منوعات

بعد جوزي ما

فت أمامه وأنا مش قادرة أستوعب الكلمة.
إيه اللي إنت بتقوله ده؟
ابني بلع ريقه وقال
أبويا كان عنده حياة كاملة قبل ما يتجوزك.
قلت بعصبية
ده مش معناه إن عنده ابن تاني!
عنده.
أختي قربت منه
إنت متأكد؟
أخرج من جيبه ورقة مطوية.
دي صورة من شهادة ميلاد.
مدها لي.
فتحتها تحت ضوء هاتفه.
اسم الأب كان اسم زوجي
لكن اسم الأم لم يكن اسمي.
والأغرب أن تاريخ الميلاد كان قبل زواجي بسنوات.
رفعت عيني إليه.
وإنت عرفت إمتى؟
من شهرين.
شهرين؟!
أيوه.
وليه مخبي عليا؟
سكت.
ثم قال
لأن الشخص ده هو اللي كان أبويا بيحاول يحميه.
فين هو؟
ابني نظر ناحية القبر.
معرفش.
قلت
وإنت بتكدب.
والله ما أعرف.
وفجأة سمعنا صوت خطوات تقترب بين القبور.
التفتنا جميعًا.
كان رجل واقف بعيدًا، يحمل مظلة سوداء رغم أن السماء لم تكن تمطر.
قال بصوت هادئ
كفاية.
تراجعت أختي.
أما أنا فثبتُّ مكاني.
الرجل اقترب ببطء.
وعندما أصبح وجهه واضحًا، شعرت أن قلبي توقف.
كان هو
الرجل الثالث الموجود في الصورة.
نظر إليّ وقال
أنا كنت آخر شخص شاف فؤاد حي.
قلت
إنت مين؟
قال
اسمي سامح.
وإنت تعرف جوزي من إمتى؟
ابتسم بحزن.
من قبل ما تعرفيه إنتِ.
ابني صرخ
إنت وعدتني إنك مش هتظهر!
التفت إليه سامح.
وأنا وعدتك إني مش هسيب أمك تموت من غير ما تعرف الحقيقة.
صرخت
الحقيقة إيه؟!
سكت لحظات.
ثم نظر إلى القبر وقال
القبر ده مش قبر فؤاد.
أغمضت عيني.
كنت أتمنى للحظة أن يقول أي شيء آخر.
أي شيء أسهل من هذه الحقيقة.
لكن سامح أضاف
لكن فيه شخص مدفون هنا.
قلت
مين؟
اقترب مني وهمس
الشخص اللي مات عشان فؤاد يقدر يعيش.
تراجعت خطوة.
يعني إيه؟
نظر إلى ابني.
هو عارف.
ابني هز رأسه بسرعة
لا أنا مش عارف كل حاجة.
سامح قال
لكنك عارف مين الشخص اللي دفنتوه.
ابني بدأ يبكي لأول مرة.
وقال
أنا كنت فاكر إنه أبويا.
سكتنا جميعًا.
ثم قال بصوت مكسور
يوم الجنازة لما شفت وشه، حسيت إن فيه حاجة غلط.
نظرت إليه.
وإنت سكت؟
لأن أبويا كان سايبلي رسالة وقال لي لو حصل لي حاجة، صدق إنني مت حتى لو شككت.
أخرج سامح شيئًا من جيبه.
كان مفتاحًا آخر.
وضعه في يدي.
المفتاح ده يفتح الخزنة.
نظرت إليه.
خزنة إيه؟
قال
خزنة فيها كل شيء.
ثم اقترب مني أكثر وقال
أسماء الناس اللي شاركوا في الخطة
وسكت لحظة.
والدليل على إن زوجك كان حيًا بعد الجنازة.
تجمدت.
بعد الجنازة؟
هز رأسه.
أيوه.
ثم أضاف
وفؤاد كان عارف إنك هتوصلي للخزنة في الليلة دي تحديدًا.
نظرت إلى أختي.
ثم إلى ابني.
ثم إلى القبر.
لكن قبل أن نتحرك، أضاء هاتف سامح.
وصلته رسالة.
قرأها، ثم رفع عيني نحوي.
كان وجهه قد تغير تمامًا.
قال
متأخرين.
ليه؟
أراني الشاشة.
كانت الرسالة قصيرة
الخزنة اتفتحت.
ثم وصلت رسالة ثانية فورًا
والشخص اللي فتحها مش واحد منكم حدقت في الشاشة، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
قلت
يعني
إيه الخزنة اتفتحت؟ مين فتحها؟
سامح لم يجب.
كان ينظر إلى ابني.
وابني كان ينظر إلى أختي.
وفجأة فهمت أن كل واحد منهم يخفي شيئًا.
قلت بصوت حاسم
كفاية أسرار. من النهارده محدش هيخبي عني حاجة.
سامح أخرج مفتاحًا صغيرًا آخر من جيبه.
الخزنة موجودة في مكان محدش يعرفه غير فؤاد وثلاثة أشخاص.
مين؟
قال
أنا أخوه وشخص رابع.
مين الشخص الرابع؟
نظر إلى ابني.
ابنك.
التفتُّ إليه.
إنت كنت تعرف مكان الخزنة؟
ابني هز رأسه.
أبويا أخدني ليها مرة واحدة وأنا عندي خمسة وعشرين سنة.
وليه؟
قال لي وقتها لو حصل لي حاجة، متفتحهاش إلا لما أمك تكون في خطر.
سكت.
ثم قال
وأنا افتكرت إن ده مجرد احتياط.
صرخت
وإمتى فتحتها؟
نظر إلى الأرض.
أنا ما فتحتهاش.
سامح قاطعه
لكن حد استخدم المفتاح الخاص بيك.
أخرج ابني سلسلة من رقبته.
كان فيها مفتاح صغير.
لم يكن موجودًا.
المفتاح اختفى من عندي من أسبوع.
نظرت إليه.
أسبوع؟
أيوه.
ثم ساد صمت ثقيل.
وفجأة جاء صوت من خلفنا
لأن الشخص اللي أخده كان موجودًا معاكم من البداية.
استدرنا جميعًا.
كانت أختي.
لكنها لم تكن تتحدث إلينا.
كانت تنظر إلى سامح.
اقتربت منه وقالت
صح؟
سامح ظل صامتًا.
قلت
أختي، إنتِ عارفة حاجة؟
نظرت إليّ بعينين ممتلئتين بالدموع.
أنا كنت بحاول أحميكي.
من مين؟
قالت
من الحقيقة.
ثم أخرجت من حقيبتها صورة قديمة.
ناولتها لي.
كانت صورة لي أنا وزوجي في أول سنة زواج.
لكن خلفنا، عند باب المنزل، كان يقف رجل صغير السن.
نظرت إلى الصورة طويلًا.
ثم شهقت.
ده
كان سامح.
لكن الصورة عمرها أكثر من ثلاثين سنة.
رفعت عيني إليه.
إنت كنت تعرفني قبل جوازي من فؤاد؟
قال
أيوه.
وإزاي؟
تنهد.
لأن فؤاد لم يكن أول شخص في حياتك عرفته.
تجمدت.
ثم أكمل بسرعة
مش بالطريقة اللي بتفكري فيها.
أمال إيه؟
أنا كنت أعمل مع والدك.
سكتُّ.
والدي كان قد توفي منذ سنوات طويلة.
لكن سامح أخرج ورقة أخرى.
والدك ترك لي رسالة قبل وفاته.
فتحتها.
وكان أول سطر
لو فؤاد مات قبلي، احمِ نوال من أولادها.
رفعت رأسي ببطء.
أبويا كان عارف؟
كان عارف إن فؤاد مخبي حاجة كبيرة.
ثم أشار إلى القبر.
لكن محدش كان يعرف إن فؤاد وصل لمرحلة إنه يزوّر موته.
قلت
ليه يزوّر موته؟
سامح قال
لأنه اكتشف إن واحدًا من أقرب الناس ليه كان بيخطط لقتله.
نظرت إلى ابني.
ثم أختي.
ثم سامح.
وقلت
مين؟
لم يجب أحد.
وفجأة
جاء صوت هاتف من داخل حقيبتي.
تجمدت.
أنا متأكدة أنني لم أكن أملك هاتفًا عندما تركني ابني في الطريق.
فتحت الحقيبة ببطء.
كان هناك هاتف أسود صغير.
وشاشته مضاءة.
مكالمة واردة.
الاسم الظاهر على الشاشة كان
فؤاد.
رفعت الهاتف إلى أذني.
لم أتكلم.
وجاءني صوته
هادئًا.
واضحًا.
وحقيقيًا.
قال
نوال
تجمدت دموعي على وجهي.
ثم قال
لو سامح وصل لك، يبقى الخطة اتغيرت.
قلت بصوت مرتجف
إنت فين؟
صمت ثانيتين.
ثم
قال
أنا قريب منك جدًا.
رفعت عيني ونظرت حولي بين القبور.
ثم جاء صوته مرة أخرى
لكن قبل ما تشوفيني
توقف.
لازم تعرفي مين اللي خانني.
وفجأة انقطع الاتصال.
وفي اللحظة نفسها، أضاءت شاشة الهاتف برسالة جديدة
ابعدي عن سامح.
ثم وصلت رسالة ثانية
هو مش الشخص اللي قال لك إنه عليه.
رفعت عيني إلى سامح
وكان ينظر إلى الهاتف في يدي.
لكن ملامحه لم تكن ملامح شخص مصدوم.
كانت ملامح شخص
كان ينتظر هذه الرسالة ثبتُّ عيني على سامح، وقلت بصوت مرتجف
إنت كنت مستني الرسالة دي؟
لم يجب.
خطوة واحدة للخلف كانت كفاية تخلي ابني يقف بيني وبينه.
سامح قال بهدوء
نوال، اسمعيني قبل ما تحكمي.
أسمعك إيه؟ جوزي اتصل بيا وقال أبعد عنك!
لأن فؤاد مش عايزك تثقي في حد بسهولة.
قلت
طب ليه الرسالة قالت اسمك أنت؟
تنهد سامح.
لأن الشخص اللي معاه الهاتف مش فؤاد.
تجمدت.
يعني إيه؟
أشار للهاتف.
الرقم ممكن يتزوّر. الصوت ممكن يتسجل. لكن فيه حاجة واحدة مستحيل تتزوّر
أخرج من جيبه ورقة صغيرة.
خط فؤاد الحقيقي.
مدها لي.
كانت الورقة تحمل جملة قصيرة
لو سمعتِ صوتي من أي هاتف بعد وفاتي، لا تصدقيه.
شعرت أن الأرض تميد بي.
بس إنت قلت إنه حي!
قال
قلت إن فيه دليل إنه كان حيًا بعد الجنازة. ما قلتش إنه حي دلوقتي.
ابني قاطعنا
يبقى مين اللي بيتحكم في كل ده؟
لم يجب سامح.
وفي نفس اللحظة، سمعنا صوت سيارة تقترب من بوابة المقبرة.
هذه المرة لم تكن سيارة واحدة.
كان هناك ثلاث سيارات.
أضواؤها انطفأت دفعة واحدة.
ثم نزل منها عدة أشخاص.
أختي أمسكت بذراعي
لازم نمشي.
لكن سامح قال
فات الأوان.
أحد الرجال بدأ يقترب منا.
وكان يحمل شيئًا في يده.
وعندما اقترب أكثر، اتضح أنه صندوق معدني صغير.
قال
نوال؟
قلت
أيوه.
وضع الصندوق أمامي.
ده من فؤاد.
نظرت إلى سامح.
ثم إلى ابني.
إيه ده؟
الرجل قال
آخر حاجة كان محتفظ بيها قبل ما يختفي.
فتحت الصندوق.
في داخله كانت هناك ساعة زوجي القديمة.
وصورة لنا يوم زواجنا.
وورقة واحدة.
فتحتها.
وكان مكتوبًا
لو وصل الصندوق لنوال، يبقى الشخص الذي أثق به أكثر من الجميع مات.
شهقت.
وتحت الجملة كان اسم واحد.
اسم أختي.
رفعت رأسي إليها.
كانت تبكي.
قلت
إنتِ؟
هزت رأسها بسرعة
والله ما عملت حاجة!
لكن قبل أن أكمل، قال الرجل
فؤاد كان يعرف إنها هتكون أول شخص تتهميه.
ثم أخرج ورقة ثانية من الصندوق.
وقال
لكن فيه سبب يخليك تشكي فيها.
فتحت الورقة.
وكان فيها سجل تحويلات مالية باسم أختي.
مبالغ ضخمة.
وتواريخ متزامنة مع الأيام التي اختفى فيها زوجي.
نظرت إليها بصدمة.
إنتِ كنتِ بتاخدي فلوس من فؤاد؟
بكت وقالت
أيوه
تراجعت.
ليه؟
مسحت دموعها وقالت
لأنه كان بيديني الفلوس عشان أراقب أولادك.
سكت الجميع.
ثم أضافت
لكنه ما كانش خايف منهم كلهم.
نظرت إليها.
كان خايف من واحد بس.
قلت
مين؟
أختي رفعت عيني ناحية
ابني.
لكن قبل ما تتكلم
ابني قال
أنا.
ثم أخرج من جيبه ورقة قديمة، ومدها لي.
أبويا كتبها قبل وفاته.
أخذتها.
وكان مكتوبًا فيها
نوال، لو ابنك اعترف، لا تصدقي اعترافه كله لأن الحقيقة أسوأ مما تتخيلين.
رفعت عيني إلى ابني.
فقال بصوت مكسور
ماما أنا فعلًا أخفيت عنك حاجة.
إيه؟
اقترب مني.
ثم قال
أنا كنت آخر شخص شاف أبويا حيًا.
سكت لحظة.
وكنت أنا اللي سلمته للشخص اللي قتله على الأقل ده اللي كنت فاكره.
اتسعت عيناي.
لكن قبل أن أستوعب كلامه، جاء صوت من خلف القبور
لا يا بني
تجمدنا جميعًا.
كان صوت رجل مسن.
ثم ظهر شخص من الظلام.
وعندما رأيته
سقطت مني الورقة.
لأن الرجل الذي يقف أمامنا كان يحمل ملامح زوجي
لكن ليس زوجي.
وكان أول شيء قاله
فؤاد ما ماتش.
ثم نظر إليّ مباشرة.
وأنا الوحيد اللي أعرف هو فين الرجل وقف أمامنا، وملامحه كانت قريبة بشكل مخيف من ملامح زوجي، لكن مع سنوات أكثر على وجهه.
قلت بصوت مرتجف
إنت مين؟
قال
اسمي عادل.
ثم نظر إلى ابني وقال
وأبوك طلب مني ما أظهرش قدامك غير لما أمك توصل للحقيقة.
ابني اقترب منه
أنت كنت معاه؟
عادل هز رأسه.
لآخر لحظة.
سألته
فؤاد حي؟
صمت طويل.
ثم قال
كان حيًا بعد الجنازة.
شهقت.
وبعدها؟
نظر إلى الأرض.
هنا لازم تعرفي الحقيقة كاملة.
أخرج من جيبه ملفًا صغيرًا، وقال
فؤاد اكتشف إن الشركة اتعرضت لعملية تلاعب كبيرة. أموال اختفت، عقود اتغيرت، وتوقيعات اتزوّرت.
قلت
مين عمل كده؟
قال
شخص قريب جدًا من العائلة.
نظرت إلى ابني.
ثم إلى أختي.
لكن عادل قال
مش ابنك.
شعرت بالارتباك.
أمال مين؟
فتح الملف.
كان بداخله كشف حساب قديم، وتحت عدة تحويلات توقيع واحد.
توقيع زوجي نفسه.
قلت
دي إمضته.
قال
أيوه.
يعني هو اللي سرق؟
هز رأسه
لا. هو كان بيعمل كده عشان يخفي حاجة أكبر.
قلب الصفحة.
ظهر اسم شركة لم أسمع به من قبل.
ثم قال
الشركة دي كانت بتشتري أسهم من شركتكم بشكل سري.
سألته
ومين مالكها؟
عادل لم يجب.
بدلًا من ذلك، أخرج صورة.
في الصورة كان زوجي يقف بجوار رجل آخر.
رفعت الصورة أمام عيني.
وتعرفت على الرجل فورًا.
كان طبيب زوجي.
الطبيب الذي أعلن وفاته.
تراجعت خطوة.
هو؟
قال عادل
أيوه.
يعني الطبيب كان شريكًا؟
أكتر من شريك.
ثم نظر إلى ابني.
هو الشخص اللي ساعد فؤاد يختفي.
ابني صرخ
ليه؟
عادل قال
لأن فؤاد كان متأكد إن محاولة قتله جاية من داخل بيته.
نظرت إلى ابني.
منك؟
هز رأسه بسرعة
لا يا أمي.
لكن عادل قال
مش منه.
ثم سكت لحظة.
من شخص ما خطرش على بالك أبدًا.
شعرت بالخوف.
مين؟
أخرج عادل آخر ورقة.
كانت عبارة عن صورة من وصية قديمة.
لكن المفاجأة لم تكن في الوصية.
كانت في الاسم المكتوب في آخر الصفحة.
اسمي أنا.
قلت
أنا؟
قال
أيوه.
إيه اللي أنا عملته؟
اقترب عادل وقال
فؤاد كتب كل شيء باسمك قبل وفاته
ثم توقف.
لكن المشكلة إن حد زور
توقيعك بعد موته وحاول ينقل الملكية ك

 

مقالات ذات صلة
الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى