قصص و روايات

رجعت من دبي لقيت امي

​قطعتها بسرعة وحسم: “شريف أبوهم.. بس إنتِ أمي اللي ماليش غيرها في الدنيا.”
​أمي نزلت دموعها، وبإيدين بترتجف رفعت كم البلوزة. علامات صوابع زرقا ومحفورة في جلدها الناعم حولين معصمها، وفوقيها كدمات صفرا قديمة متفرقة على دراعها كله.
​حكتلي إن حميدة اتجننت وزعقت فيها وضربتها بإيدها لما فريدة دلقت نقطتين عصير على السجادة بالغطاء. وشريف شاف كل ده بعينيه، وبدل ما يدافع عنها، هددها بعد ما مشيت إن لو فتحت بقها بكلمة أو نكدت عليا وأنا في السفرية، هيحرمها تشاف عيالي تاني وما تخشش البيت.
​سألتها وصوتي محبوس من الغضب: “وشريف؟.. إيده اتمدت عليكِ يا أمي؟”
​ردت بسرعة وبخوف زي اللي بتداري مصيبة: “لا يا بنتي.. لا طبعاً!”
​”أمي.. بصي في عيني وقوليلي الحقيقة.”
​حطت إيدها على خدها المورم وبصت بعيد: “هو.. هو زقني زقة جامدة مرة واحدة بس..”
​الكلمة دي نزلت على قلبي زي السكين.
​قبل سفرتي بيومين، حميدة اشتكت إن صينية العشا اتأخرت، فأمي قالت لشريف بقلة حيلة إنها تعبانة ومش شغالة عندهم. شريف طار عقله، وزعق فيها وقالها “إنتِ إزاي تقلي أدبك على أمي يا ست إنتِ؟”، ومسكها من كتفها بغل وزقها جامد، فاتخبطت في طرف دولاب المطبخ ووقعت على الأرض.
​جوزي.. الراجل اللي نام في حضني.. حط إيده على أمي العيانة وزقها!
​في اللحظة دي موبايلي رن.
​الاسم على الشاشة: شريف.
​كنسلت عليه فوراً.
​بدأت الرسائل تنزل ورا بعضها زي المطر:
​افتحي البوابة فوراً يا مجنونة!
​إحنا لازم نتكلم.. إنتِ فاكرة نفسك بتعملي إيه؟
​مش من حقك تاخدي العيال وتبعديهم عني!
​بلاش دراما وهبل وافتحي البوابة بدل ما أهدها!
​وبعدين جت الرسالة اللي خلت إيدي ترتجف من كتر الغل:
​وربنا لتندمي على كل لحظة عملتي فيها كده.. افتحي بدل ما أوريكي الوش التاني!
​بصيت في كاميرات المراقبة بتاعة البوابة الخارجية.
​شريف كان واقف في الشارع حافي مع أمه حميدة، بيخبطوا على الحديد ويصرخوا عشان أفتح. فتحت المايك المباشر وقلتله بمنتهى الثبات إن الولاد معايا وأمان، ومش هيدخلوا الشقة التانية تاني.
​حميدة زقته وصرحت في المايك: “الفيلا دي بتاعتنا! فلوس ابني هي اللي عملت كل ده! افتحي الباب يا بنت الـ…!”
​قلتلها ببرود: “لا يا طنط.. القصر ده معروض ومكتوب باسم عقد ثلاثي مقفول باسم صندوق استثماري خاص بيا أنا، اتقفل واتسجل قبل ما أتجوز ابنك بأسبوع واحد.”
​ملامح شريف اتغيرت في ثانية على الكاميرا.. الذهول والشجع ظهروا على وشه:
“عقد خاص؟ واستثمار؟ إنتِ كان معاكي فلوس للدرجادي وماقلتيليش؟! الصندوق ده فيه كام مليون بالضبط يا نادين؟!”
​ما سألش: العيال كويسين؟
ما سألش: طمنيني على أمك العيانة اللي اتظلمت؟
كل اللي فرغ عقله وركز فيه: الفلوس كام؟
​قفلت الإنتركم في وشه وفصلت الكاميرات الخارجية.
​الجزء الثالث: الجواب اللي سابه أبويا
​أخدت أمي من إيدها ومشيت بيها في الممرات الواسعة لحد جناح الضيوف الرئيسي. سرير متنجد حرير، تكييف شغال بهدوء، وحمام خاص.
​قلتلها: “ده جناحك يا أمي.. هتفضلي هنا معززة مكرمة طول عمرك، ومافيش مخلوق يقدر يمس شعرة منك.”
​عيونها دمعت وقالت بصوت مكسور: “يا بنتي أنا مش عايزة أكون عبء عليكِ.. ولا أكون سبب في خراب بيتك وعمارك..”
​مسكت إيدها المورمة وبوستها: “عبء؟ إنتِ نسيتي لما بعتي حتة الأرض الوحيدة اللي حيلتك في البلد عشان تدفعيلي مصاريف كلية الهندسة؟ نسيتي لما اشتغلتي في البيوت وفي المشاغل عشان أطلع الأولى؟ نسيتي لما فضلتِ لابسة نفس البالطو القديم تسع سنين في الشتا عشان توفري فلوس الكتب والمذكرات؟”
​ابتسمت ابتسامة خفيفة ومسحت دموعها: “إنتِ فاكرة كل حاجة يا نادين..”
​”أنا فاكرة كل لحظة يا أمي.. ومش هنسى.”
​بصتلي وقالت بصوت هادي غريب: “وأنا كمان فاكرة كل حاجة.. وأبوكي رحمة الله عليه كان فاكر.”
​قبل ما ألحق أسألها تقصد إيه بكلمتها عن بابا الله يرحمه.. صفارة إنذار الفيلا ضربت بصوت عالي جداً!
​الإنذار ده مبيشتغلش إلا في حالة واحدة بس.. لو حد فتح الباب الرئيسي باستخدام كود الدخول الخاص والسرّي جداً.
​الكود ده مكنش مع أي حد في الدنيا غير ثلاثة بس: أنا.. والمحامي المسؤول عن إدارة أملاكي.. والشخص الثالث اللي كنت فاكرة إنه أخد السرر معاه للقبر!

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى