بعد جوزي ما

جاي هنا؟
أيوه.
وبعد ثواني، ظهر ابني من العربية.
كان واقف بعيد، بيتكلم مع أخو والده.
ولأول مرة من يوم ما تركني في الطريق، شفت على وشه حاجة غير البرود.
الخوف.
قلت
ابني خايف؟
الرجل رد
مش منك.
ثم أشار إلى أخو زوجي.
منه.
بدأت أسمع أصواتهم رغم إنهم كانوا بعيدين.
ابني قال
قلتلك الموضوع انتهى! الورق كله معايا!
أخو والده رد
الورق اللي معاك نسخة.
ابني صمت.
ثم قال بصوت غاضب
مستحيل تكون عارف بالخزنة.
ابتسم الرجل.
أبوك كان عارف إنك هتقول الجملة دي.
شهقت.
الخزنة؟
بصيت للمفتاح اللي في إيدي.
فهمت فجأة إن المفتاح مش لخزنة عادية.
كان مفتاحًا لشيء ابني كان مستعدًا يخاطر بكل شيء عشانه.
وقبل ما أقدر أسأل، ابني رفع عيني ناحية المبنى.
نظر مباشرة إلى النافذة التي أقف خلفها.
ثم قال بصوت مسموع
أمي لو أنتِ سامعاني، لازم تعرفي إن أبويا كذب عليكي.
تجمدت.
أخو والده التفت له بعنف
اسكت!
لكن ابني كمل
هو ما ماتش وهو بريء.
سقطت الورقة من إيدي.
وبدأت أتنفس بصعوبة.
ثم جاء الصوت الذي حطم آخر شيء كنت أصدقه
أبويا كان عارف إن كل ده هيحصل وكان هو اللي بدأه.
نظرت إلى الظرف.
ثم إلى المفتاح.
ثم إلى الرجل الواقف خلف الباب.
وفجأة أدركت أنني طوال السنوات الماضية
لم أكن أعرف زوجي كما كنت أعتقد.
لكن قبل ما أفتح الباب، اهتز هاتفي؟
توقفت.
هاتف؟
أنا لم يكن معي هاتف أصلًا.
أخرج الرجل جهازًا صغيرًا من جيبه وقال
ده مش هاتفك.
نظر إلى الشاشة.
ثم شحب وجهه.
في رسالة وصلت من رقم جوزك.
مد لي الجهاز.
وكانت الرسالة قصيرة جدًا
نوال لا تثقي بابني.
ثم وصلت رسالة ثانية بعدها مباشرة
ولا تثقي بأخي.
رفعت عيني إليه.
وقبل أن أنطق
وصلت الرسالة الثالثة.
وكانت هي التي جعلتني أفهم أن الخطر الحقيقي لم يبدأ بعد
الشخص الوحيد اللي تقدري تثقي فيه هو الشخص اللي هيدخل الباب بعد خمس دقايق فضلت أبص للشاشة وأنا مش قادرة أستوعب.
قلت للرجل
مين الشخص اللي جوزي بيتكلم عنه؟
قال
معرفش.
لكن صوته ما كانش مقنع.
قلت له
أنت بتكدب.
وقبل ما يرد، سمعنا خطوات على السلم.
حد كان طالع.
خطوة
ثم خطوة
ثم توقف أمام باب الغرفة.
ابني من الخارج بدأ يخبط بعنف
ماما! افتحي! لازم نتكلم!
لكن الشخص الواقف أمام الباب لم يتحرك.
ثواني صمت.
ثم جاء صوت امرأة
نوال؟
اتجمدت.
صوت أعرفه.
فتحت عيني على اتساعهما.
مستحيل
الرجل بجانبي قال
تعرفيها؟
قلت بصوت منخفض
دي أختي.
لكن أختي كانت تعيش في مدينة أخرى، ولم تكن تعرف شيئًا عن الخزنة أو المؤسسة أو أسرار زوجي.
فتح الباب ببطء.
دخلت أختي وهي تحمل حقيبة سوداء.
نظرت إليّ طويلًا، ثم قالت
كنت مستنياكي من سنين.
قلت
مستنياني ليه؟
أغلقت الباب خلفها.
ثم نظرت للرجل الموجود معي وقالت
وإنت لسه بتنفذ وصية فؤاد؟
لم يجب.
اقتربت مني وأمسكت يدي.
نوال، اسمعيني كويس. اللي حصل النهارده مش صدفة.
ابني خدني ورماني في الطريق!
عارفة.
وإنتِ كنتِ عارفة؟
هزت رأسها.
مش كل حاجة لكن فؤاد كان
بيجهزك لليوم ده.
فتحت حقيبتها وأخرجت ملفًا كبيرًا.
وضعته أمامي على الطاولة.
ده ملكك.
فتحت الملف.
كانت هناك عقود.
حسابات.
أوراق ملكية.
وأسماء شركات لم أسمع بها من قبل.
ثم ظهرت ورقة في المنتصف تحمل توقيع زوجي.
لكن تحت توقيعه كان هناك توقيع آخر
توقيعي أنا.
صرخت
أنا ما وقعتش على ده!
أختي قالت
عارفة.
يبقى التوقيع مزور!
قالت
أيوه.
نظرت إليها.
مين زوره؟
قبل أن تجيب، سمعنا صوت زجاج بيتكسر في الطابق السفلي.
ثم صوت ابني
اطلعوا بره! دلوقتي!
أختي أمسكت الملف بسرعة.
لازم نخرج من الباب الخلفي.
لكنني لم أتحرك.
قلت
لا.
نظرت لي باستغراب.
إيه؟
رفعت رأسي.
لأول مرة منذ دفن زوجي، شعرت أن الخوف بدأ يتحول إلى غضب.
قلت
أربع شهور وأنا عايشة في بيتي كأني غريبة.
نوال
النهارده ابني رمّاني في الطريق عشان ياخد اللي مش بتاعه.
أمسكت بالمفتاح.
وأنا مش ههرب تاني.
ثم فتحت الورقة الأخيرة الموجودة داخل الملف.
وكان عليها اسم واحد فقط.
اسم ابني.
لكن بجانبه تاريخ قديم جدًا
تاريخ يعود إلى قبل زواجه، وقبل تأسيس الشركة، وقبل ولادة أول حفيد لي.
وتحت الاسم جملة قصيرة جعلتني أشعر أن الأرض اختفت من تحتي
من هذا التاريخ، أصبح ابني شريكًا سريًا في كل ما أملكه بشرط واحد ألا يعرف الحقيقة قبل وفاة والده.
رفعت عيني إلى أختي.
إيه الحقيقة؟
لكنها لم تجب.
لأن الباب الخارجي انفتح فجأة
ودخل ابني.
وكان في يده الظرف الأصلي الذي كتبه والده.
ابتسم ابتسامة غريبة وقال
خلاص يا أمي
ثم وضع الظرف أمامي.
دلوقتي لازم تعرفي ليه أبويا كان بيخاف مني ابني وقف قدامي، والظرف في إيده، وأنا لأول مرة شفت في عينيه حاجة مختلفة عن الغرور
الخوف.
قال
ماما، قبل ما تحكمي عليّا، اسمعيني.
ضحكت بمرارة
أسمعك؟ بعد ما رميتني في طريق مقطوع؟
خفض عينيه للحظة.
أنا ما كنتش عايز أعمل كده.
صرخت
لكنك عملتها!
سكت.
ثم قال
لأن أبويا كتب في وصيته إنك لو فضلتِ في البيت، حياتك هتكون في خطر.
تجمدت.
أختي نظرت إليه بغضب
كداب.
ابني التفت إليها
وإنتِ عارفة إن ده حقيقي.
ثم فتح الظرف وأخرج ورقة مطوية.
مدها نحوي.
دي آخر رسالة كتبها أبويا قبل ما يموت.
أخذتها.
كان خط زوجي واضحًا.
لكن أول جملة جعلت أصابعي ترتعش
نوال، لو ابنك وصل للمرحلة دي، يبقى أنا فشلت في حمايتك.
توقفت عن القراءة.
فشلت في حمايتي من مين؟
ابني قال
من الناس اللي كانوا بيشتغلوا معاه.
مين؟
لم يجب.
أختي قالت
فؤاد كان داخل في شراكة من سنين، والشراكة دي انتهت بشكل سيئ.
نظرت إليها
إنتِ كنتِ عارفة؟
كنت عارفة جزء.
ابني قاطعها
وأنا كنت عارف أكتر.
نظرت إليه بصدمة.
من إمتى؟
قال
من خمس سنين.
شعرت بصدري يضيق.
يعني كل الفترة دي كنت عارف أسرار عن أبوك وأنا لا؟
هز رأسه.
أيوه.
ثم أضاف
لكني ما كنتش عارف إنه سايب لكِ كل حاجة.
رفعت الملف.
إيه اللي سايبه لي؟
ابتسم ابتسامة حزينة.
مش البيت.
ولا الشركة.
لأ.
ثم أشار إلى المفتاح الصغير في يدي.
الخزنة.
سكت
الجميع.
قلت
وإيه فيها؟
ابني نظر لأخته ثم لأخيه والده.
ثم قال
الدليل الوحيد اللي ممكن يثبت إن أبويا ما ماتش بسبب المرض.
اتسعت عيناي.
يعني إيه؟
قبل أن يرد، انطفأت الكهرباء فجأة.
غرق المكان في الظلام.
سمعت أختي تصرخ
نوال!
ثم صوت ارتطام قوي.
وبعده
صمت.
أشعلت مصباح الهاتف الموجود على الطاولة.
لكن ابني لم يكن أمامي.
ولا الرجل الذي جاء بي إلى المكان.
ولا أخو زوجي.
كلهم اختفوا.
وبقيت أنا وأختي فقط.
نظرت إليها.
هما راحوا فين؟
لم تجب.
كانت تحدق في شيء خلفي.
التفتُّ ببطء.
كانت هناك ورقة جديدة موضوعة على الطاولة.
لم تكن موجودة قبل انقطاع الكهرباء.
اقتربت منها.
وكان مكتوبًا عليها بخط زوجي
نوال، لو وصلتي للمرحلة دي، يبقى لازم تعرفي الحقيقة كاملة لكن قبل ما تفتحي الخزنة، روحي للمقبرة.
وتحتها مباشرة
قبر فؤاد ليس المكان الذي دُفن فيه.
تجمدت مكاني.
قلت بصوت بالكاد خرج مني
إحنا دفناه فين إذن؟
أختي أمسكت بذراعي.
لكن قبل أن تجيب
سمعنا صوت سيارة تتوقف أمام المبنى.
ثم صوت رجل من الخارج يقول
نوال!
كان صوت زوجي.
نفس صوته تمامًا صوت زوجي
نفس النبرة، نفس طريقة نطقه لاسمي، حتى تلك الوقفة القصيرة التي كان يفعلها قبل أن يكمل الجملة.
تسمّرت مكاني.
همست
ده فؤاد.
أختي أمسكت بيدي بقوة وقالت
مستحيل.
لكن الصوت جاء مرة أخرى من الخارج
نوال افتحي الباب.
بدأت دموعي تنزل من غير ما أحس.
اقتربت من الباب خطوة.
أختي صرخت
متفتحيش!
وقفت.
وفجأة سمعت صوتًا آخر من الخارج.
صوت ابني.
ماما، ابعدي عن الباب!
ثم صوت الرجل الآخر
محدش يفتح!
وبعدها حدث شيء أغرب
صمت الجميع.
لا صوت سيارات.
لا خطوات.
ولا حتى حركة.
فتحت أختي الستارة قليلًا ونظرت للخارج.
ثم شهقت.
مفيش حد.
اقتربت منها.
كانت السيارة ما زالت موجودة أمام المبنى
لكنها كانت فارغة تمامًا.
قلت
يبقى مين كان بيناديني؟
لم ترد.
عدت إلى الطاولة وأمسكت بالورقة.
كان هناك شيء لم أنتبه له من قبل.
أسفل الجملة الخاصة بالمقبرة، كان هناك رقم مكتوب بخط صغير
17 4 29
أختي قالت
ده تاريخ؟
هززت رأسي.
مش عارفة.
لكن بمجرد ما شفته، افتكرت حاجة.
قبل وفاة زوجي بأسبوعين، كان واقف في المطبخ وبيكتب أرقام على ورقة.
ولما دخلت عليه، خبّاها بسرعة.
سألته وقتها
بتعمل إيه؟
ضحك وقال
شغل قديم.
لم أفكر في الأمر وقتها.
لكن الآن
فهمت أن الرقم لم يكن تاريخًا.
كان رقم قبر.
أخرجت الورقة القديمة من الملف، وقارنتها بالرقم.
ثم اتسعت عيناي.
المقبرة اللي دفنا فيها فؤاد فيها قطاع 17.
أختي أمسكت رأسها.
نوال إحنا لازم نروح هناك.
خرجنا من المبنى، لكن قبل أن نركب السيارة، لاحظت شيئًا جعلني أتوقف.
على زجاج السيارة كان هناك ظرف أبيض مثبت بمسّاحة الزجاج.
أخذته.
لم يكن عليه اسم.
فتحت الظرف.
في داخله صورة واحدة.
صورة لي وأنا خارجة من جنازة زوجي.
لكن الصورة لم تكن مأخوذة من بعيد.
كانت مأخوذة من داخل المقبرة.
وعلى ظهرها جملة
كنتِ تحت المراقبة
منذ يوم الجنازة.
رفعت عيني لأختي.
مين بيراقبني؟
قالت
الشخص اللي كان متوقع إنك توصلي للحقيقة.
مين؟
قبل أن تجيب، وصلتها رسالة على هاتفها.
قرأت الرسالة، ثم تغيّر وجهها.
ناولَتني الهاتف.
كانت الرسالة من رقم مجهول
لو نوال راحت للمقبرة، خليها تفتح القبر رقم 17 بنفسها لأنها هتلاقي هناك أول دليل على إن فؤاد كان حيًا بعد يوم الجنازة.
شعرت بركبتي تضعف.
حي بعد الجنازة؟
أختي هزت رأسها ببطء.
نوال لو الرسالة دي حقيقية، يبقى إحنا دفنا شخصًا آخر.
ركبنا السيارة.
وطوال الطريق لم نتكلم.
كنت أحاول استيعاب شيء واحد فقط
من الذي دفناه إذن؟
وعندما وصلنا إلى المقبرة، كانت الساعة تقترب من منتصف الليل.
دخلنا بين القبور.
الهواء كان باردًا، والمكان ساكنًا بشكل مخيف.
حتى وصلنا إلى القطاع 17.
وجدت الرقم.
17.
لكن قبل أن نقترب من القبر
سمعنا صوت خطوات خلفنا.
استدرنا.
كان ابني واقفًا على بعد أمتار.
وجهه شاحب.
وقال
ماما متفتحيش القبر.
نظرت إليه.
ليه؟
اقترب خطوة.
لأن اللي جواه
سكت.
قلت
إيه؟
رفع عيني نحوي وقال
مش شخص غريب.
ثم أضاف بصوت مرتجف
ده شخص أنا شفته بعيني قبل ما يموت أبويا تراجعت خطوة وأنا أحدق في ابني.
يعني إيه شفته قبل ما أبوك يموت؟
لم يرد فورًا.
كان ينظر إلى القبر وكأنه يخشى حتى الاقتراب منه.
قلت بغضب
اتكلم!
أخذ نفسًا طويلًا وقال
قبل وفاة أبويا بيومين، شوفته مع واحد من شركائه.
مين؟
الراجل اللي كان واقف عند المؤسسة.
تذكرت الرجل الذي قيل لي إنه أخو زوجي.
لكن ابني هز رأسه.
مش عمه شخص تاني.
أختي اقتربت منه
وإنت كنت عارف كل ده وسايب أمك؟
صرخ
أنا كنت بحاول أحميها!
ضحكت بمرارة
تحميني؟ وإنت رميتني على طريق مقطوع؟
خفض رأسه.
لو كنتِ فضلتي في البيت، كانوا هيأذوكي.
سألته
مين هم؟
رفع عيني وقال
الناس اللي أبويا كان خايف منهم.
ثم أخرج هاتفه.
فتح صورة.
كانت صورة قديمة لزوجي جالسًا في مكتب، وبجواره ثلاثة رجال.
أشرت إلى أحدهم.
ده أخو أبوك.
قال
أيوه.
أشرت إلى الرجل الثاني.
وده شريكه؟
أيوه.
ثم نظرت إلى الرجل الثالث.
تجمدت.
لم أكن أعرفه.
لكن كان هناك شيء في وجهه مألوف جدًا.
قلت
مين ده؟
ابني لم يجب.
أختي اقتربت من الصورة.
ثم وضعت يدها على فمها.
نوال
إيه؟
قالت بصوت منخفض
أنا شفت الراجل ده قبل كده.
فين؟
نظرت إليّ.
في جنازة فؤاد.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
وقبل أن نكمل، سمعنا صوت سيارة يقترب من بوابة المقبرة.
ابني التفت بسرعة.
لازم نمشي.
قلت
لأ.
أمسكت بالمفتاح.
أنا مش ههرب تاني.
اقتربت من القبر.
وضعت يدي على الحجر.
كان اسمي محفورًا على لوحة التعزية بجوار اسم زوجي.
لكن شيئًا صغيرًا لفت انتباهي.
تاريخ الوفاة.
كان مختلفًا عن التاريخ الذي أخبرني به الطبيب.
صرخت
التاريخ ده غلط!
ابني اقترب.
قرأ اللوحة.
ثم تراجع.
مستحيل
قلت
إيه؟
قال
التاريخ ده هو تاريخ اختفاء الشخص اللي في الصورة.
سكت الجميع.
وفجأة وصلتنا رسالة على هاتف ابني.
نظر إليها.
ثم أغلق الشاشة بسرعة.
قلت
مين بعت؟
محدش.
وريني.
رفض.
مددت يدي.
وريني يا ابني.
تردد.
ثم سلّمني الهاتف.
كانت الرسالة من رقم مجهول
خلي أمك تبعد عن القبر وإلا هتعرفوا ليه فؤاد اختار يموت باسمه.
قرأت الرسالة مرتين.
ثم رفعت رأسي.
يعني إيه يموت باسمه؟
ابني قال بصوت خافت
ماما
إيه؟
أبويا كان عنده اسم تاني.
تجمدت.
اسم تاني؟
هز رأسه.
أيوه.
من إمتى؟
من قبل ما تتجوزيه.
شعرت أن كل سنوات زواجي بدأت تتهاوى أمامي.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في الكلمة التالية.
ابني قال
وأنا مش ابنه الوحيد







