قصص و روايات

انا بشتغل مدرس

أول ما القاضي نادى على القضية: “قضية رقم 4580.. شيماء ضد إبراهيم”، وقفت قدام منصة القضاء، وبصيت للقاضي بثبات، وأنا عارفة إن ده مش النهاية.. دي مجرد خطوة في طريق طويل هسحب فيه منه كل حجر بنيته بعرقي، لحد ما يرجع زي ما بدأ.. ملهوش غير هدومه اللي عليه.

القاضي بص في الأوراق، وبعدين بص لإبراهيم وقال بصوت جهوري هز القاعة: “أين المتهم والأوراق الدالة على مصدر أموال العقار؟”

إبراهيم قام وقف ورجليه بتخبط في بعضها، ومش عارف ينطق كلمة واحدة.. وهنا عرفت إن حق السنين اللي فاتت بدأ يرجع، طوبة طوبة.

مقالات ذات صلة

الجزء الثالث
وقف إبراهيم أمام القاضي ولسانه معقود، يحاول أن يفرك يديه المحمرتين متلعثماً: “يا سيادة القاضي.. دي مراتي، والفلوس دي كانت شراكة ومساعدة بين الزوجين، وأنا اللي أشرفت على المباني وتابعت المقاولين خطوة بخطوة!”.

قفز الأستاذ مصطفى المحامي من مقعده بثقة ووقف أمام المنصة: “بطلان وافتراء يا سيادة القاضي! أقدم لسيادتكم كشف حساب بنكي موثق بالختم الحي من بنك دبي الوطني وشركة الإمارات للصرافة، يثبت أن موكلتي المدام شيماء كانت تحول المبالغ شهرياً بحساب المدعى عليه، مرفقاً بها الغرض الصريح للتحويل: (شراء واستكمال عقار وتجهيز السكن). كما أقدم تسجيلاً بالصوت والصورة، ورسائل نصية يتعهد فيها المدعى عليه صراحةً بأن التسجيل باسمه في الشهر العقاري هو مجرد إجراء إداري مؤقت لعدم وجود الزوجة داخل البلاد، وأنه وكيل عنها فقط!”.

رفع القاضي نظارته، وطالع المستندات بدقة شديدة، ثم نظر إلى إبراهيم بنظرة صارمة جعلت فرائص الأخير ترتعد. ضرب القاضي بمطرقته على الطاولة وقال بصوت هز جنبات القاعة:

“قررت المحكمة: أولاً، استمرار حظر التصرف والتحفظ على العقار رقم 42 وكافة ملحقاته. ثانياً، التحفظ على المركبة ذات الرقم الموضح بالأوراق. ثالثاً، إحالة الدعوى للخبراء لتحديد قيمة المبالغ المحولة ومطابقتها بتاريخ شراء الأرض ومواد البناء، مع إلزام المدعى عليه بتقديم كشف حساب تفصيلي عن أوجه الصرف خلال أسبوعين!”.

خرجت من قاعة المحكمة وأنا أمشي بخطوات ثابتة، بينما كان إبراهيم يركض خلف الأستاذ مصطفى في الممر، يترجاه بصوت مخنوق ومكسور: “يا أستاذ مصطفى.. الله يخليك دخل خير بيني وبين مراتي، أنا مستعد أكتب لها نصف العمارة والشقة الكبيرة، بس ترفع التحفظ! المقاولين رفعوا عليا وصولات أمانة والشرطة بتدور عليا، وبوسي سابت البيت وراحت بيت أهلها ورفعت عليا قضية نفقة وقايمة!”.

التفتّ إليه بثبات، وبصيت في عينيه بثقة وقلت له: “نصف العمارة؟ أنت لسة فاكر إنك في موضع تفاوض يا إبراهيم؟ العمارة دي كلها من طوبتها الأولى لأخر سيخ حديد فيها اتصبت بدم قلبي. وأنت مش هتاخد منها ولا مسمار. والقضايا اللي رفعاها بوسي دي أول الغيث.. وريني بقى هتصرف عليها وعلى ابنك منين وأنت حساباتك كلها متجمدة ومعدش حيلتك ملط!”.

خلال الأسابيع التالية، بدأت الدائرة تدور على إبراهيم بطريقة أسرع مما توقعت. التضييق القانوني شل حركته تماماً؛ المقاولون الذين كان يتفاخر أمامهم بالعمارة والمال توقفوا عن العمل وطالبوه بمستحقاتهم، وعندما عجز عن الدفع، حرروا ضده بلاغات بتهمة النصب وإعطاء شيكات بدون رصيد. أما بوسي، الزوجة الجديدة التي طردتني يوم عودتي، فلم تتحمل البقاء معه شهراً واحداً بعدما أدركت أن العز المزيّف قد انهار، فجمعت أثاثها وغادرت إلى بيت أهليها ورفعت عليه قضايا حبس ونفقة.

في يوم الأحد، وردني اتصال من أخويا أحمد: “شيماء.. إبراهيم واقف تحت بيت أبونا في الشارع، قاعد على الرصيف ورافض يمشي وبيعيط قدام الناس عاوز يقابلك!”.

نزلت له رفقة أخويا. كان منظره يثير الشفقة والاشمئزاز في آن واحد؛ قميصه مجعد، وشاحب الوجه، والغرور الذي كان يملأ عينيه يوم رمى شنطي على السلم تحول إلى انكسار كامل.

أول ما شافني، قام وقف وحاول يقرب: “شيماء.. أرجوكِ ارحميني! أنا اتفضحت في المنطقة كلها، والمحكمة عينت خبير ونزل كشف على العمارة والعربية، والبنوك رفضت تتديني جنيه. بوسي سابتني ورفعت عليا قضايا، والمقاولين جابولي الشرطة للبيت! أنا ضعت يا شيماء.. افتكري إننا كنا أزواج، وافتكري الأيام الحلوة اللي كانت بيننا!”.

رديت عليه بصوت هادي كالثلج: “الأيام الحلوة أنت قتلتها يوم ما بعتني وأنا في الغربة أطحن نفسي عشان أأمن مستقبلك. يوم ما قفلت الباب في وشي ورميت شنطي على السلم وقلت لي مالكيش هنا ولا طوبة! فاكر لما قلت لي: (بوسي هي ست البيت الجديدة)؟ أهي سابتلك البيت فاضي وراحت تجيب لك الشرطة. أنت أكلت الحرام يا إبراهيم، والحرام ما بيبنيش بيوت.. الحرام بيهد صاحبها”.

“طب عاوزة إيه وتنازلي؟ أكتب لك العمارة كلها وأطلق بوسي وارجع لك خدام تحت رجلي؟”

ابتسمت ابتسامة هادية وقلت له: “ترجع لي؟ أنا نفسي عافت مجرد سماع اسمك. العمارة هتاخدها بالقانون وبحكم المحكمة، مش بجميلة منك. والعربية هتتنسحب وتتباع في المزاد لحسابي. وأنت؟ أنت هتفضل تلف على المحاكم تسدد قضايا النصب وخيانة الأمانة اللي عملتها.. وده مش انتقام، ده مجرد العدل اللي ربنا كتبه عليك”.

تركته جالساً على الرصيف يستجديني، وصعدت إلى بيتنا وأنا أشعر بأن كرامتي وشغفي للحياة يعودان إليّ رويداً رويداً.

الجزء الرابع
بعد شهرين كاملين من التحقيقات والمعاينات الميدانية من خبراء وزارة العدل، صدر تقرير الخبير المالي حاسماً ومدمراً لإبراهيم: أثبت التقرير أن كافة أموال شراء الأرض وتشييد العقار وشراء السيارة مصدرها الوحيد هو التحويلات المباشرة القادمة من حسابي في الإمارات.

وجاء يوم الجلسة الحاسمة لإشهار بطلان الملكية وإثبات حق الملكية التامة لي. وقفت في قاعة المحكمة، وإبراهيم يقف في قفص الاتهام بعدما تم القبض عليه قبل أيام في إحدى قضايا الشيكات بدون رصيد.

نظر القاضي إلى الحضور، ثم نطق بالبند الأول من الحكم النهائي:
“حكمت المحكمة حضورياً: أولاً، بنقل ملكية العقار رقم 42 بكافة شققه وملحقاته، وكذا السيارة الموضحة بالأوراق، للمدعية شيماء تسجيل نهائي وبطلان كافة التصرفات الصادرة من المدعى عليه إبراهيم…”.

سقطت دمعة واحدة من عيني، لكنها لم تكن دمعة قهر، بل كانت دمعة ارتياح وشفاء. نظرت إلى إبراهيم داخل القفص، كان ينظر إليّ بعينين فارغتين وميتتين، أدرك أخيراً أن اللعبة انتهت، وأن كل ما بناه بالخيانة والنصب قد انهار فوق رأسه.

خرجت من باب المحكمة المرفوعة الرأس، ووجهتي التالية كانت العمارة نفسها.. لكن هذه المرة، لم أكن أحمل الشنط الثقيلة وأبكي على السلم، بل كنت أحمل مفاتيح الملكية الرسمية، لأفتح الباب بنفسي وأطوي هذه الصفحة القاسية من حياتي، وأبدأ من جديد.

رجعت العمارة.. العمارة اللي اتكتبت باسمي بحكم قضائي واجب النفيذ. وقفت قدام البوابة، البواب الجديد اللي كان إبراهيم جايبه عشان يحرمني حتى من طلوع السلم، جالي يجري وهو بيرتعش ويقولي: “حمد الله على السلامة يا ست هانم.. العمارة نورت، والله إحنا كنا عارفين إن الحق معاكِ، والراجل ده كان بياكل حرام!”

بصيت له بنظرة هادية وقلت له: “غير الأقفال دي كلها يا معلم فتحي.. البوابة الرئيسية، وشقة الدور الثاني، وما تسيبش في العمارة حاجة تخصه ولا تخص مراته”.

طلعت الشقة.. الشقة اللي طردوني منها من أربع شهور. فتحت الباب بالمفتاح الجديد، ودخلت. كان المكان ريحته مكسورة، بقايا أكل ناشف، ومكياج مرمية على الأرض تخص “بوسي”، وجلابيات إبراهيم الجديدة معلقة في الدولاب. قعدت على الكنبة اللي اشتريتها من تحويل شهر أغسطس اللي فات.. حطيت إيدي على وشي وبكيت.. بكيت مش حزناً عليه، بكيت على شيماء اللي ضيعت أربع سنين من شبابها في غربة طاحنة، بتصحى الساعة خمسة الصبح تتنقل بين المدارس والدروس، عشان تلم القرش على القرش، وفي الآخر يتقال لها “مالكيش هنا ولا طوبة”.

بس البكاء ده كان أخر نقطة ضعف سمحت لنفسي بيها. مسحت دموعي، وقفت في نص الشقة وقلت بصوت عالي: “اللي اتبنى بالعرق.. هيتحافظ عليه بالعين الحمرا”.

في اليوم التالي، كان الأستاذ مصطفى المحامي قاعد معايا في الصالة ومعانا خبير تثمين ومحضر تنفيذ.

مصطفى حط الملفات قدامي وقال: “يا مدام شيماء، إبراهيم عليه أحكام حظر ونصب في شيكات بدون رصيد للمقاولين، والمبالغ اللي عليه تتجاوز الـ 800 ألف جنيه. ده غير قضايا النفقة والمؤخر اللي رفعاهم عليه مراته الثانية بوسي بعد ما عرفت إن كل حاجة طارت. دلوقتي هو محبوس احتياطياً على ذمة القضايا دي، ومفيش قدامه غير إنه يبيع أي حاجة يملكها عشان يخرج من السجن”.

ابتسمت ابتسامة باردة وقلت له: “وهو يملك إيه يا أستاذ مصطفى؟”

رد المحامي بضحكة مكتومة: “هو بالورق والقانون لا يملك ملبس جسمه! العمارة بتاعتك، العربية اتباعت في المزاد العلني لحسابك وفاءً للتحويلات البنكية، وهو دلوقتي مفلس تماماً. أهله يحاولوا يجمعوا فلوس عشان يفتدوه من قضايا الشيكات، بس المبالغ كبيرة جداً”.

في اللحظة دي، جالي اتصال من رقم أم إبراهيم.. حماتي السابقة، المرأة اللي كانت بتكلمني في دبي وتقولي: “ربنا يخليكي لينا يا شيماء يا بنت الأصول، أنتِ اللي شايلة البيت وست العرايس”.

فتحت الخط وسكت.

جاني صوتها يعلى بالبكاء والنحيب: “شيماء! الحقيني يا بنتي! إبراهيم ابنك وأخوكي محبوس في القسم، المقاولين عاوزين حبسوه ثلاث سنين! ارحميه يا شيماء وتنازلي عن قضايا خيانة الأمانة، خليه يخرج يلم نفسه! والله هو ندمان وبيموت في السجن!”

رديت عليها بصوت هادي وجاف زي الصخر: “ندمان؟ ندمان علشان اتكشف وأتفضحت نذالته ولا ندمان علشان خاني؟ فاكرة يا خالة يوم ما كلمتك من المطار وأنا راجعة، وقلت لك أنا عاملة مفاجأة لإبراهيم، قفلتي السكة في وشي وقلت لي أنتِ في السوق؟ كنتم كلكم عارفين! كلكم كنتم متآمرين عليا وبتشجعوه وياكل شقايا ويعيش بوسي في عز دمي! دلوقتي افتكرتي إن إبراهيم ابني وأخويا؟”

قالت وهي بتشهق: “الشيطان يا بنتي! بوسي وأهلها هما اللي زنوا على دماغه وقالوا له اكتب كل حاجة باسمك عشان تضمن حقك، وهو كان عبيط ومشي وراهم!”

قلت لها بكل حسم: “اللي يمشي ورا شيطانه يتحمل جحيمه يا خالة. ابنك كتب العمارة باسمه والعربية باسمه وقفل الباب في وشي ورمى شنطي على السلم. أنا مش هتنازل عن قضية واحدة.. والقرش اللي أخده مني هيدفعه سنين من عمره جوة السجن. مع السلامة”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى