قصص و روايات

ليلة فرحنا

الساعة كانت ٢ و١٣ دقيقة بعد نص الليل لما دخل سيف المنشاوي بيته، وهو متوقع يلاقي لقى مراته مستخبية ومخبية وراها طبق مكرونة ساقعة.

بقاله تلات ساعات واقف في مخزن البضايع اللي على طريق الإسماعيلية الصحراوي، والمطر نازل بغزارة والجو ساقعة، وهو بيسمع من رجله اليمين، حسام، مسؤول  ، إن في حد من جوه الشركة قدر يدخل على ملفات شحنة مهمة جدًا.

حد قريب منهم.

حد موثوق فيه.

حد عارف بالظبط إمتى سيف بيكون مشغول في مكان تاني.

ولما عربيته السودا وصلت قدام العمارة الفخمة اللي ساكن فيها في التجمع الخامس، كان آخر خيط صبر عنده خلص.

ركن الحرس العربية تحت البيت، وسيف طلع بالمصعد الخاص اللي بيفتح على الشقة مباشرة.

أول ما باب المصعد اتفتح، حط رجله على الأرضية الرخام، ولسه نقط المطر على كتاف الجاكت الأسود بتاعه.

البيت كان هادي بشكل غريب.

هادي زيادة عن اللزوم.

كل اللي شغالين في البيت المفروض يكونوا نايمين.

الحرس أكدوله إن مفيش حد اتحرك.

وكاميرات المراقبة ماظهرتش أي حد دخل أو خرج.

لكن فجأة…

تك!

صوت معدن خبط في طبق.

سيف وقف مكانه.

وبعد ثواني، سمع صوت خفيف تاني جاي من ناحية المطبخ.

كرك…

إيده راحت تلقائيًا ناحية  اللي مخبيه تحت الجاكت.

سيف المنشاوي عاش سنين وسط ناس كل غلطة عندها ممكن تودي صاحبها في داهية.

وكان عارف كويس إن أخطر الأماكن…

هي الأماكن اللي بتكون ساكتة زيادة عن اللزوم.

مشى بخطوات هادية في الصالة الضلمة، وعدّى جنب الشبابيك الكبيرة اللي كانت مطلة على أنوار القاهرة البعيدة.

باب المطبخ كان موارب.

ومن تحته طالع نور أزرق خافت.

سيف مد إيده وزق الباب.

وبعدين…

اتجمد مكانه.

مراته كانت قاعدة على الأرض قدام التلاجة المفتوحة.

نورهان المنشاوي.

لابسة بنطلون بيجامة رمادي واسع، وتيشيرت قطن كبير، وفي رجليها شراب شتوي منفوش.

شعرها البني كان مرفوع بعشوائية فوق راسها، وهي قاعدة متربعة على الأرض، حاطة علبة أكل بلاستيك على رجلها، وفي إيدها شوكة.

مكرونة بالمشروم… ساقعة.

مش جاسوس.

دي كانت نورهان.

مراته.

سيف نزل إيده ببطء، ورجع مكانه.

ولكام ثانية…

هي ماخدتش بالها إنه واقف وراها.

خدت لقمة صغيرة.

وبعدين لقمة تانية.

بس كان في حاجة غريبة جدًا في طريقتها وهي بتاكل.

كانت بتاكل بهدوء زيادة.

من غير صوت.

ومن غير ما تحرك الطبق.

كأنها خايفة حد يدخل عليها فجأة…

ويبدأ يعد عليها كل لقمة بتاكلها.

سيف شاف نورهان قبل كده وهي واقفة قدام محامين كبار وبتجادلهم من غير ما ترمش.

شافها مرة في مطعمها في مصر الجديدة وهي بتزعق في واحد مليونير عشان كلم الجرسون بطريقة وحشة.

وقبل كده بست شهور، كانت واقفة قدام فريق المحامين بتوع سيف، وإيديها متشابكة قدام صدرها، وقالتلهم بمنتهى الثبات:

“العقد بتاعكم ده خدوه وارجعوا عدلوه، لأني مش هبيع مطعمي بالطريقة دي.”

دي كانت الست اللي محدش يقدر يكسر عينها.

لكن وهي قاعدة دلوقتي على أرض المطبخ في …

شكلها كان أصغر بكتير.

جلد الجاكت بتاع سيف اتحرك بصوت خفيف وهو بيبعد إيده عن .

نورهان لفت بسرعة.

الشوكة وقعت جوه العلبة.

عينيها اتفتحت من الخضة.

لكن اللي عملته بعدها…

خلّى قلب سيف ينقبض.

شدت علبة المكرونة على صدرها.

وقالت بسرعة:

 

“أنا آسفة.”

سيف ما ردش.

نورهان بصتله بتوتر.

“ماخدتش بالي إنك دخلت.”

فضل ساكت.

نزلت عينيها للأرض وقالت:

“أنا والله ماكنتش باكل كتير.”

الكلمة دي ضربته في مكان غريب.

قال بهدوء:

“أنا ما سألتكيش.”

نورهان سكتت.

سيف خلع الجاكت بتاعه وحطه على الكرسي.

“اتعشيتيش؟”

“ماكنتش جعانة.”

بص للطبق في إيدها.

#انجي_الخطيب

“وبتاكلي مكرونة ساقعة الساعة اتنين الفجر؟”

“جعت بعدين.”

بص حوالين المطبخ.

“طب ليه النور مطفي؟”

ردت بسرعة:

“ماكنتش عايزة أصحي حد.”

سيف عقد حواجبه.

“أوض الضيوف عازلة للصوت.”

نورهان رفعت حاجبها وقالت بنبرة حاولت تخليها عادية:

“إنت بتستجوبني على طبق مكرونة؟”

“لأ.”

صوته هدي.

وبعدين قال:

“أنا بس بحاول أفهم ليه مراتي قاعدة على أرض المطبخ في نص الليل… ومستخبية وهي بتاكل.”

نورهان بصت ناحية التلاجة.

سيف تابع نظرتها.

فتح باب التلاجة أكتر.

كان فيه تلات أطباق متغطية على الرف اللي تحت.

طبق شوربة.

طبق فراخ مشوية.

طبق عيش.

وعلبة صغيرة فيها حتة جاتوه بالشوكولاتة.

وعلى كل طبق…

ورقة صغيرة مكتوب عليها اسمها.

نورهان.

سيف عرف الخط فورًا.

خط عم عبده، الشيف اللي شغال عندهم من سنين.

سيف رجع بص لنورهان.

وبصوت أهدى من الأول قال:

“الموضوع ده حصل قبل كده؟”

نورهان ما ردتش.

فقال:

“كتير؟”

أصابعها شدت على علبة المكرونة.

سيف ركز في وشها.

“إنتِ اعتذرتي قبل ما أنا حتى أقول أي حاجة.”

نورهان بلعت ريقها.

“وخبيتي الطبق.”

فضلت ساكتة.

“وقلتي إنك ماكنتيش بتاكلي كتير.”

صوت سيف كان هادي…

بس الهدوء ده كان أخطر من العصبية.

نزل على ركبة واحدة، وقعد على بعد كام خطوة منها.

“وأنا أصلًا ما سألتكيش أكلتي قد إيه.”

نورهان بصتله.

سيف كان فاهم الخوف.

فاهم الكذب.

وفاهم شكل الإنسان اللي عارف إنه وقع في مصيبة.

لكن اللي شايفه في عيني نورهان…

ماكانش أي واحد من دول.

كان كسوف.

كسوف من الأكل.

كسوف من إنها جعانة.

وفي اللحظة دي، سيف فهم حاجة خلت الدم يغلي في عروقه.

حد علّم مراته…

إنها تستحي من إنها تاكل.

مراته اللي كانت تقدر تقف قدام أي حد وترد عليه.

مراته اللي عمرها ما خافت من فلوس ولا نفوذ ولا رجال.

حد خلاها تخاف من طبق أكل.

الغضب بدأ يطلع جواه ببطء.

وده كان أسوأ.

 

لأن سيف لما كان بيتعصب بسرعة…

كان ممكن يهدى.

لكن لما غضبه كان بييجي بالراحة…

كان معناه إن اللي قدامه في خطر حقيقي.

رفع عينيه ليها وقال:

“مين؟”

نورهان هزت راسها بسرعة.

“سيف…”

“مين علّمك تخبي الأكل في بيتي؟”

“الموضوع مش بالبساطة دي.”

صوته بقى أكثر حدة:

“بسطيهولي.”

رفعت عينيها أخيرًا.

كان واضح إنها خايفة تقول الحقيقة.

وقالت:

“وده بالظبط اللي أنا مش عايزاه.”

سيف قرب خطوة.

“إيه؟”

نورهان سكتت لحظة.

وبعدين قالت بصوت واطي:

“إني أخلي الموضوع بسيط.”

سيف ثبت عينيه عليها.

لأول مرة من ساعة ما دخل البيت…

نسي .

نسي الشحنة.

نسي الشركة.

كل اللي بقى في دماغه سؤال واحد:

مين اللي خلّى مراته تخاف من إنها تاكل قدامه؟

#انجي_الخطيب

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى