في عيد ميلاد امي

كان قد رأى ما حدث من خلال فتحة المطبخ المطلة على الصالة.
اتجه مباشرة إلى طاولتنا.
ثم توقف بجوار أمي.
كان وجهه شاحبًا.
نظر إلى المرأة وقال بحزم:
«حضرتك لازم تمشي.»
ضحكت المرأة.
«وإنت مين عشان تطردني؟»
لم يرد محسن عليها.
التفت إلى أحد العاملين وقال:
«افتحوا الباب الخلفي وخلي موظف الاستقبال يجيب حسابها.»
ثم أضاف بهدوء:
«مش هنمنعها من الخروج، لكن مش هسمح بإهانة أي زبون عندي.»
كانت المرأة على وشك الاعتراض، لكنه لم ينظر إليها.
لأنه كان يحدق في أمي.
قال بصوت متردد:
«سمر؟»
تجمدت أمي.
سقطت حقيبتها من يدها.
رفعت عينيها إليه.
«محسن؟»
تغيرت ملامحه فورًا.
اقترب خطوة.
«أنا مش مصدق.»
نظرت إليه أمي طويلاً.
ثم قالت:
«إنت محسن فعلًا؟»
ابتسم ابتسامة صغيرة.
«آخر مرة شفتيني فيها، كنت لسه بطبخ في مطعم صغير في وسط البلد.»
نظرت إليه بدهشة.
«إنت صاحب المكان ده؟»
ضحك.
«من حوالي تلات وعشرين سنة.»
نظرت بينهما.
«ماما… إنتِ تعرفيه؟»
لم تجبني فورًا.
كان واضحًا أن هناك قصة قديمة بينهما.
لكنها لم تكن قصة حب، كما تخيلت للحظة.
كانت شيئًا آخر تمامًا.
قال محسن:
«أنا وسمر اشتغلنا مع بعض من أكتر من أربعين سنة، قبل ما إنتِ تتولدي.»
ثم نظر إليها.
«وهي كانت واحدة من أهم الناس في حياتي.»
جلست أمي بصمت.
وبدأ محسن يحكي.
كان وقتها في الثانية والعشرين من عمره.
شابًا فقيرًا، قليل الخبرة، يحلم بأن يصبح طاهيًا، رغم أن أغلب من حوله كانوا يرون أن حلمه أكبر من إمكانياته.
قال:
«كنت بشتغل مع سمر في مطعم صغير. وكنت بجرب وصفات من ورا صاحب المكان بعد ما الزباين تمشي.»
ضحكت أمي.
«وكانت وصفاتك في الأول كارثة.»
«كنت مبتدئ.»
«كنت بتحرق الأكل.»
«بس اتحسنت.»
«بعد وقت طويل.»
ضحك بعض العاملين القريبين منهم.
حتى أمي ابتسمت.
تابع محسن:
«سمر كانت أول واحدة تذوق الأكل اللي بعمله من غير ما تضحك عليّ.»
قالت أمي:
«كنت عارفة إنك هتنجح.»
هز رأسه.
«أنا وقتها ماكنتش مصدق نفسي.»
ثم أخبرني بما حدث.
بعد فترة، تشاجر محسن مع صاحب المطعم بسبب خلاف في العمل، وانتهى الأمر بطرده.
قالت أمي فورًا:
«عشان رميت الطاسة.»
اعترض:
«أنا ما رميتهاش عليه.»
«وقعت جنب رجله.»
«كنت متعصب.»
«وكان تصويبك وحش.»
ضحك الجميع.
ثم عاد محسن إلى الجدية.
«بعد ما اتطردت، سمر هي اللي ساعدتني ألاقي شغل تاني في مطعم أكبر.»
قالت أمي:
«أي حد كان ممكن يساعدك.»
نظر إليها.
«لأ. مش أي حد.»
ثم أكمل:
«أنا ما نسيتش إنها كانت بتقول لي كل يوم إن مكاني في المطبخ.»
سكت للحظة.
«ولما دخلت مدرسة طبخ بعد كده، كنت لسه محتفظ بورقة صغيرة كانت كاتبة فيها: ما تستسلمش.»
نظرت إليه أمي بدهشة.
«لسه محتفظ بيها؟»
ابتسم.
«في مكتبي.»
ثم أضاف:
«بعد سنين، لما فتحت أول مطعم باسمي، كنت عارف إن جزءًا من الفضل يرجع لك.»
كانت عينا أمي قد بدأتا تلمعان بالدموع.
أما المرأة التي أهانتها، فكانت واقفة بجوار طاولتها وقد بدا عليها الضيق.
قالت:
«القصة جميلة، بس أنا همشي.»
التفت إليها محسن.
«طبعًا. الحساب عند الكاشير.»
دفعت المرأة حسابها، وأخذت حقيبتها.
لكن قبل أن تغادر، التفتت إلى أمي.
وقالت:
«برضه أنا شايفة إن الناس ماينفعش تزعل لما حد يقول لها الحقيقة.»
هذه المرة، وقفت أمي.
ولأول مرة منذ سنوات، لم تحاول الانكماش أو الهروب.
نظرت إلى المرأة مباشرة.
وقالت بهدوء:
«إنتِ ماتعرفيش حاجة عن صحتي.»
ردت المرأة:
«أنا شايفة بعيني.»
قالت أمي:







