والدي الارمل

والدي الأرمل كان بياخد كل ست يقابلها لنفس المطعم — ولا واحدة منهم كلمته تاني، فقررت أسأل النادلة عن السبب.
أمي ماتت من تمان سنين.
خلال أول تلات سنين بعدها، بابا ماكانش حتى بيرضى يبص لست تانية.
لكن لما وصل لسن الـ68، بدأ أخيرًا يواعد.
كنت فرحانة عشانه… لحد ما بدأت ألاحظ حاجة غريبة.
ست ستات في سنة ونص.
وكل أول مقابلة كانت بتحصل في نفس المطعم.
وكل ست منهم كانت بتختفي بعدها.
مفيش مقابلة تانية.
مفيش تفسير.
وأغلبهم حتى ماكانوش بيردوا على مكالمات بابا.
ولما الست السابعة ألغت مقابلتها الصبح اللي بعد العشا، خلاص، ماقدرتش أستحمل أكتر.
روحت المطعم لوحدي.
النادلة عرفت صورة بابا فورًا.
— آه… هو.
قلت لها:
— إنتِ خدمتيه قبل كده؟
ملامحها اتغيرت.
— كذا مرة.
— طيب قوليلي. هو بيعمل إيه للستات دول؟
بصتلي للحظة، وبعدين قالت:
— والدك؟ ولا حاجة.
الإجابة دي ماكنتش اللي متوقعاها.
بصت ناحية المطبخ، وبعدها وطّت صوتها وقالت:
— الموضوع بيحصل لما بيطلبوا الحساب.
خدتني لنفس الركن اللي بابا دايمًا كان بيحجزه.
— والدك بيقعد هنا. نفس الترابيزة. نفس الكرسي.
وبعدين أشارت للحائط اللي وراها.
كانت فيه صورة قديمة متعلقة في إطار، من ليلة افتتاح المطعم من سنين طويلة.
عشرات الأشخاص كانوا واقفين فيها وهم بيبتسموا.
بابا كان واقف في الخلف.
وأمي كانت واقفة جنبه.
لكن كان فيه ست شابة واقفة جنبهم…
وشها كان تقريبًا كله مخدوش ومتشوّه في الصورة.
معدتي اتقبضت.
سألتها:
— مين دي؟
النادلة ماجاوبتش.
بدل كده، مدت إيدها تحت المقعد وسحبت ظرف صغير كان متثبت بشريط لاصق تحته.
كان مكتوب على الظرف اسمي.
اتجمدت مكاني.
قلت:
— الظرف ده بقاله قد إيه هنا؟
قالت:
— والدك بيحط ظرف جديد هنا قبل كل مقابلة.
وقبل ما ألمسه، سمعت صوت حد ورايا بيقول:
— لو سمحتي… ماتفتحيهوش.
لفيت وشي ناحيته.لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيدلفيت وشي ناحيته.
كان راجل في أوائل السبعينات، واقف عند مدخل المطعم، لابس جاكيت رمادي قديم، وفي إيده عصاية.
بص لي وقال:
— لو سمحتي… ماتفتحيهوش هنا.
مسكت الظرف بإيدي أكتر.
— إنت مين؟
قرب ببطء.
النادلة بصت له كأنها تعرفه كويس.
قال:
— اسمي فؤاد… وأنا السبب إن أبوكي بييجي المطعم ده كل مرة.
فضلت أبص له وأنا مش فاهمة.
قلت:
— والست اللي في الصورة؟
بص ناحية الصورة وسكت ثواني.
أنا عملت الغلط ده.
فضلت أقول:
بكرة.
بكرة أقول لمحمود.
بكرة أكلم نادية.
بكرة أفهم فؤاد.
لحد ما البكرة خلص.
علشان كده لو في حاجة واحدة عايزاكي تتعلميها مني، فهي دي:
ما تخليش الخوف يختار بدل منك.
الحقيقة ممكن توجع.
لكن الأسرار بتوجع أكتر لما تكبر.»
وقفت.
ماقدرتش أكمل لحظة.
بابا حط إيده على كتفي.
وبعدين كملت.
«وفي حاجة أخيرة.
المطعم ده مش صدفة.
أنا ومحمود اتقابلنا فيه أول مرة.
ونادية كانت موجودة.
وفؤاد كان موجود.
وكامل كان موجود.
كل الحكاية بدأت هنا.
وعشان كده كان لازم تنتهي هنا.»
بصينا لبعض.
قلبت آخر صفحة.
«لو كلكم وصلتوا لنفس الترابيزة يومًا…
اقعدوا.
اطلبوا نفس الحلو اللي طلبناه ليلة الافتتاح.
واتكلموا.
المرة دي…
من غير أسرار.»
تحت الجملة كان مكتوب اسم نوع الحلو.
بابا ضحك وسط دموعه.
قال:
— كانت بتحبه جدًا.
نزلنا تحت.
قعدنا على نفس الترابيزة.
النادلة قربت.
بابا قال لها اسم الحلو.
ضحكت.
قالت:
— مش موجود في القائمة من زمان.
بابا قال:
— تقدري تعمليه؟
قالت:
— هحاول.
بعد ربع ساعة، رجعت بطبق واحد كبير.
وست معالق.
سامح ضحك لأول مرة.
قال:
— واضح إن والدتك خططت لكل حاجة.
قلت:
— تقريبًا.
فؤاد بص لنادية.
قال:
— عندي سؤال.
نادية بصت له.
— قولي.
قال:
— ليه لما رجعتي ماجتيش لي أنا الأول؟
نادية سكتت.
وبعدين قالت:
— لأن أصعب شخص تقابله بعد غياب طويل هو الشخص اللي كنت واثق إنه هيستناك.
فؤاد مسك إيدها.
— وأنا فعلًا استنيتك.
بكت.
سامح بص لها.
وقال:
— وأنا هحتاج وقت.
قالت:
— خد كل الوقت.
— بس عايز أسألك حاجة.
— اسأل.
— عندك صور ليا وأنا صغير؟
ضحكت من وسط دموعها.
— عندي صندوق كامل.
سامح هز راسه.
— يبقى نبدأ بيه.
بابا كان ساكت.
بصيت له.
قلت:
— وإنت؟
ابتسم.
— أنا؟
— كنت بتدور على نادية سنة ونص.
دلوقتي خلاص لقيتها.
هتعمل إيه؟
بص ناحية صورة أمي.
وقال:
— أعيش.
قلت:
— بس؟
— بس.
وبعدين ضحك.
— ويمكن أخرج فعلًا في مقابلة حقيقية المرة الجاية.
كلنا ضحكنا.
نادية قالت له:
— بس مش هنا.
بابا ضحك.
— لا. المطعم ده كفايته أسرار.
عدت شهور.
سامح بدأ يزور نادية.
في الأول مرة كل أسبوعين.
وبعدين كل أسبوع.
وبعد فترة، جاب مراته وأولاده.
اليوم اللي حفيدها الصغير ناداها فيه:
— يا تيتة نادية.
هي خرجت البلكونة لوحدها وبكت نص ساعة.
فؤاد رجع لأخته.
مش كأن الأربعين سنة ماحصلوش…
لكن كأنهم قرروا ما يضيعوش اللي باقي بسببهم.
أما بابا…
فخرج في مقابلة جديدة فعلًا.
في مطعم مختلف.
لما رجع سألته:
— هتكلمها تاني؟
قال:
— أيوه.
شهقت.
— أخيرًا مقابلة تانية!
ضحك.
— شوفي؟ لسه بعرف أتعلم.
وبعد سنة تقريبًا، رجعنا كلنا للمطعم القديم.
صاحب المكان كان رمّمه.
لكن حافظ على الصورة القديمة.
المرة دي الصورة كانت سليمة.
وش نادية ظاهر.
أمي جنب بابا.
فؤاد واقف وراهم.
وفي آخر الصورة كامل.
وقفنا كلنا قدامها.
سامح بص لكامل وقت طويل.
ثم قال:
— غريب.
سألته:
— إيه؟
نادية قالت:
— محدش بيتنسي طول ما حد فاكره.
بابا بص لأمي.
وقال:
— وهي كانت فاكرانا كلنا.
قبل ما نمشي، سألت النادلة:
— لسه فيه حاجة مستخبية هنا؟
ضحكت.
قالت:
— فتشنا الحيطة، والكراسي، والأوضة اللي فوق.
مفيش أي ظروف تانية.
قلت:
— الحمد لله.
بابا قال:
— متأكدة؟
النادلة ضحكت.
— متأكدة.
خرجنا.
وقبل ما أقفل باب المطعم ورايا، بصيت مرة أخيرة للصورة.
سنين طويلة وأنا كنت فاكرة إن أبويا بياخد كل ست لنفس المطعم لأنه مش قادر يبدأ من جديد.
الحقيقة كانت العكس تمامًا.
هو ماكانش بيرجع للمطعم لأنه عالق في الماضي.
كان بيرجع لأنه كان بيحاول يصلّح حاجة الماضي كسرها.
والستات اللي ماكلموهوش تاني؟
ماكانوش المشكلة.
ولا أبويا كان المشكلة.
كان فيه سر عمره أربعين سنة…
مستني ناسه يرجعوا لنفس الترابيزة.
وفي الآخر رجعوا.
مش علشان يمسحوا اللي حصل.
لكن علشان يبطلوا منه.
وبعد كل السنين دي…
الصورة أخيرًا بقت كاملة.
والظرف الأخير…
اتقفل للأبد. قال:




