الطفلة والساعة الذهبية

السكوت الذي خيّم على قاعة القصر فجأة، كان أشد رعباً من صوت انفجار طبق البورسلين لما اندشمل ميت حتة على الأرض الرخام. أول قطعة من تورتة عيد ميلاد “إياد” الثامن ما لحقتش توصل لفمه. قبل أن تلمس الشوكة الفضة شفايفه بثانية واحدة، خرجت طفلة عندها ثلاث سنوات، كوتشيها أبيض وصغير، جريت زي السهم من ورا عباءة أمها، وبكل قوتها ضربت الطبق وطيرته من إيد الولد!
المزيكا وقفت في نفس اللحظة. أكثر من مئة شخص من كبار رجال الأعمال والشخصيات المهمة لفّوا وراهم في حالة ذهول وتكشيرة استغراب.
في نص القاعة، كانت الطفلة “ليلى” واقفة مرعوبة جنب الهدمة والمصيبة التي عملتها، شعرها الكيرلي بيهتز حوالين خدودها وهي بتبص للجميع بخوف.
قدامها، كان “إياد” قاعد مصدوم وبيطلع في التورتة المترمية على الأرض. وعلى رأس التربيزة الرئيسية، قام “عمر بيه الدسوقي” وقف ببطء مرعب.
عمر الدسوقي.. رجل في الأربعين، بيحرك إمبراطورية اقتصادية ضخمة من المقاولات وخطوط الملاحة. رجل نفوذه وهيبته يخلي أشخاصاً كثيرين يقفوا قدامه انتباه. عمره ما احتاج يزعق؛ لأن كل ما صوته يهدا وينزل لدرجة الهمس، كل ما المكان يتحول لمنطقة خطر حقيقي.
والمرادي، نظراته كانت متوجهة مباشرة لطفلة عندها ثلاث سنوات!
“ليلى!”
صوت صرخة أم مكتومة خرج من “سارة” وهي بترمي نفسها على الركب وبتسحب بنتها لحضنها. سارة هي رئيسة التدبير المنزلي في القصر، أرملة عندها إحدى وثلاثون سنة، قضت 6 سنوات بتدير القصر الكبير ده بأعلى درجات الدقة والهدوء.
دموع سارة نزلت وهي بترتعش: “عمر بيه.. أرجوك! والله العظيم طفلة ومش فاهمة هي عملت إيه، سامحها بالله عليك!”
ليلى استخبت جوة عباءة أمها. عمر بص للطبق المكسور، وبعدها لإياد، وأخيراً ثبت عينيه في عينين الطفلة. حط سكينة التورتة من إيده بثبات، وبدل ما ينادي الحراسة تطردهم، لف من حوالين التربيزة ونزل على ركبة واحدة قدام البنت.
القاعة كلها اتسمرت مكانها.. رجالته وأقرب الناس ليه بقالهم 20 سنة عمرهم ما شافوه ينزل على ركبته قدام بشر! بس هو تجاهل الكل، وبص للبنت بصوت هادي زي الجليد: “ليلى.. عملتي كده ليه؟”
سارة وهي بتموت من الخوف وشوشت بنتها: “اعتذري فوراً يا ليلى!”
بس البنت هزت رأسها بثبات طفولي: “ما قدرتش.”
حواجب عمر اتعقدت: “ما قدرتيش إيه؟”
“أسيب إياد ياكلها.”
“ليه؟”
بلعت ليلى ريقها وقالت بصوت بريء: “علشان كان فيه راجل غريب.”
الهدوء في القاعة بقى يتسمع فيه صوت الذبابة لو عدت.
عمر قرب منها أكتر: “راجل مين؟”
“في المطبخ الجواني.. لما مامي كانت فوق بتجيب الفوط.”
وش سارة اتخطف ولونه بقى أبيض زي الملاية. ليلى شاورت بصباعها الناحية الممر: “هو لمس التورتة بتاعت إياد.”
عينين عمر وسعت والشرار طار منها: “عمل فيها إيه؟”
“كان معاه علبة صغيرة خالص..” ليلى بعدت صوابعها بتوري له حجم حاجة أصغر من علبة الكبريت: “فتحها وحط بودرة بيضا على صباعه، ومسحها جوة الكريمة.”
في اللحظة دي، الشوكة وقعت من إيد إياد على التربيزة. وعمر قام وقف زي البرق لدرجة إن الكرسي اتطوح وراه!
زعق بصوت هز الأرجاء: “دكتور عادل!”




