منوعات

ست حامل كانت عايشة في كوخ

اللنشات لفت بسرعة وربطت الشبكة فيها، وبدأت تتحرك بأقصى سرعة مبتعدة عن الشط، وسايبة وراها رغوة بيضا والماية بتقلب بعنف. البنت فضلت باصة لأمها من جوه الشبكة وهي متعلّقة في الهواء، عينيها الزرقا الغامقة بتلمع وسط الظلام ودموعها نازلة بتغرق البحر بلؤلؤ جديد مالوش قيمة في اللحظة دي.
مريم وقعت على ركبها في الماية على الشط، الموج بيخبط في صدرها وهي حاطة إيدها على قلبها اللي كان هيقف من الصدمة.
الصوت بدأ يختفي بالتدريج… المواتير بعدت، والكشافات اختفت في أفق البحر، والهدوء المرعب نزل تاني على المكان. ما فضليش غير صوت الموج الخفيف، والكوخ الخشب اللي طفي نوره، وحبات اللؤلؤ اللي طايفة على وش الماية قدام عينين مريم.

رفعت رأسها للبحر الواسع، وعينيها المليانة دموع تحولت في ثانية لنظرة غضب وشرار ناكب. مسحت الدم اللي نزل من شفتها بإيد بتترعش، وقامت وقفت على حيلها بالعافية وهي بتتنفس بصعوبة وقالت بصوت متبحوح بس مليان حديد:
— والله ما هسيبك… لو هقلب البحر والبر عشان أرجعك.
مريم ما استنّتش ثانية واحدة. جمعت حبات اللؤلؤ اللي كانت طايفة على الماية بجمود، حطتهم في جيبها، ومشيت بخطوات سريعة ووشها مقسوم بين الدم اللي ناشف على شفتها ونار الانتقام اللي بتولع في عينها. كانت ماشية في شوارع البلد الضيقة والليل كاحل، ومحدش من الناس القليلة اللي صاحيين قدر يبص في وشها من كتر الرعب اللي كان باين عليه.
وصلت قدام دكان الجواهرجي. النور الخفيف كان لسه منوّر من تحت الباب الصاج المتقفل نص قفلة. زقت الباب برجليها بقوة خلّت الصاج يترج ويعمل صوت يرعب المكان.

الراجل كان قاعد ورا مكتبه الخشب بيعد في رزم فلوس قدامه، وأول ما رفع راسه وشاف مريم، الفلوس وقعت من إيده ووشه اتخطف وبقى لون الورق. رجع بكرسيه لورا برعب وهو بيترعش:
— أنتِ… أنتِ جيتي هنا إزاي؟ هم قالوا لي إنهم…
مريم ما إدتلوش فرصة يكمل. جرت عليه ومسكته من رقابيه، نزلت بيه على الأرض وشدت ا الصغيرة اللي كانت على مكتبه وحطت سنّها على رقبته مباشرة. عينها كانت جاحظة وصوتها طالع زي حشرجة الموت:
— ودوها فين؟ نطقك قبل ما أذبحك كأنك فرخة!
الجواهرجي بلع ريقه بالعافية، والدموع نزلت من عينيه وهو حاسس بسن بياكل في جلده:
— والله ما أعرف أساميهم! واحد بيه كبير هو اللي دفع لي عشان أبلغ عن أي حد معاه لؤلؤ نقي زي ده… هو اللي بعتهم!
— فين؟! اتكلم يا خاين بدال ما أنهي حياتك هنا!

مقالات ذات صلة

— في اليخت الكبيرة… اليخت الأسود الـمخطوف في المينا القديمة عند طرف الجبل! طالعين بيها الفجر على بره… عشان يبيعوها في السوق السودا للخلجان! والله ما ليا دعوة يا مريم، خدوا مني الميعاد والمكان ومشيوا!
مريم زقته بقوة لورا، راسه خبطت في الخزنة الحديد  غرقان في دمه. أخدت رزمة الفلوس اللي كانت على المكتب ورزعتها في جيبها، وخرجت تجري في الشوارع الفاضية زي الريح.
الساعة كانت قربت على أربعة الصبح. المينا القديمة كانت مهجورة، حيطانها متكسرة وميتها غويطة وساكنة. مريم كانت واقفة ورا صخرة كبيرة بتتفقد المكان بنظرات ذئبة بتدور على ابنها.
فعلاً، على بعد أمتار في الماية الغريقة، كان فيه يخت ضخم أسود مالوش معالم، نوره مطفي تقريباً، وصوت المواتير بتاعته بدأ يشتغل بنغمة واطية بتستعد للرحيل. وعلى ظهر اليخت، كان فيه حراس بس/لاح واقفين، وفي النص… قفص حديد تقيل مربوط بسلاسل نازل لنص الماية عشان بنتها تفضل حية بس متقدرش تهرب.

مريم سمعت صوت بنتها الضعيف وهي بتصرخ مكتوم من جوه الماية. الماية المالح والدموع كانوا مالين القفص.
مريم خلعت جزمتها التقيلة، وثبتت الس/كينة اللي أخدتها من الجواهرجي في حزامها. أخدت نفس عميق، وغمضت عينها لحظة… ورزعت جسمها في الماية الثلج من غير ما تعمل أي صوت.
غاصت تحت الماية، ودراعها بيفلق الموج بمهارة ست عاشت عمرها كله قصاد البحر. الماية كانت ضلمة وساقعة، بس نار قلبها كانت مقوياها. قربت من القفص الحديدي من تحت الماية، ولما رفعت راسها براحة عشان تاخد نفسها، البنت حسّت بيها وفجأة عينها الزرقا فتحت على وسعها جوه الماية وابتسمت وسط دموعها.
مريم حطت صباعها على شفايفها عشان البنت تسكت وما تعملش صوت، وسحبت الس/كينة من حزامها وبدأت تدور على أي قفل أو فتحة تخلص بيها بنتها قبل ما اليخت يتحرك ويرميها في غيابات البحر.
مريم حطت الس/كينة في القفل الحديد وحاولت تعتله بكل قوتها، بس القفل كان ضخم ومصفح.. السك/ينة اتتنت في إيدها وكانت هتتكسر. عروق إيدها برزت والماية المثلجة بتقطع في نفسها، والأسوأ إن صوت المواتير اتغير وفجأة اليخت بدأ يتحرك ببطء، والقفص بدأ يترج ويسحب البنت معاه في العمق.

البنت صرخت تحت الماية صرخة مكتومة، وحبابات الهواء طالعة من بؤها. مريم كانت هتتجنن، طلعت براسها فوق الماية براحة وسحبت نفس وطلعت على السلسلة الحديد التقيلة اللي ماسكة القفل بتمشي جنب جسم اليخت الماشي.
طلعت حافية وبكل حذر على ظهر اليخت من ورا، والضلمة كانت مخبية جسمها المبلول. حارس من الحراس كان واقف مديها ضهره، ماسك س/لاحه وبيتكلم في التليفون:
— تمام يا بيه، الكنز في الماية والأم أكلت علقة وتم التخلص منها.. طالعين على المياه الدولية حالا.
مريم من غير ما تفكر، عينيها احمرت من الغضب. تسحبت من وراه وزي اللبؤة اللي بتدافع عن جبلها، حطت دراعها حوالين رقبته بكل قوتها وشدته لورا في زاوية الضلمة قبل ما يطلع صوت. الراجل رفص برجله وبيحاول يتنفس، بس مريم كانت بتضغط بكل غلها لحد ما جسمه ارخى واستسلم تماماً.

سحبت حزمة المفاتيح اللي في حزامه، وجريت على طرف اليخت. بس قبل ما تنط، صوت ضحكة خبيثة طلع من وراها:
— كنت عارف إنك مش هتعدي الليلة دي بسلام يا مريم.
لفت مريم بسرعة.. كان راجل طويل ببدلة سودا وشعر أبيض، واقف ومصوب ه على دماغها مباشرة، وتحت في الماية القفص كان بيتهز بشدة والبنت بدأت تضرب بديلها بجنون في حديد القفص. الماية حولين اليخت بدأت تغلي وتعمل دوامات مش طبيعية.. البحر كان بيتفاعل مع خوف وصريخ البنت!
الراجل ابتسم بشر وقال:
— نطي في الماية وغوري من هنا وسيبلي البت.. أو أفرغ الخزنة دي في دماغك وأخدهم الاتنين!
مريم بصتله بنظرة مفيهاش أي خوف، وقالت وهي بتنهد بصوت مرعب:
— أنت مش عارف البحر لما يغضب بيعمل إيه.. ولا تعرف الأم لما بنتها تتاخد منها بتتحول لإيه!
وفجأة.. موجة ضخمة جداً، أطول من اليخت نفسه، طلعت من العدم وضربت جانب اليخت بقوة زلزلت المكان كله. الراجل فقد توازنه وطار  من إيده وهو بيصرخ ووقع على ظهر اليخت.

مريم ما ضيعتش ثانية.. حطت المفاتيح في بؤها ونطت في قلب الموجة الثلج. غاصت للعمق ووصلت للقفص اللي كان بيتهز وسط الدوامة. حطت المفتاح في القفل بكل سرعة، وبدورة واحدة.. القفل اتفتح!
باب القفص اتفتح، والبنت خرجت تجري في الماية وسحبت أمها في حضنها بكل قوتها. اليخت كان بيتقلب ويميل بسبب الأمواج اللي البنت أحرقتها بغضبها.
مريم مسكت وش بنتها بطفولتها الحزينة، حطت شفايفها على قورتها تحت الماية، وبصت في عينها الزرقا الغامقة. كانت عارفة إن دي النهاية.. إن البر خلاص مبقاش أمان، وأن بنتها مكانها الوحيد هو الأزرق الكبير.
طلعت بوشها فوق الماية مع بنتها ورا صخرة بعيدة، وقالت وهي بتبكي وبتلهث:

— أمشي يا بنتي.. انزلي للعمق ومترجعيش للشط تاني.. السر انكشف والبر فيه ديابة مش هيرحموكي.
البنت مسكت في دراع مريم ودموعها بتنزل لؤلؤ بيغرق في الماية، ونطقت بصوت طفولي بريء:
— تعالي معايا يا ماما.. تعالي معايا تحت الماية.
مريم ابتسمت بوجع وحضنتها أخير حضن:
— أنا بشرية يا روح قلب ماما.. مش هقدر أعيش تحت.. بس بوعدك، كل يوم بالليل، هقف على الصخرة دي، وأرميلك سمك، وأسمع صوتك في الموج. أمشي يالا قبل ما يقوموا!
البنت صرخت بصوت خفيف، ودربت بديلها الذهبي اللامع الماية، وغاصت في الأعماق بسرعة البرق.. اختفت جوه البحر الأزرق الواسع.

مريم فضلت واقفة في الماية الثلج، بتتفرج على الاتجاه اللي بنتها اختفت فيه، واللؤلؤ بيلمع تحت رجليها في القاع. لفت ضهرها للمينا وهي بتتوعد كل حد حاول يؤذي بنتها، وعارفة إن حياتها من النهاردة مش هتكون غير حراسة لسر البحر الكبير.
طلعت مريم من الماية المثلجة، رجليها بتشر دم من الصخور الحادة، وجسمها كله بيترعش من البرد والتعب. كانت حاطة إيدها على خصرها بتمشي بالعافية، وعينها مش مفارقة أفق البحر اللي ابتلع بنتها خلاص.
بس وهي بتحط أول خطوة على الرملة الناشفة، كشافات العربيات العالية ضربت فجأة في وشها، ونور أبيض عمي عينيها.
صوت فخيم ومغرو طلع من ورا الكشافات، صوت البيه الكبير نفسه اللي كان على اليخت:
— فاكرة إن اللعبة خلصت يا مريم؟
مريم ضيقت عينها وشافت تلات رجالة نازلين من عربية جيب كبيرة، والراجل أطولهم كان ضارب شاش على راسه من أثر الموجة اللي ضربت اليخت، ومطواة بلمعة الفضة في إيده.

وقف قدامها على بعد أمتار، وابتسم ابتسامة خبيثة كشفت عن أسنانه:
— البحر واسع أوي.. وإحنا صعب نلف ورا حورية في المحيط. بس البحر علّمنا حاجة مهمة جداً.. السمكة مهما غاصت، بتلعب على المايّة اللي فيها الطعم. وأنتِ الطعم يا مريم.
مريم ما هربتش.. ما رجعتش خطوة واحدة لورا. مسحت الدم من على وشها وبصتله بنظرة أبرد من الماية اللي كانت طالعة منها:
— عايز إيه يا زبالة؟
الراجل قرب منها ببطء، والرجالة التانيين حاصروها من الجنبين:

— هنربطك هنا.. على نفس الصخرة دي. في الشمس وفي المطر. وهنخليكي تصرخي بليلك ونهارك.. وبنتك لما تسمع صوت أمها وهي بتتعدب، هترجع زاحفة من أعمق نقطة في البحر عشان تنقذك. ساعتها هناخدها.. وأنتِ ترمي عضمك للغزلان هنا.
مريم ضحكت.. ضحكة واطية ومجنونة هزت المكان، وخلت الرجالة يتبادلوا نظرات قلق من غير ما يقصدوا.
— أنت فاكر نفسك عارف البحر؟ — مريم قالتها بصوت واطي وهي بتتحرك خطوة ببطء لورا ناحيه المنطقة الصخرية الغريقة اللي ماحدش يعرف سرها غيرها — أنت فاكر إنك عشان معاك فلوس تبقى ملكت الماية؟
— اتمسكي يا روح أمك من غير كلام كتير! — واحد من الحراس هجم عليها بكل تقله.
في ثانية، مريم اتفادت الحركة بمهارة ست حافظة تضاريس الشط شبر شبر. الراجل داست رجله على صخرة مليانة طحالب زلقة، اتكعبل وطار جسمه في حفرة غريقة بين الصخور الصفيحة، الماية هناك كانت بتشفط أي حاجة والحدود الحادة للصخور قطعت هدومه وجسمه، وصراخه ملا المكان وهو بيتسحب لجوه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى