منوعات

حماتي كل ما اطبخ

قالت لي بصوت مهزوز أنا آسفة يا بنتي، آسفة جداً، ما كانش ينفع أعمل كده، بس كان غصب عني، كنت خايفة على زياد، وخايفة أخسر كل حاجة. الحكاية بدأت من زمان، من لما كان أبو زياد وأبوك أصدقاء وشركاء، واتفقوا يقسموا الميراث اللي جابوه من الجد بينهم وبين سيد عثمان، بس في النهاية أبوك وأبو زياد اتفقوا على تقسيم تاني من غير ما يعرفوا سيد عثمان، وأخذوا نصيبه، واتقسموا الحاجات بينهم. لما أبوك ، خدتي نصيبك، وسيد عثمان عرف بالحكاية، وجالي وقالي إنه لو ما رجعناله حقه، هيفضح كل حاجة،  زياد وياخد كل فلوسه وشغله،  إنه  مستقبله. كنت خايفة جداً على ابني، وما لقيتش حل غير إني أتعاون معاه، واتفقنا إن نرجع له نصيبه من الميراث اللي معاك، وإن نثبت إن الاتفاق القديم ما كانش صحيح. وقلت لنفسي، ده مش حرام، ده حق كان له من الأول، وأنا بعمل كده عشان أنقذ ابني.
سألتها بوجع وإيه ذنبي أنا؟ ليه خدعتيني وقلتلي إنك بتتصدقين، وإنك اللي بتعملي الأكل؟ ليه استخدمتيني كأداة في خطتكم؟ قالت لي عشان سيد عثمان كان بيحب أكلاتك جداً، وبيقول

إن طعمها مميز، وطلب مني أجيبله الأكل كل يوم، وكنت أتكسف أقول له إن مرات ابني هي اللي بتعمله، فكنت أقول إنه من عملي. وكنت عايزة أضمن إنك تفضلي تطبخي بنفس الطعم، فكنت أمدحك وأشجعك عشان ما تشكيش في حاجة. وكنت عارفة إنك طيبة وثقتك فيا كبيرة، فاستغليت ده عشان توقعي على الأوراق، عشان نرجع لسيد عثمان حقه ونحمي زياد. كلامها كان صادق ومليان خوف، لكن ده ما كانش يخفف الوجع اللي في قلبي. قلت لها والحق ده مش حقكم، ده حقي وحق أبي، واتفقوا عليه بطريقة قانونية سليمة، وسيد عثمان بيحاول ياخد حاجة مش حقه بطرق ملتوية. وأنتِ ساعدتيه عشان خوفك، وضيعتي ثقتي وثقتنا كلها.في اللحظة دي دخل زياد

، وسمع آخر كلامي، ووقف متسائل إيه اللي بيحصل هنا؟ إيه كلام الميراث والخداع ده؟ حماتي بكت وقالت له كل الحكاية، وسمعها زياد بذهول، وكل ما تسمع كلمة كان يتغير لونه أكتر وأكتر. لما خلصت، قرب مني ومسك إيدي وقال لي بدمع سامحيني يا حبيبتي، أنا ما كنتش أعرف حاجة من كل ده، أمي ما قالتليش ولا كلمة، كنت أصدقها لما تقول إنها بتتصدق، وكنت أظن إنها بتعمل خير. ما كنتش أتوقع إنها تقدر تعمل كده فيك، وإنك تمر بكل ده لوحدك. أنا آسف جداً. بعدين اتجه لأمه وقال لها بلهجة غاضبة ومحزونة ليه عملتي كده يا أمي؟ ليه خدعتينا كلنا؟ ليه خفتي من سيد عثمان وصدقتي تهديداته؟ ده كان ممكن نحل الموضوع بطريقة قانونية ومشروعة، من غير ما نخدع حد ولا نضيع حق أحد. أنا مش عايز حق حد، ولا عايز أخذ حاجة مش حقي، وكل اللي أخده أبوي وأبوها كان بطرق سليمة. وده اللي هنثبته.

مقالات ذات صلة

قررنا نعالج الموضوع من أول وجديد، فذهبنا مع المحامي، وجمعنا كل الأدلة والوثائق اللي تثبت صحة الاتفاق القديم، وإن سيد عثمان ما كانش له حق في المطالبة بتلك الأملاك، وإن التهديدات اللي عملها كانت غير قانونية. ورفعنا قضية ضد سيد عثمان عشان يوقف محاولاته الابتزازية، وضد حماتي عشان الغش والخداع، لكن زياد طلب من المحامي يخفف الموضوع عشان أمي، واتفقنا إنها تتراجع عن كل الأوراق اللي وقعتها، وتعترف بكل الحقيقة، وتبعد عن سيد عثمان نهائياً.
بعد أسابيع، اتضح كل شيء، وثبتت براءة أبي وأبو زياد، وسيد عثمان منع من المطالبة بأي حق، واتعهد بعدم التدخل في حياتنا أبداً. أما حماتي، فجت لي وبكت في رجلي، وقالت لي سامحيني يا بنتي، عرفت غلطي، وندمت أشد الندم، وما كنتش عارفة إن الخوف ممكن يخليني أعمل حاجة تجرح أغلى الناس عليا. أنا آسفة، وهحاول أعوضك كل اللي فات. مسكتها وقلت لها أنا مسامحتك يا طنط، لأنك كنتي خايفة على ابنك، وده شيء أفهمه، بس لازم نعرف إن الحق مش بيجي بالخداع، وإن الثقة لو ضاعت مش بترجع بسهولة، لكن هنحاول نرجعها خطوة بخطوة.

من يومها، تغير كل شيء. حماتي ما عادت تاخد الأكل من غير ما تستأذن، ولما تاخد شيء بتقول لي الحقيقة، وبتعترف إن أكلاتي هي اللي طيبة، ولما تروح تتصدق فعلاً بتروح للناس الغلابة، وبتقول لهم دي من عمل مرات ابني اللي ربنا يبارك لها. والعلاقة بيننا رجعت أحسن من الأول، بس باحترام وصدق وثقة حقيقية. وعرفت إن في حياتنا أشياء كتير ممكن تبدو غريبة ومش مفهومة، وإن الحقيقة ممكن تكون أكبر وأعمق مما نتوقع، وإن أهم حاجة في أي  سواء كانت مع أهل أو أزواج هي الصدق والوضوح، وإن الخوف والخداع ما بيجيبوش غير الندم والفراق.
وكل ما أطبخ أكلة حلوة دلوقتي، بفتكر الحكاية دي، وأقول لنفسي كل طبق وكل كلمة وكل تصرف ليه معنى وتأثير، وإن اللي بيتعمل بالحب والصدق بيضل، واللي بيتعمل بالخداع مهما طال الزمن بيكشفه الله في النهاية، ويرجع الحق لصاحبه مهما كان اللي حاولوا ياخدوه بطرق غريبة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى