قصص و روايات

الشيف الممتلئة

أجابت دون تردد:

“أنا اللي عملت خمس طاسات صوص… وكلهم لونهم واحد.”

ثم أشارت إلى طبقه.

مقالات ذات صلة

“إلا ده.”

اقترب فؤاد بسرعة.

نظر إلى الطبق.

ثم قال بتوتر:

“يمكن بسبب الحرارة.”

لكن ليلى هزت رأسها.

“لا.”

ثم مدت إصبعها نحو حافة الطبق.

“بصوا هنا.”

كانت هناك نقطة صغيرة جافة على الحافة.

رفعتها بطرف ملعقة.

وشمتها.

ثم قالت بثقة:

“الصوص ده اتحط بعد ما الطبق خرج من المطبخ.”

اتسعت عينا عمر.

لأن هذا يعني شيئًا واحدًا.

السم لم يدخل أثناء الطهي…

بل بعد خروج الطعام.

أي…

داخل قاعة الطعام نفسها.

تحرك أحد الحراس فورًا ليغلق جميع المخارج.

وقال عمر بصوت بارد:

“ولا حد يخرج.”

في تلك اللحظة…

رن هاتف أحد الحراس.

نظر إلى الشاشة ثم قال:

“النتيجة الأولية من كاميرات الممر.”

مد عمر يده.

شاهد التسجيل بنفسه.

ظهر الطبق وهو يخرج من المطبخ مع أحد الخدم.

ثم توقف الخادم للحظات لأن أحد الحراس سأله سؤالًا.

ثانيتان فقط.

وفي الخلفية…

ظهر شخص يمر بجوار العربة.

لم يلمس الطبق بوضوح.

لكن كمه الواسع أخفى حركة سريعة جدًا.

أعاد عمر المقطع ثلاث مرات.

ثم أوقف الصورة.

رفع عينيه ببطء.

ونظر مباشرة إلى حسام.

لم يتكلم.

لكن وجه حسام شحب فجأة.

ابتسم ابتسامة متوترة وقال:

“بتبصلي كده ليه؟”

رد عمر بهدوء أخاف الموجودين أكثر من أي صراخ:

“لأن الراجل اللي في الفيديو… لابس نفس الساعة اللي في إيدك.”

ساد صمت مرعب.

نظر الجميع إلى معصم حسام.

ساعة فضية نادرة، يتدلى منها سوار جلدي أسود لا يملكه أحد غيره.

تراجع حسام خطوة وهو يحاول إخفاء ارتباكه.

وقال بسرعة:

“مجرد تشابه.”

لكن ليلى لم ترفع عينيها عنه.

بل ثبتت نظرها على كم سترته.

ثم همست:

“مش الساعة هي اللي فضحتك…”

اقترب عمر خطوة.

“أمال إيه؟”

ابتلعت ليلى ريقها وقالت:

“ريحة الصوص… جاية من على كم بدلته.”تجمد حسام مكانه.

وانعكس الذعر على وجهه للحظة… ثم اختفى بسرعة.

ابتسم ابتسامة باردة وقال:

“بقى هدومي بقت دليل؟”

لكن عمر لم يرد.

اقترب بنفسه من ابن عمه.

ثم أمسك طرف كم بدلته بهدوء.

رفع القماش إلى أنفه…

واستنشق مرة واحدة.

لم يتغير تعبير وجهه.

لكنه قال للحارس الواقف خلفه:

“اقفل الباب.”

صوت القفل المعدني دوّى في القاعة.

أدرك حسام لأول مرة أن أحدًا لم يعد يتعامل مع الأمر باعتباره مجرد اشتباه.

قال الدكتور سامح:

“لو في بقايا من المادة على القماش… المعمل هيكشفها.”

رد حسام بعصبية:

“طبيعي يكون عليها صوص… كنت قاعد على السفرة!”

لكن ليلى هزت رأسها.

“لا… دي مش ريحة الصوص.”

ثم أشارت إلى كم البدلة.

“دي ريحة المادة قبل ما تختلط بالأكل.”

نظر إليها عمر باهتمام.

وسألها:

“إزاي عرفتي الفرق؟”

تنهدت ليلى وقالت:

“وأنا صغيرة… أبويا كان عنده محل أعشاب.”

سكتت لحظة.

“وفي مرة واحد مات بسبب مادة سامة كانت متخزنة غلط جنب الأعشاب الطبية.”

خفضت عينيها.

“الريحة دي فضلت في دماغي من يومها.”

ساد الصمت.

وفجأة…

تكلم فؤاد، كبير الطهاة.

“أنا عندي سؤال.”

نظر الجميع إليه.

قال وهو يشير إلى ليلى:

“لو هي عرفت إن الطبق فيه سم… ليه ما قالتش الحقيقة من الأول؟”

سكتت ليلى.

ولم تجب.

كرر عمر السؤال بنفسه، لكن بنبرة أهدأ.

“جاوبي.”

أخذت نفسًا طويلًا.

ثم قالت:

“لأني كنت فاكرة إن السم دخل من المطبخ.”

نظر إليها باستغراب.

أكملت وهي تكاد تبكي:

“ولو قلت إن في حد سمم الأكل… أول واحد كان هيتقبض عليه هو فريق المطبخ كله.”

نظرت إلى فؤاد.

“وأنا مسؤولة عن عشرين عامل… فيهم أرامل وشباب لسه بيصرفوا على بيوتهم.”

“كنت فاكرة إن الغلط من عندنا.”

“فحاولت أمنعك تاكل… من غير ما أتهم حد.”

انخفض رأسها.

“كنت مستعدة أدخل السجن… ولا أشوف حد بريء يتظلم.”

لأول مرة…

تغيرت نظرة عمر إليها.

لم يعد يرى مجرد شيف تعمل في مطبخه.

بل امرأة كانت مستعدة تتحمل التهمة وحدها لتحمي غيرها.

وقبل أن يتكلم…

دخل أحد الحراس مسرعًا.

وقال وهو يلهث:

“يا باشا…”

التفت الجميع إليه.

قال:

“المعمل بعت النتيجة الأولية.”

مد الورقة إلى الدكتور سامح.

قرأها بسرعة…

ثم رفع رأسه بصدمة.

“المادة السامة موجودة فعلًا.”

ساد الصمت.

لكن الجملة التالية كانت أخطر.

قال الدكتور:

“والغريب… إنها مش موجودة في الحلة الكبيرة.”

نظر الجميع إلى ليلى.

ثم أكمل الدكتور:

“ولا حتى في أي طبق من أطباق الضيوف.”

رفع عمر عينيه ببطء.

وسأل:

“يعني؟”

أجاب الدكتور وهو يطوي التقرير:

“السم اتحط في طبق واحد بس…”

ثم نظر مباشرة إلى عمر.

“…طبقك أنت.”رفع عمر التقرير من يد الدكتور سامح دون أن ينطق.

قرأ السطر الأخير بنفسه.

ثم أعاده إلى مكانه.

لم تظهر على وجهه أي علامة غضب.

وهذا بالضبط ما أخاف الجميع.

قال بهدوء:

“يبقى اللي عمل كده… كان عارف الطبق بتاعي كويس.”

أومأ الدكتور.

“وده معناه إن الهدف كان محدد من البداية.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى