كنت فاكرة

ماما أكملت
أنا اللي طلبت منها تدخل بيتك فضلت ماسكة الملف وأنا مش قادرة أفتحه.
أحمد أمي اختفت ليه؟
أحمد قرب مني، لكني رجعت خطوة.
المرة دي مش هقبل إنك تخبي عني حاجة.
هز رأسه.
معاكِ حق.
روز وقفت بعيد، وكأنها فهمت إن اللي جاي مش من حقها تسمعه.
فتحت الملف.
أول حاجة لقيتها كانت شهادة قديمة، وبعدها صورة لأمي وهي أصغر بسنين.
ثم ورقة مكتوب عليها بخط أبي
لو وصلت الورقة دي لبنتي، يبقى الشخص اللي كنت خايف منه رجع.
قلبي انقبض.
كملت القراءة.
أنا ما بعتش البيت بإرادتي. اتجبرت أتنازل عنه عشان أحميها.
توقفت.
بصيت لأحمد.
أحمي مين؟
إنتِ.
قلبت الصفحة.
كان فيها عنوان قديم، وتاريخ، ورقم صندوق بريد.
وفي آخرها جملة
والدتها تعرف الحقيقة لكنها اختارت تختفي بدل ما تعرض ابنتها للخطر.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
أمي كانت عايشة؟
أحمد سكت.
مسكته من ذراعه.
كانت عايشة يا أحمد؟
قال بهدوء
آخر معلومة وصلتني عنها إنها كانت عايشة.
قلبي خبط بعنف.
وإنت كنت عارف؟
من فترة.
وكنت ساكت؟
لأن مكنتش متأكد إنها مستعدة ترجع.
قلبت باقي الأوراق بسرعة.
وفي آخر الملف، لقيت ظرف صغير.
كان عليه اسمي.
فتحته.
جواه صورة حديثة جدًا.
امرأة واقفة قدام مكان لم أعرفه.
لكن لما قلبت الصورة
كان مكتوب
لو عايزة تقابلي والدتك، روحي للمكان اللي بدأت منه الحكاية.
وتحتها عنوان.
قرأته مرة.
ثم مرة ثانية.
كان عنوان بيتنا القديم.
المكان نفسه اللي اتباعت ملكيته من سنين.
رفعت عيني لأحمد.
هي هناك؟
قبل ما يرد، موبايل روز رن.
بصت للشاشة، ووشها اتغير.
مين؟
ناولتهولي.
كان رقم مجهول.
فتحت الرسالة.
كانت قصيرة جدًا
متجيبيش أحمد.
وتحتها مباشرة وصلت رسالة ثانية
المرة دي تعالي إنتِ وروز بس.
بصيت لروز.
ثم لأحمد.
دي، فهمت إن الشخص اللي كان بيحاول يوصل للحقيقة
كان لسه بيراقبنا.
لكن السؤال الأخطر كان
ليه طلب مني أروح مع روز تحديدًا؟أول ما سمعت كلام أمي، حسيت إن رجلي مش شايلاني.
ياخدني ليه؟
أمي ما ردتش.
شدت إيدي وقالت
مفيش وقت.
روز جريت ناحية الممر.
الباب الخلفي هنا.
تحركنا بسرعة، لكن قبل ما نوصل للباب، سمعنا صوت ارتطام قوي من الصالة.
حد دخل البيت.
أمي وقفت فجأة.
استنوا.
بصيت لها.
إيه؟
حطت إيدها على فمها، وكأنها بتحاول تسمع.
ثم قالت
هو مش لوحده.
سمعنا صوتين مختلفين بيتكلموا في الخارج.
روز همست
لازم نستخبى.
دخلنا أوضة صغيرة جنب المطبخ، وقفلت روز الباب.
بعد ثواني، صوت خطوات دخلت البيت.
رجل قال
فتشوا كل الأوض.
قلبي كان بيخبط لدرجة إني كنت خايفة يسمعوه.
أمي قربت مني وهمست
مهما حصل متطلعيش.
لكن فجأة
سمعنا صوت مألوف جدًا من الصالة.
سيبوهم.
اتجمدت.
بصيت لأمي.
أحمد؟
أمي ما اتفاجئتش.
بالعكس
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت
كنت عارفة إنه هييجي.
سمعنا أحمد بيقول بصوت حازم
أنا جيت لوحدي. مفيش داعي لأي مشكلة.
الرجل الآخر رد
إنت اتأخرت يا أحمد.
المهم إني وصلت.
سكت الرجل لحظة.
ثم قال
فين البنت؟
قلبي وقع.
أحمد رد
مش هنا.
روز بصتلي، وحطت إيدها على بوقها.
الرجل ضحك.
متكذبش عليا. أنا شوفت عربيتك.
أحمد قال
عربيتي كانت عند البيت القديم قبل كده. مش دليل إنها هنا.
وفجأة سمعنا صوت باب بيتفتح.
ثم خطوات بتقرب.
أمي فتحت درج صغير في الحائط وأخرجت مفتاحًا.
همست
ورا الدولاب فيه ممر قديم.
بصيت لها بدهشة.
ممر؟
أبوكي بناه عشان وقت الخطر.
روز بدأت تزق الدولاب ببطء.
لكن قبل ما يتحرك
سمعنا صوت أحمد
لو هتدوروا على حد، دوروا عليا أنا.
الرجل رد
وإنت مستعد تخاطر بكل ده عشانها؟
ساد الصمت.
ثم قال أحمد
من أول يوم اتجوزتها وأنا عارف إن اليوم ده هييجي.
بصيت لأمي.
يعني أحمد كان عارف؟
أمي هزت رأسها.
كان عارف جزء من الحقيقة.
الدولاب اتحرك أخيرًا.
ظهر خلفه باب صغير.
فتحت أمي الباب، وأشارت لنا بالدخول.
دخلت أنا وروز.
لكن قبل ما أمي تدخل، مسكت إيدي وقالت
مهما سمعتي من أحمد الليلة متصدقيش كل حاجة.
ليه؟
بصتلي بخوف.
لأن فيه شخص واحد بس يعرف الحقيقة كاملة.
مين؟
أمي ما ردتش.
قفلت الباب علينا.
وفي اللحظة نفسها، سمعنا صوت الرجل من الصالة
لقيناهم!
ثم دوّى صوت خطوات سريعة.
وأنا واقفة في الممر المظلم، سمعت أمي تصرخ
أحمد! افتكر وعدك لأبوها!
سكت كل شيء لثوانٍ.
ثم جاء صوت أحمد
الوعد ده هو السبب إني مخبي عنها الحقيقة لحد دلوقتي فضلت واقفة مكاني، مش قادرة أستوعب كلام أمي.
بصيت لروز.
إنتِ كنتِ بتشتغلي عند أمي؟
روز دموعها نزلت.
أنا كنت بنفذ طلبها بس أحمد هو اللي كان بيدفعلي، عشان مايشكش في حاجة.
أمي قربت مني.
أنا كنت محتاجة أعرف إنك بخير من غير ما حد يعرف إني رجعت.
طب ليه؟ ليه كل السنين دي؟
أمي بصت للأرض.
لأن الشخص اللي كان بيهدد أبوكي ما اختفاش.
سألتها
مين؟
لكنها ما جاوبتش.
راحت ناحية خزانة قديمة، وطلعت صندوق معدني صغير.
حطته قدامي.
أبوكي سابلك ده.
فتحته.
جواه مفتاح، وصورة قديمة، وورقة مطوية.
فتحت الورقة.
كان مكتوب
الحقيقة مش في البيت الحقيقة في الشخص اللي وثقتي فيه.
رفعت عيني لأمي.
يعني أحمد؟
هزت راسها بسرعة.
لا.
اتنهدت براحة، لكن أمي كملت
مش معنى كده إنه بريء من كل حاجة.
اتوترت.
عمل إيه؟
أحمد كان بيحاول يحميكي، لكن أخفى عنك حاجات كتير.
روز قالت
والملف؟
أمي بصت لها.
الملف مجرد جزء.
جزء من إيه؟
أمي قربت من الشباك، وبصت للشارع.
من خمس سنين، قبل ما تتجوزي أحمد، وصلني خبر إن حد بيدور على مستند قديم يثبت إن البيت ملك عيلتنا.
ثم التفتت لي.
لكن المستند مش هو أخطر حاجة.
سألتها
أمال إيه؟
أمي فتحت الصندوق مرة تانية.
طلعت منه صورة.
كانت لثلاثة أشخاص واقفين جنب بعض.
أبويا.
وأمي.
ورجل ثالث.
أول ما شفت الرجل، حسيت بقلبي وقف.
ده
أمي قالت
أيوه.
ده الشخص اللي كان بييجي كل أربعاء؟
هزت رأسها.
لأ.
سكتت لحظة.
ثم قالت
ده الشخص اللي كان أبوكي فاكر إنه مات من عشرين سنة.
فجأة، سمعنا صوت عربية بتقف قدام البيت.
روز قربت من الشباك.
وبصت للخارج.
وشها اصفر.
في حد وصل.
أمي قالت بسرعة
لازم نخرج من الباب الخلفي.
لكن قبل ما نتحرك
وصلنا صوت رجل من الخارج
أنا عارف إنكم جوه.
ثم ساد الصمت.
وأمي مسكت إيدي بقوة.
المرة دي هو مش جاي ياخد المستند.
نظرت لها.
أمال جاي ياخد إيه؟
أمي بصتلي في عيني.
جاي ياخدك إنتِ.وقفت في الممر وأنا حابسة أنفاسي.
كلام أحمد خلاني أفهم إن كل اللي حصل ماكانش صدفة.
خرجنا من الممر بعد ما هدأت الأصوات، ولقيت أحمد واقف مع أمي وروز.
الرجل اللي دخل البيت كان في الحقيقة محاميًا موكلًا من الشخص اللي ظهر في الأوراق القديمة، وكان جاي يسترد مستندات ملكية البيت بالقوة بعد ما فشلت كل محاولاته القانونية.
