شنطة ابني القديمة

3
شنطه ابنى القديمه
هعرف أتصرف.
إنت ماكنتش تعرف حاجة.
وبعدين بصتلي.
وكنت خاېفة إن مراتك تخلي فلوسك كلها تروح على البيت، وتنسى إن وراك مسؤوليات.
الجملة استفزتني.
قلت
أنا صرفت على ولادنا، مش على نفسي.
قالت
وأنا ماقولتش إنك بتسرقي.
بس كل مرة كنتي بتصوري إني بضيع فلوس ابنك.
سكتت.
محمود قال
ماما… إنتي كان لازم تقوليلي.
ردت
كنت خاېفة.
الخۏف مش مبرر إنك تخبي.
سكتت.
وبعدين قالت
أنا حولت الخمسة آلاف لأخوك صلاح.
بص عمه لها.
ليه؟
عشان يكمل المبلغ ويسدد آخر جزء من الدين.
محمود قام.
طيب ليه ماقلتيش؟
عشان كنت عايزة أخلص الموضوع من غير ما تحمل هم.
محمود حط إيده على وشه.
أنا كنت محتارة.
كنت زعلانة منها.
لكن في نفس الوقت بدأت أفهم جزء من الصورة.
هي غلطت.
لكن مش كل دوافعها كانت شړ.
المشكلة إنها وهي بتحاول تحمي ابنها، ظلمت أحفادها.
قالت
أنا عارفة إني غلطت.
سكتنا.
بس أنا طول عمري بخاف من الفقر.
صوتها اتكسر.
أبوك ماټ وساب لنا مشاكل، وأنا قضيت سنين بخاف من بكرة. لما كنت أشوفك بتصرف على بيتك كنت بخاف تكرر نفس اللي حصل.
محمود قال
بس أنا مش أبويا.
دمعت عينيها.
عارفة.
وبعدين بصت لابني.
كان واقف في آخر الصالة.
قالت
وأنا غلطت لما خليت الولد يحس إنه أقل من غيره.
ابني قرب منها.
هي مدّت إيدها.
لكن الولد وقف مكانه.
ماقربش.
وده ۏجعها.
قال
تيتة… إنتي مش بتحبيني؟
اتجمدت.
ليه بتقول كده؟
عشان كل ما أطلب حاجة تقولي مفيش فلوس.
حماتي بكت.
أنا كنت فاكرة إني بحمي باباك.
ابني قال
بس أنا مش فلوس.
الجملة خلتها ټنهار.
قعدت على الكرسي وغطت وشها.
محمود قرب منها.
إحنا ممكن نحل أي حاجة يا أمي، بس لازم من غير ما حد يخبي عن التاني.
هزت راسها.
لكن كان لسه في شيء ناقص.
عمي صلاح قال
في حاجة كمان.
بصينا له.
الخمسة آلاف اللي حولتيهم… ماكانوش للدين.
حماتي رفعت رأسها بسرعة.
صلاح!
قال
أنا لازم أقول.
محمود قال
إيه اللي حصل؟
عمه أخرج إيصال آخر.
المبلغ ده كان عربون لعملية.
سكتنا.
محمود قال
عملية مين؟
بص لحماتي.
هي قالت
أنا.
اټصدمنا.
إنتي؟
آه.
قالت
أنا كنت محتاجة عملية في عيني، والدكتور قال لازم تتعمل بسرعة.
محمود قرب منها.
ليه ماقولتيليش؟
عشان كنت هتدفع كل اللي معاك.
أنا سكت.
فهمت.
هي كانت بتحاول تمنع محمود من الصرف علينا عشان تحوش لعملية لنفسها.
لكن ده ماكانش يبرر إنها تتصرف في فلوسه من غير علمه.
محمود مسك إيدها.
إنتي أمي. لو محتاجة عملية كنتي تقولي.
قالت
كنت خاېفة أكون حمل عليك.
إنتي مش حمل.
وبصلي.
وإنتي كمان مش حمل.
سكتنا.
وبعدها حصل شيء ماكنتش متوقعاه.
ابني راح لأوضته، ورجع بشنطته القديمة.
حطها قدام جدته.
وقال
دي شنطتي القديمة.
حماتي بصت لها.
آه.
ماما كانت بتخيطها لي عشان متصرفش فلوس.
وبعدين قال
أنا مش زعلان إنك ماجبتيليش شنطة. أنا زعلان إنك كنتي بتخليني أحس إني مش مهم.
حماتي مدت إيدها ومسكت الشنطة.
بصت عليها.
وبكت.
قالت
حقك عليا يا حبيبي.
ولأول مرة، ابني حضنها.
لكن الحكاية ماخلصتش هنا.
لأن في اليوم التالي، حصلت المفاجأة اللي خلت حماتي نفسها تقف قدام باب البيت ومش عارفة تنطق.
الفصل
الرابع اليوم اللي وقفت فيه حماتي قدام الباب
كان يوم خميس.
ابني كان خارج من المدرسة.
وأنا كنت واقفة في البلكونة مستنياه.
فجأة سمعت صوت عربية بتقف تحت البيت.
بصيت.
لقيت حماتي واقفة جنب عربية جديدة.
نزل منها شخصين.
وفي إيديها كيس كبير.
استغربت.
نزلت.
أول ما وصلت، لقيت ابني داخل من باب العمارة.
شاف جدته.
جري عليها.
تيتة!
حضنته.
هي ضحكت وسط دموعها.
وقالت
تعالى.
فتحت الكيس.
طلع منه صندوق.
ابني فتحه.
كانت فيه ساعة بسيطة وشنطة مدرسية جديدة.
قال
دي ليا؟
قالت
آه.
بصلي.
أنا ابتسمت.
قالتلي
مش عشان أعوضك عن حاجة.
سكتت لحظة.
عشان فهمت أخيرًا إن التوفير مش معناه نحرم اللي بنحبهم.
محمود نزل من البيت.
شافهم.
ابتسم.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت إن حماتي طلعت ورقة من شنطتها.
مدتها لمحمود.
دي حسابات كل الفلوس.
محمود أخدها.
إيه ده؟
كل جنيه أخدته منك، وكل جنيه صرفته.
كانت عاملة جدول كامل.
المبلغ.
التاريخ.
والسبب.
وفي الآخر كان مكتوب
المتبقي من فلوس محمود صفر.
محمود بص لها.
قال
يعني صرفتي كل حاجة؟
قالت
في العملية، والدين، ومصاريف كنت بخبيها.
وبعدين طلعت إيصالات العملية.
أنا عملت العملية الأسبوع اللي فات.
اټصدم محمود.
إنتي عملتي العملية؟
آه.
وكان لازم أعرف.
عارفة.
وبصتلي.
وأنا آسفة ليكي إنتي كمان.
أنا سكت.
قالت
أنا ظلمتك.
قلت
إحنا كلنا غلطنا في حاجات.
هزت راسها.
لأ. أنا اللي كنت بتدخل في بيتكم.
سكتنا.
وبعدين قالت
من النهارده، اللي بيني وبين ابني هيبقى بيني وبينه. وبيتكم ليكم.
محمود ابتسم.
ده أحسن قرار.
لكن حماتي كان عندها حاجة تانية.
قالت
وفي حاجة لازم أعملها.
بصت لابني.
الشنطة القديمة دي… ينفع نحتفظ بيها؟
ابني استغرب.
ليه؟
قالت
عشان تفضل فاكر إن الحاجة القديمة مش عيب.
ابتسم.
ماشي.
دخلنا البيت.
حماتي قعدت معانا على السفرة.
وأول مرة من سنين، اتغدينا كلنا من غير ما حد يسأل
دفعتوا كام؟
ولا
ليه جبتوا ده؟
ولا
كان ممكن تجيبوا أرخص.
بعد الغدا، ابني جاب كراسة.
وقعد يكتب.
سألته
بتعمل إيه؟
قال
بكتب موضوع التعبير.
عن إيه؟
عن أغلى حاجة عندي.
ضحكت.
وإيه هي؟
بص لأبوه.
وبعدين لجدته.
وبعدين قال
عيلتي.
حضنته.
وفي المساء، وأنا برتب الدولاب، لقيت الشنطة القديمة متعلقة في مكان واضح.
ناديت عليه
إنت سيبت الشنطة ليه؟
قال
عشان تفضل عندي.
بس عندك الجديدة.
قال
عارف.
وبعدين ابتسم
الجديدة عشان المدرسة… والقديمة عشان تفتكريني.
ضحكت ودموعي نزلت.
بعد أسبوع، حصل موقف تاني.
ابني رجع من المدرسة وقال
ماما، صاحبي شنطته اتقطعت.
قلت
طيب؟
قال
هو زعلان عشان مش معاه يجيب واحدة.
حماتي كانت قاعدة معانا.
بصتله.
قالت
عايز تعمل إيه؟
قال
ممكن نجيب له شنطة من عندي القديمة؟
بصيت له.
الشنطة القديمة اللي كان بيتكسف منها بقت بالنسبة له حاجة يقدر يديها لحد محتاج.
حماتي ابتسمت.
وقالت
تعالى يا حبيبي.
حضنته.
أنا فخورة بيك.
ابني سألها
بجد؟
بجد.
وبعدين قالت
بس المرة دي، إحنا هنغسلها ونصلحها الأول.
ضحك.
وأنا ضحكت.
وفهمت وقتها إن المشكلة عمرها ما كانت في الشنطة.
ولا في الهدوم.
ولا حتى في الفلوس.
المشكلة كانت في الخۏف.
الخۏف اللي خلّى حماتي تفتكر إن الحرمان حماية.
والخۏف اللي خلاني أنا أقبل تدخلها فترة طويلة عشان ما أخسرش بيتي.
والخۏف اللي خلّى ابني يفتكر إن قيمة الإنسان في اللي لابسه.
لكننا اتعلمنا كلنا.
اتعلمنا إن الطفل مش محتاج أغلى هدوم في المدرسة…
هو محتاج يحس إن أهله شايفينه، سامعينه، وواقفين في ضهره.
واتعلمنا إن الفلوس لازم يكون ليها حساب، لكن مش لدرجة إننا نحسب قيمة مشاعر أولادنا.
واتعلمنا إن احترام الأم مش معناه إنها تتحكم في بيت ابنها.
وإن احترام الزوجة مش معناه إنها تعزله عن أمه.
كل واحد له مكانه.
وكل بيت له حدوده.
بعد كام شهر، ابني رجع من المدرسة بيجري.
فتح الباب وهو بيضحك.
ماما!
في إيه؟
المدرسة اختارتني أشارك في مسابقة الرسم.
حضنته.
برافو يا حبيبي!
حماتي طلعت من المطبخ.
وهنعمل إيه عشان نحتفل؟
ابني قال
نجيب جاتوه؟
حماتي ضحكت.
طبعًا.
بصلي.
بس من غير ما تحسبيها عليا.
ضحكنا كلنا.
ومحمود قال
وأنا اللي هدفع.
حماتي ردت
لأ، المرة دي أنا اللي هدفع.
ابني رفع إيده.
وأنا هدفع من مصروفي!
بصينا لبعض وضحكنا.
قلتله
خلاص، كل واحد يدفع جنيه.
قال
ليه؟
قلت
عشان نفتكر إننا لما بنحط إيدينا جنب بعض، حتى الحاجة الصغيرة بتبقى كبيرة.
ومرت الأيام.
وفي آخر السنة الدراسية، المدرسة عملت حفلة تكريم.
ابني طلع الأول في مسابقة الرسم.
كان لابس طقم جديد.
وشنطته الجديدة على ضهره.
لكن قبل ما يطلع على المسرح، رجع عندنا وقال
ماما… فين الشنطة القديمة؟
استغربت.
في البيت.
قال
أنا عايزها.
ليه؟
ابتسم.
عشان أحط فيها اللوحة اللي رسمتها.
ضحكت.
وفي طريق الرجوع، حماتي كانت ماشية جنبه.
قالت له
تعرف إن أول شنطة ليك كانت
أهم شنطة في حياتك؟
ليه؟
قالت
عشان هي اللي علمتنا إن الحاجة مش بقيمتها… وإن الإنسان مش باللي معاه.
ابني فكر شوية.
وبعدين قال
أنا اتعلمت حاجة أهم.
إيه؟
قال
إن لو حد زعل، لازم نسمعه قبل ما نقوله مفيش.
حماتي سكتت.
وبصتلي.
أنا ابتسمت.
لأن الجملة كانت بسيطة جدًا…
لكنها لخصت كل اللي حصل.
ابني مابقاش فاكر العيال اللي اتريقوا عليه.
ولا فاكر كلامهم.
ولا حتى فاكر شكل الشنطة الجديدة قوي.
هو فاكر بس اليوم اللي رجع فيه البيت مكسور…
واليوم اللي كلنا قررنا فيه إننا مش هنخليه يحس إنه لوحده تاني.
ومن يومها، كل ما أشوف الشنطة القديمة معلقة في ركن الأوضة، أفتكر إن أصعب الأيام مش دايمًا بتيجي عشان تكسرنا.
أحيانًا…
بتيجي عشان تعلمنا مين إحنا.
وتعلمنا نحط حدود.
ونتكلم.
ونحمي أولادنا.
والأهم…
نعرف إن الفقر مش عيب.
والشنطة القديمة مش عيب.
والهدوم المستعملة مش عيب.
العيب الحقيقي…
إن طفل يرجع بيعيط لبيته، ومايلاقيش حد يسمعه.
وأنا يومها وعدت ابني
طول ما أنا عايشة… عمرك ما هترجع مكسور وتلاقي نفسك لوحدك.
والمرة دي…
ماكانش وعد أم لابنها وبس.
كان وعد بيت كامل…
اتعلم أخيرًا إن الحب مش كلام.
الحب إنك تسمع.
وتفهم.
وتحمي.
وتدي كل واحد حقه…
من غير ما تكسر حد في الطريق.
تمت.




