كيلو جمبري

وش مرات أخويا جاب ألوان الطيف ومبقتش قادرة تنطق بحرف. إسلام وقف قدامها، وصوته كان مليان صدمة: — يعني إنتِ كنتِ عارفة إن بابا وماما بيحوشوا لي فلوس؟ وعشان كده غيرتي رقم الحساب؟
ولاء هزت راسها بسرعة: — أنا ما غيرتش حاجة! وبعدين حتى لو الرقم رقمي، ده مش معناه إني لمست الفلوس! أبويا ما ردش عليها فورًا، مد إيده للدوسيه وطلع ورقة جديدة وحطها قدام إسلام: — بص على التاريخ. إسلام قرب الورقة وبدأ يقرأ، وفجأة سكت ورفع عينه لأبويا: — التاريخ ده قبل ما ولاء تتجوزني بشهرين! أبويا هز راسه: — بالضبط.
أنا حسيت إن في حاجة أكبر من مجرد فلوس اتسحبت، فسألت أبويا: — يعني السحب بدأ قبل جوازهم؟ أبويا بصلي وقال: — مش بس كده يا كاريمان، السحب بدأ قبل ما ولاء تدخل بيتنا أصلًا.
ولاء شهقت: — إنت بتتهمني بحاجة حصلت وأنا معرفش عنها حاجة؟ أبويا فتح صفحة تانية من الكشف وقال: — أنا مش بتهم حد. أنا بوريكم الحقيقة. وأشار لثلاث عمليات سحب تمت من ماكينة في منطقة قريبة من شغلك وقتها.
ولاء اتجمدت، وإسلام بص لها: — إنتي كنتي بتشتغلي هناك؟ قالت بصوت منخفض: — أيوه بس ده مش دليل على أي حاجة. أبويا ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: — عارف. ثم أخرج ظرفًا أبيض كان مخبيه في آخر الدوسيه: — عشان كده ما اعتمدتش على الكشف وحده. فتح الظرف وطلع منه صورة مطبوعة وحطها على الترابيزة. إسلام مد إيده ومسك الصورة، وبمجرد ما شافها، اتغيرت ملامحه تمامًا: — دي مين؟
بصيت للصورة من بعيد، وكانت عبارة عن لقطة من كاميرا مراقبة أمام ماكينة صراف آلي، لكن الشخص اللي واقف قدام الماكينة كان لابس كاب ونظارة وملامحه مش واضحة. ولاء قربت تشوف الصورة، وفجأة رجعت لورا خطوة. أبويا لاحظ خوفها وقال بهدوء: — الصورة دي هي البداية. طلع ورقة تانية: — دي صورة تانية اتاخدت بعد العملية بساعتين. حطها جنب الأولى. المرة دي الشخص كان من غير الكاب. إسلام قرب من الصورة وبص فيها ثواني طويلة، وبعدين قال بصوت متقطع: — مستحيل… أنا بصيت له: — مالك يا إسلام؟ رفع الصورة ناحيتنا وقال: — الشخص ده أنا أعرفه. سكت الجميع، وأبويا سأله: — تعرفه منين؟ إسلام بلع ريقه وقال: — ده واحد كان شغال…
معراش زمان وكنت فاكره سافر بره مصر من سنين. ولاء بصت لإسلام بسرعة، وكأنها سمعت اسمًا أخافها. وأبويا التقط اللحظة دي. قال لها مباشرة: — إنتِ تعرفيه؟ ولاء ما ردتش. أبويا كرر السؤال: — ولاء، تعرفي الراجل ده؟ فضلت ساكتة. إسلام بدأ يشك أكتر: — ردي عليا. ولاء دموعها نزلت، وقالت: — أنا كنت أعرفه بس الموضوع مش زي ما إنتوا فاكرين. أبويا قفل الدوسيه بهدوء: — أهو ده اللي كنت مستنيه منك من الصبح. ثم قال جملة خلت الدم يتجمد في عروقي: — لأن الراجل ده مش هو اللي سرق فلوس إسلام. سكت لحظة: — هو كان بيحاول يرجّعها. ولأول مرة، ولاء رفعت عينيها لأبويا وقالت بصوت مرتعش: — إنت عرفت كل حاجة؟ أبويا رد: — لسه ناقصني أهم جزء.. مين اللي طلب منك تغيّري رقم الحساب أصلًا؟
ولاء فضلت ساكتة، ودموعها نزلت على خدودها من غير ما تحاول تمسحها. أبويا قرب منها خطوة وقال بهدوء: — أنا سألتك سؤال واضح، مين اللي طلب منك تغيّري رقم الحساب؟ ولاء بصت لإسلام، وبعدها بصت لأبويا: — محدش طلب مني. أبويا رد فورًا: — يبقى إنتِ اللي قررتي تعملي كده لوحدك؟ سكتت. إسلام ضرب كف بكف وقال: — يا ولاء، أنا مش فاهم حاجة! لو إنتِ خدتي فلوس، قولي. لو في حد ضغط عليكي، قولي. لكن السكوت ده هيخليني أشك في أسوأ حاجة. ولاء شهقت: — أنا ما أخدتش الفلوس لنفسي! أبويا ثبت عينيه عليها: — أمال الفلوس راحت فين؟ ولاء مسحت دموعها وقالت: — أنا كنت بحاول أنقذها. أنا توترت وسألت: — تنقذي إيه؟
ولاء بصتلي، لكن قبل ما تجاوب، سمعنا صوت خبطة قوية على باب الشقة. كلنا سكتنا. أبويا قام بسرعة، وقرب من الباب من غير ما يفتحه. جاءت خبطة تانية. إسلام قال: — مين؟ مفيش رد. أبويا بص لنا، وأشار لإسلام يبعد عن الباب. وبعدين فتحه فجأة. لكن مفيش حد كان واقف قدامه. بس كان فيه ظرف أسود متحط على الأرض. أبويا انحنى وأخده. فتح الظرف قدامنا. جواه فلاشة صغيرة، وصورة لإسلام، وورقة مكتوب عليها بخط واضح: “لو عايز تعرف فلوسك راحت فين، شغّل الفلاشة لوحدك.”
إسلام اتوتر: — إيه الهزار ده؟ أبويا قفل الظرف فورًا. ولاء أول ما شافت الصورة، شهقت وقالت: — لأ لأ، هما وصلوا لحد هنا كمان؟! أبويا لف ناحيتها ببطء: — مين هما؟ ولاء حطت إيدها على بقها، وكأنها أدركت إنها قالت كلمة كان المفروض تخبيها. أبويا قال بحزم: — المرة دي مش هسيبك تسكتي. ولاء قعدت على الكرسي وهي منهارة، وقالت: — من أول يوم ما عرفت إن في حساب باسم إسلام، وأنا كنت خايفة عليه. إسلام رد بعصبية: — خايفة عليه من مين؟ ولاء بصت ناحية الفلاشة: — من نفس الشخص اللي بعت الظرف ده. أبويا سأل: — وإنتِ تعرفيه؟ هزت راسها: — أعرف اسمه بس، وعمري ما قابلته لوحدي. إسلام قرب منها: — اسمه إيه؟
ولاء فتحت بقها، لكن قبل ما تنطق، موبايل أبويا رن. بص للشاشة.. رقم مجهول. رد. في البداية مفيش صوت. وبعدين جاء صوت رجل هادي جدًا: — يا حاج رجب، لو شغلت الفلاشة قدامهم، هتندم. أبويا سكت ثواني، ثم قال: — وإنت مين؟ الرجل ضحك ضحكة قصيرة: — أنا الشخص اللي كان بيحاول يحمي ابنك من غير ما يعرف. وبعدين الخط اتقفل.
إسلام بص لأبويا وهو مذهول. أما أنا، فكنت مركزة مع ولاء، لأنها كانت بتبص للأرض وبتكرر جملة واحدة بصوت خافت: — أنا مكنتش أعرف إن الموضوع هيوصل للدرجة دي… أبويا سمعها، وقف قدامها وقال: — موضوع إيه يا ولاء؟ رفعت عينيها ببطء، وبصوت مكسور قالت: — الحساب ده مش أول حاجة اتفتحت باسم إسلام. ثم سحبت نفسًا عميقًا وأضافت: — في حساب تاني باسمي أنا.
إسلام اتجمد مكانه، وأبويا فتح الدوسيه مرة تانية بسرعة: — إمتى اتفتح الحساب ده؟ ولاء ردت: — من خمس سنين. أبويا بص في الأوراق، وبدأ يقلب الصفحات بعصبية، وفجأة وقف عند ورقة معينة وشه تغير، وقال: — يا نهار أبيض! كلنا قربنا منه. كانت الورقة عبارة عن تحويل مالي كبير. لكن اسم المستفيد جعل إسلام يضع يده على رأسه من الصدمة، لأن اسم المستفيد كان اسم شخص من داخل عيلتنا. أبويا فضل باصص للورقة كأنه مش قادر يصدق اللي قدامه. إسلام خطفها من إيده: — مين ده؟ أبويا حاول ياخد نفس وقال: — الاسم ده مش غريب علينا. أنا قربت أبص.. كان اسم المستفيد أحمد، أخويا الأصغر.
اتجمدت مكاني: — أحمد؟! بس إزاي؟! إسلام بص لأبويا: — أحمد كان بيدفع لنا فلوس البيت زيي، إيه علاقته بالحساب ده؟ أبويا ما ردش. ولاء كانت قاعدة في صمت، لكن أول ما سمعت اسم أحمد، رفعت عينيها فجأة. أبويا لاحظ: — إنتِ كنتِ عارفة؟ ولاء هزت راسها بسرعة: — لأ. لكن صوتها كان مهزوز. إسلام قرب منها: — ولاء، بصي في عيني وقولي إنك ما تعرفيش حاجة عن أحمد. ولاء ما قدرتش تبص له. ساعتها أبويا فتح الدوسيه على صفحة تانية: — التحويل ده اتعمل من حسابك يا ولاء لحساب أحمد. إسلام اتراجع خطوة: — يعني الفلوس خرجت من حسابها وراحت لأخويا؟ ولاء انفجرت في البكاء: — أنا كنت مضطرة! أبويا ضرب بإيده على الترابيزة: — مضطرة ليه؟!
ولاء مسكت راسها وقالت: — لأن أحمد كان مهدد! سكتنا كلنا.. مهدد من مين؟ ولاء رفعت وشها وقالت: — من نفس الشخص اللي بعت الفلاشة. إسلام بص لها بصدمة: — وإنتِ كنتي بتدفعي له؟ — مش بدفع له، كنت بحاول أوقفه. أبويا مد إيده للفلاشة: — خلاص.. هنشغلها دلوقتي. ولاء قامت بسرعة: — لأ يا حاج! أبويا وقف مكانه: — ليه؟ ولاء قالت بصوت مرتجف: — لأن الفلاشة دي مش فيها تسجيل واحد. سكتت لحظة: — فيها تسجيلات لكل واحد في البيت.
أنا حسيت بقشعريرة في جسمي. أبويا سأل: — تسجيلات عن إيه؟ ولاء بصت لإسلام، ثم لأحمد اللي كان لسه داخل من باب الشقة من غير ما حد يحس. وأحمد قال بصوت خافت: — عن الفلوس اللي بابا كان فاكر إنها بتتحوش لنا… ثم بص لأبويا مباشرة: — وعن السبب الحقيقي اللي خلاه يشتري البيتين من الأساس. أبويا اتغير وشه: — إنت كنت تعرف؟ أحمد قرب وحط موبايله على الترابيزة: — أنا عرفت من خمس سنين. ثم قال: — بس في حاجة واحدة محدش فيكم يعرفها… وسكت.
قبل ما يكمل، وصل إشعار على موبايله.. رسالة من رقم مجهول. قرأها بصوت مسموع: “لو قلت لهم الحقيقة، هتفتح باب محدش هيقدر يقفله.” أحمد فضل واقف قدامنا، وموبايله في إيده، والرسالة لسه مفتوحة على الشاشة. أبويا قال بصوت حاسم: — اقعد يا أحمد.. المرة دي مفيش حد هيمشي من هنا قبل ما أعرف الحقيقة كاملة. أحمد قعد ببطء، وولا كانت بتبصله وكأنها مستنية منه كلمة تنقذها. أبويا سأل: — من خمس سنين إنت عرفت إيه؟ أحمد سكت شوية، وبعدين قال: — عرفت إن الفلوس اللي كنتوا بتحوشوها لنا مش مجرد فلوس عادية. أمي قالت باستغراب: — أمال كانت إيه؟ أحمد بص لأمي وقال: — كانت مرتبطة بحاجة حصلت قبل ما إحنا نتولد.
أبويا اتوتر فجأة: — إنت عرفت منين؟ أحمد طلع من جيبه ورقة مطوية: — لقيتها بالصدفة في درج قديم في المكتب بتاعك. أبويا خطف الورقة منه، وأول ما شافها، وشه اتغير. أنا قربت منه: — بابا، الورقة دي إيه؟ قال بصوت واطي: — دي ورقة ملكية. إسلام سأله: — ملكية إيه؟ أبويا فضل ساكت. أحمد هو اللي جاوب: — البيت الأول مش ملك بابا لوحده. سكتنا كلنا، وأمي بصت لأبويا: — رجب؟ أبويا قعد على الكرسي، وحط الورقة قدامه: — كنت ناوي أقولكم بس بعد ما أموت. صرخت أمي: — تموت إيه بس؟ قول دلوقتي! أبويا رفع عينه وقال: — البيت ده اتبنى بفلوس اتجمعت من شراكة قديمة بيني وبين شخص تاني. إسلام قال: — ومين الشخص ده؟ أبويا ما ردش.
في اللحظة دي، موبايل ولاء رن.. بصت للشاشة واتجمدت. أبويا لاحظ وسأل: — مين؟ ولاء قفلت المكالمة بسرعة، لكن بعدها بثواني وصلت رسالة.. فتحتها من غير ما تتكلم، ثم مدت الموبايل لأبويا ويدها ترتجف.
الموبايل لأبويا. الرسالة كانت قصيرة: “لو فتح لكم رجب ملف الشراكة القديمة، قولوا له يسأل عن الدفتر الأزرق.”
أبويا أول ما قرأ الجملة، قام واقف: — الدفتر الأزرق؟! أمي قالت: — إنت تعرفه؟ أبويا بص لنا جميعًا، ووشه لأول مرة كان عليه خوف حقيقي: — الدفتر ده اختفى من عندي من سبعتاشر سنة. أنا قلت: — وإيه أهميته؟ أبويا رد: — فيه أسماء كل الناس اللي شاركت في الفلوس، وكل قرش دخل وخرج من الشراكة. وبعدين بص لأحمد: — لو الدفتر ظهر دلوقتي، يبقى اللي حصل من خمس سنين ماكانش سرقة فلوس. سكت لحظة: — ده كان حد بيحاول يوصل للحقيقة.