أما الربطات الحمراء، فكانت مجرد طريقة لتمييز المستندات والنسخ اللي كان بيتركها في مكتب أحمد، عشان يعرف إذا كان حد لمسها أو نقلها.
وأما الصور والقوائم اللي لقيتها في المكتب، فكانت جزءًا من توثيق أحمد لكل تحركات الأشخاص اللي كانوا بيراقبوا البيت، مش مراقبتي أنا.
بصيت لأحمد بعتاب.
طب ليه ماقلتليش من الأول؟
قرب مني وقال
لأن أبوكي طلب مني قبل وفاته إني أحميكي من غير ما أعرّضك للخوف، لحد ما أقدر أثبت الحقيقة.
بصيت لأمي.
وإنتِ ليه اختفيتي؟
دموعها نزلت.
كنت خايفة إن وجودي يوصّلهم ليكي. فضلت بعيدة، لكني كنت بتابعك من بعيد.
مسحت دموعي.
وروز؟
روز ابتسمت بحزن.
أمك طلبت مني أدخل حياتك من غير ما تعرفي، عشان أتأكد إن مفيش حد بيستغل ثقتك أو يدخل البيت من غير ما نعرف.
في اليوم التالي، سلّمنا كل المستندات للجهات المختصة، واتثبت إن عقد البيت القديم اتزوّر في محاولة للاستيلاء على جزء من الملكية.
وبعد سنوات من الغياب، رجعت أمي تعيش معايا.
أما أحمد، فطلبت منه وعدًا واحدًا
مفيش أسرار بينا تاني.
ابتسم وقال
ولا سر واحد.
بصيت للبيت اللي قضيت فيه سنين وأنا فاكرة إنه مجرد بيت.
لكنني فهمت أخيرًا
إن بعض البيوت مش بتخبي أسرار عشان تخوف أصحابها.
أحيانًا
بتخبي أسرار عشان تحميهم.
وفي يوم الأربعاء اللي بعده، وصلت روز كعادتها.
لكن المرة دي، ماكانش في إيدها كيس زبالة.
كان في إيدها وردة.
حطتها على ترابيزة المطبخ وقالت وهي بتضحك
خلاص من النهارده مفيش أسرار في الزبالة.
ضحكت لأول مرة من قلبي.
وبصيت ناحية مكتب أحمد.
الباب كان مفتوح.
ولأول مرة منذ شهور
ماحسيتش إني محتاجة أخاف من أي شيء وراءه في النهاية، اتضح إن أحمد ماكانش بيخوني ولا بيخبي علاقة عني.
الحقيقة كانت أخطر وأغرب.
الربطات الحمراء كانت وسيلة لترميز المستندات اللي كان بيجمعها لإثبات إن بيتنا اتعرض لمحاولة تزوير واستيلاء، والشيء اللي كنت فاكرة إنه متعلق بيا شخصيًا كان في الحقيقة نسخة من مفتاح قديم ووثائق تخص ملكية البيت.
أما روز، فكانت متفقة مع أمي من البداية إنها تدخل البيت كعاملة تنظيف عشان تراقب أي شخص غريب يحاول الوصول للأوراق.
وأمي، اللي كنت فاكرة إنها اختفت للأبد، كانت عايشة بعيد عننا لأنها كانت بتحاول تحميني من الشخص اللي كان بيلاحق عيلتنا.
أما أحمد، فكان عارف جزءًا من الحقيقة، لكنه وعد أبي قبل وفاته إنه ما يعرّضنيش للخطر لحد ما يجمع الدليل.
بعد ما اتقدمت المستندات للجهات المختصة، انتهت القضية، ورجع البيت لملكية عيلتنا بشكل قانوني.
وفي اليوم اللي رجعت فيه أمي تعيش معايا، سألت أحمد
ليه ماصارحتنيش من الأول؟
ابتسم وقال
كنت خايف أخسرك لو خفتِ مني أو من اللي حواليكي.
بصيت له وقلت
المرة الجاية، خاف عليّا بالحقيقة مش بالسكوت.
ضحك، ووعدني إنه مش هيخبي عني أي حاجة تاني.
ومن يومها، كل أربعاء بقى مختلف.
روز بتيجي تنظف البيت، وأمي تقعد معايا تشرب القهوة، وأحمد يفتح مكتبه من غير ما يقفل أي درج.
أما كيس الزبالة اللي بدأ منه كل شيء
ففي آخر أربعاء، روز حطته قدامي وقالت وهي بتضحك
صدقيني، المرة دي مفيهوش أي أسرار.
فتحت الكيس وأنا بضحك.
ولقيت جواه ورقة صغيرة.
فتحتها.
وكان مكتوب عليها بخط أحمد
أخيرًا الأربعاء بقى يوم عادي.
ساعتها بس فهمت
إن أكتر
حاجة كانت مخوفاني طول الشهور اللي فاتت، ماكانتش الحقيقة.
كان خوفي من إني ما أعرفهاش.
لكن لما ظهرت الحقيقة كاملة
رجع بيتي أخيرًا بيتًا، مش لغزًا.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”







