدية ووضعها على الطاولة دون كلمة. لم تكلف ليان نفسها حتى عناء النظر إليها، واستمرت في الخياطة.

​خرج من الشقة دون أن يغلق الباب بالكامل خلفه، وكأنه بترك الباب موارباً يضع فارقاً بين أن يرحل للأبد، وبين أن يظل قريباً منها ولو قليلاً.

وقافزاً في سيارته، جلس نعمان لبرهة ينظر إلى عجلة القيادة دون أن يدير المحرك. كان خفقان قلبه سريعاً وثقيلاً. لم تجاربه مع الصفقات الكبرى ولا حساباته البنكية الضخمة بقادرة على تمحيص الصورة التي انطبعت في ذهنه: أصابع ليان الصغيرة المليئة بوخزات الإبر، وقطرة الدم التي مسحتها بطرف ثوبها دون أن تشاكي أو تتوقف.

​لم يستطع القيادة بعيداً. ترجل من السيارة من جديد، لكنه هذه المرة لم يتجه نحو الشقة، بل سار عبر الممر المظلم نحو الشقة المجاورة لـ (4ب). طرق الباب، وبعد لحظات فتحت امرأة متقدمة في السن، ترتدي ثوباً بسيطاً وتسترق النظر بحذر.

​«نعم؟ من أنت؟» سألت بعينين مليئتين بالارتياب.

​«أنا نعمان، صاحب هذا المبنى»، أجابها بنبرة خالية من الاستعلاء لأول مرة منذ سنوات. «أردت فقط أن أسألك عن جارتك في الشقة (4ب)… عن سارة وابنتها».

​تغيرت ملامح المرأة فوراً، وتلاشت قسوتها ليحل محلها حزن عميق. زفرت بحسرة وقالت: «آه… مسكينة تلك المرأة. سارة تعمل ليلاً ونهاراً في خياطة الملابس لحساب أحد المشاغل، لكنها أصيبت بحمى شديدة وسعال حاد منذ أسابيع. يزداد وضعها سوءاً كل يوم، ولا تملك ثمن العلاج أو الذهاب إلى المستشفى. أما الصغيرة ليان… فهي تحاول إنهاء الطلبيات بدلاً عن أمها حتى لا يخسروا القوت القليل الذي يبقيهم على قيد الحياة، وحتى لا يطردهم صاحب الملك…».

​توقفت المرأة فجأة وتبادلت النظر معه، وكأنها أدركت للتو أنه هو نفسه ذلك «صاحب الملك» الذي يخشونه.

​شعر نعمان بغصة في حلقه. لم يقل شيئاً، بل أخرج هاتفه فوراً واستدعى طبيباً خاصاً من معارفه، وأمره بالتوجه فوراً إلى الشقة رقم (4ب) مع كل ما يلزم من أدوية ورعاية طبية، مشدداً على أن يتكفل هو بكل المصاريف.

​عاد نعمان بخطوات حثيثة نحو الشقة. فتح الباب الموارب ببطء. كانت ليان لا تزال جالسًة عند ماكينة الخياطة، يدها الصغيرة تدير العجلة بإصرار يسبق سنها بكثير.

​اقترب منها وجثا على ركبتيه مجدداً حتى صار في مستوى نظرها. جلس يتأملها، وفي تلك اللحظة، استرجع صورة أمه وهي تجلس في عتمة الليل تطرز الثياب لكي تؤمن له ولأخوته ثمن الخبز… كم نسى هذا الماضي؟ كم شغله جمع المال عن تفقد آلام الناس؟

​«ليان…»، قال بصوت دافئ ومطمئن. «توقفي عن الخياطة الآن. الطبيب في طريقه إلى هنا ليفحص أمكِ ويساعدها على الشفاء».

​رفعت ليان عينين ملأتهما الدهشة والدهشة، واستقرت نظراتها على وجهه. ولأول مرة، لمح في عينيها بريق أمل صغير يتسلل من بين التعب والبؤس.

الفصل الثاني

​في تلك الليلة، لم يذق نعمان طعماً للنوم. ظلت مشاهد اليوم تتردد في ذهنه ك شريط سينمائي: طفلة صغيرة تخيط الملابس بمفردها، وتحمل على كاهليها عبء العالم، في مبنى قديم كاد أن يتهدم.

​في الصباح التالي، استيقظ مبكراً على غير عادته، وهو أمرٌ لا يفعله إلا إذا كان هناك عمل طارئ في الشركة. وبدلاً من أن يتجه مباشرة إلى مكتبه، عرّج على دكان في الحي واشترى بعض الخبز والمواد الغذائية الأساسية.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى