روايات وقصص

ابويا وقف في مطبخي

أبويا وقف في مطبخي بيطلب مني يستلف ألف جنيه، وإيده كانت بتترعش من الإحراج.
وقبل ما يلحق يشرح محتاجهم ليه، مراتي بصت له بحدة وقالت
قوله يدور له على شغل. إحنا مش بنك.
أنا اديت أبويا الفلوس برضه.
وبعد 3 أيام، المستشفى اتصلت بيا وقالت إن أبويا دخل عملية طوارئ
وقبل ما يدخل العمليات، كان سايب لي ظرف مقفول، ومعاه تحذير واحد وصريح
إوعى مراتك تشوف الظرف ده.
كان أبويا حسن السيد جه بيتي عشان يستلف مني ألف جنيه.
وقبل ما يلحق حتى يقول محتاجهم في إيه، مراتي رانيا أهانته قدامي في المطبخ.
قالت بصوت عالي من غير حتى ما تحاول توطي صوتها
قوله يدور على شغل تاني. إحنا مش بنك.
أبويا وقف جنب رخامة المطبخ، حاطط إيديه الخشنة فوق بعض بقوة حكايات بسمة
كتافه كانت ميلة شوية، وعينيه مثبتة في الأرض.
عمري ما شفته بالشكل ده.
أبويا قضى أكتر من 30 سنة من عمره شغال بإيده.
كان بيشتغل في المقاولات، يشيل طوب، يصب خرسانة، ويصلح أسقف البيوت تحت شمس الصعيد الحارقة.
كان يرجع كل يوم مهدود من التعب، ومع ذلك عمره ما نسي يقعد معايا يراجع لي واجبي، أو يحضر لي سندوتشات المدرسة لليوم اللي بعده.
في مرة باع الموتوسيكل اللي كان بيحبه عشان يساعدني في مصاريف الجامعة.
ولما كان عندي 10 سنين، باع

بدلته الوحيدة الكويسة عشان يجيب لي جزمة مدرسة جديدة.
عمره ما حكى لي عن أي تضحية من دول.
ودلوقتي
كان بالعافية قادر يبص في عيني.
قال بصوت واطي
مش عشاني يا كريم.
سكت لحظة وكمل
أنا محتاج أطلع شوية أوراق رسمية، وأستشير محامي. وفيه كمان تحليل لازم أعمله.
رانيا شبكت دراعاتها وقالت بسخرية
دايمًا عنده مصيبة غامضة جديدة.
بصيت لها وحذرتها
خلاص يا رانيا.
لفت عينيها بضيق وراحت ناحية تانية.
خرجت مع أبويا بره البيت.
الجو كان دافي، لكن أبويا كان بيفرك إيديه في بعض كأنه بردان.
قال
أنا ما جيتش أعمل مشكلة يا ابني. لو مش قادر تديني الفلوس، أنا هتفهم.
سألته
إنت محتاج الأوراق دي ليه؟
بص لي شوية، وبعدين قال
أوراق تبني قديمة.
اتصدمت.
تبني مين؟
بص ناحية البيت، وكأنه بيتأكد إن محدش سامعنا.
وقال
لازم أتأكد بالدليل الأول قبل ما أقولك أي حاجة.
سكت لحظة.
غير كده، ممكن حد يقول إني خرفت أو إني بحاول أخرب جوازك.
قلبي اتقبض.
مين ممكن يقول عليك كده؟
ما ردش.
بس حط إيده الثقيلة على كتفي وقال
أنا بحاول أديك حاجة كان المفروض أديهالك من سنين طويلة.
نبرة صوته خوفتني.
لكن كنت عارف كويس هو قد إيه كان متضايق إنه يطلب مني فلوس.
أبويا طول عمره بيدي من غير ما يحسب هو دفع كام.
ومش هسيبه يشرح أو يبرر نفسه بعد ما اتعرض للإهانة في بيتي.
قلت له
استنى هنا، أجيب لك الفلوس.
ملامح الراحة ظهرت على وشه.
أوعدك هرجعهالك.
ما تشغلش بالك.
دخلت مكتبي وفتحت الخزنة الصغيرة اللي تحت المكتب.
طلعت منها مبلغ الطوارئ.
وفي اللحظة دي ظهرت رانيا عند باب المكتب حكايات بسمة
إنت بجد هتديهاله؟
آه.
إحنا اتفقنا إن أي مصاريف كبيرة لازم نتكلم فيها الأول.
وإحنا بنتكلم أهو.
لأ، إنت بتتجاهل كلامي تمامًا.
بصيت لها وقلت
أبويا عمره ما طلب مني جنيه واحد قبل النهارده.
وده مش معناه إنه مش هيبدأ يتعود.
ده أبويا.
ردت ببرود
وده بيتنا.
كلمة بيتنا ضايقتني جدًا.

البيت قانونيًا باسمي.
ورانيا عارفة ده كويس.
بل إن أبويا هو اللي دفع الجزء الأكبر من مقدم البيت أصلًا، بعد ما باع آخر قطعة أرض كانت جدتي سايباهاله.
رانيا كانت عارفة كل ده.
خرجت لأبويا ومديت له الظرف قدام باب البيت.
إيده كانت بتترعش وهو بياخده.
قال
أنا آسف يا ابني.
قلت له
إنت ما عندكش حاجة تعتذر عنها.
بص ناحية رانيا بسرعة، وحط الظرف جوه جاكت قماشي قديم كان لابسه.
ومشي.
من غير حتى الحضن اللي كان متعود ياخده مني كل مرة.
أول ما باب البيت اتقفل، رانيا لفت ناحيتي.
إنت أحرجتني.
بصيت لها وقلت
إنتِ اللي أهنته.
هو حتى مش راضي يقولك هيستخدم الفلوس في إيه.
هيقول لما يبقى جاهز.
إنت دايمًا بتقف في صفه.
بصيت لها وقلت
هو اختار يقف في صفي كل يوم من عمره.
ما اتكلمناش بعدها باقي الليلة.
وبعد 3 أيام
موبايلي رن من رقم غريب.
رديت.
حضرتك كريم السيد؟
أيوه.
أنا بتصل من مستشفى الجامعة في المنصورة. والد حضرتك، حسن السيد، كاتب رقمك كجهة اتصال في حالة الطوارئ حكايات بسمة
قمت من على الكرسي بسرعة لدرجة إنه خبط في الحيطة.
حصل له إيه؟
قالت الممرضة

 

وقع الصبح، ولما وصل المستشفى اكتشفنا وجود تمدد خطير في الشريان الأورطي، واضطرينا ندخله العمليات فورًا.
إيدي شدت على الموبايل.
هو هيكون كويس؟
حالته كانت مستقرة لما دخل العمليات، لكن قبل ما ياخد التخدير مباشرة، طلب مننا نسلمك ظرف مقفول.
سكتت لحظة، وبعدين قالت
وفيه كمان محامية مستنياك هنا.
اتخضيت.
محامية؟

اسمها الأستاذة إيمان رشدي.
خدت مفاتيح عربيتي بسرعة.
وقبل ما أقفل المكالمة، الممرضة قالت
والدك كان مصر جدًا إنك ما تتكلمش مع مراتك عن الظرف، لحد ما تقابل الأستاذة إيمان.
وقفت مكاني.
رانيا؟ هي مالها بكل ده؟
آسفة يا أستاذ، أنا فعلًا ما أعرفش.
قفلت المكالمة.
فضلت واقف ثواني مش قادر أتحرك.
وبعدين نزلت بسرعة وركبت عربيتي.
طول الطريق للمستشفى، دماغي كانت بتلف في نفس السؤال
إيه اللي أبويا اكتشفه في أوراق التبني القديمة؟
وليه، قبل ما يدخل عملية ممكن ما يخرجش منها
كان أهم تحذير عنده
إني ما أقولش لمراتي؟
وصلت المستشفى وأنا تقريبًا مش فاكر الطريق.
وأول ما دخلت الاستقبال، لقيت محامية قاعدة مستنياني، وفي إيدها ظرف بني مقفول.
بصت لي وقالت
إنت كريم؟
هزيت راسي.
مدت الظرف ناحيتي.
ده والدك طلب مني أسلمهولك شخصيًا.
أخدته.
وقبل ما أفتحه، قالت
بس لازم تعرف حاجة قبل ما تقرأه.
إيه؟
بصت لي بجدية وقالت
والدك ما كانش خايف إن مراتك تعرف اللي جواه من غير سبب.
سكتت لحظة.
هو كان خايف إنها تعرف إنك عرفت الحقيقة.
حكايات بسمة
سكنت الطرقات والممرات حولنا في مستشفى الجامعة بالمنصورة، ورائحة المعقمات تحيط بي كخناق يضيق على أنفاسي. كنت أسمع صوت أجهزة مراقبة النبض القادمة من خلف أبواب غرفة العمليات المغلقة كأنها دقات ساعة تحسب ما تبقى من عمر أبي… أو ما تبقى من حياتي الهادئة التي ظننت أنني بنيتها على أساس من الصدق والاستقرار.
وقفتُ وسط الممر ممسكًا بالظرف البني الثقيل بين يدي. كانت المحامية إيمان رشدي ترتدي بذلة رسمية داكنة، ونظراتها تنم عن صرامة واحترافية بالغة، لكن عينيها كشفت عن قدر كبير من الشفقة تجاهي.
سألتُها بصوت مبحوح خرج بصعوبة
ما الذي يعنيه كلامكِ يا أستاذة إيمان؟ ماذا يوجد داخل هذا الظرف؟ ولماذا رانيا بالتحديد؟
أشارت المحامية نحو مقاعد الانتظار الخشبية في زاوية هادئة بالقرب من العناية المركزة، وقالت بصوت خفيض
أستاذ كريم… والدك عم حسن جاء إلى مكتبي منذ يومين فقط. كان جسده مجهدًا للغاية، لكن عقله كان في أوج صفائه وثباته. أخرج من جيبه ألف جنيه، وقال لي هذا كل ما أملكه الآن، وأريدكِ أن تراجعي لي هذا الملف وتثبتي صحة الأوراق قانونيًا. ولما قرأتُ الملف، أدركتُ فورًا أن هذا الرجل اقتطع القوت من فمه، وحمل الإهانة في بيت ابنه، ليحميك من خطة طُبخت بدم بارد.
جلسنا على المقاعد. كان الظرف في يدي يحرق أناملي. انحنيت للأمام، وبدأت أصابعي المرتجفة تفك الشريط اللاصق الذي يغلقه.
أخرجتُ ما بداخل الظرف
كانت هناك أوراق رسمية قديمة، وصور لمستندات صادرة من إحدى دور الرعاية والتكفل بالقاهرة، إضافة إلى تقرير طبي مختوم بختم رسمي حديث، ورسالة مكتوبة بخط يد أبي، الخط المائل الخشن الذي أعرفه جيدًا منذ صغري عندما كان يكتب لي الملاحظات على أوراق دراستي.
فتحتُ رسالة أبي أولاً، وبدأت أقرأ كلماته التي كتبت بجهد واضح
ابني وحبيبي كريم…
إذا كنت تقرأ هذه السطور الآن، فهذا يعني أن الأجل قد دنا، وأنني قد أكون عند رب كريم لا يظلم عنده أحد. أعلم أنك عاتبتني في سرك لأنني طلبت منك المال، وأعلم أن زوجتك رانيا رأت فيّ رجلًا عجوزًا يشكل عبئًا على حياتكما… لكن يا بني، ما أردتُ أن أكون عبئًا، بل أردتُ أن أكون السند الذي يقيك الغدر قبل أن تفقد كل شيء.
يا كريم… قبل خمس سنوات، عندما تقدمت لخطبة رانيا، كنتَ تظن أنك اخترت فتاة من عائلة متوسطة بسيطة، وأن التوافق بينكما هو سبب نجاح هذا الزواج. لكن الحقيقة التي أخفيناها عليك لسنوات، هي أنك لست ابني البيولوجي يا كريم. أنا وأمك الراحلة لم نرزق بأطفال، وتكفلنا بك من دار رعاية وأنت طفل ابن أربعة أشهر، وأحببناك أكثر من أنفسنا، وكتبنا كل ما نملك باسمك.
لكن السر لم يمت يا بني…

دار الرعاية التي أتيت منها كانت تدار بواسطة عائلة صغيرة في القاهرة، ومنذ سنتين اكتشفتُ بالمصادفة أن والد رانيا كان أحد المحاسبين الماليين المسؤولين عن تلك الدار في التسعينات، وأن هناك سجلاً كاملاً يتضمن أسماء الأطفال المكفولين والعائلات التي تولت رعايتهم والأموال التي كُتبت بأسمائهم!
رانيا لم تلتقِ بك بمحض المصادفة في الشركة يا كريم… رانيا وعائلتها كانوا يعلمون جيدًا أنك الطفل المكفول الذي ورث عن عائلته الأصلية عائلة رجل أعمال توفي في حادث وقُيدت أملاكه باسم حسابات وصاية خاصة عقارات وأرضًا طائلة تم تحويلها باسمك قانونيًا عند بلوغك السن القانونية. رانيا دخلت حياتك بناءً على خطة تدبيرية أعدها والدها قبل وفاته، لترتبط بك، وتدفلك لتسجيل كافة ممتلكاتك باسمها أو كتابة توكيلات إدارة عامة لها بحجة الثقة الزوجية!
ال 1000 جنيه التي أخذتها منك، كانت لتسديد رسوم استخراج الشهادة الموثقة من وزارة التضامن الاجتماعي والمحكمة، والتي تثبت خطة التزوير والاستغلال المالي التي أعدتها رانيا وعائلتها، وتثبت أيضاً أصل ممتلكاتك الحقيقية لحمايتك قبل أن تنفذ خطوتها الأخيرة بطلب الطلاق واستنزاف أموالك.

لا تحزن يا بني لأنني لست والدك بالدم… فوالله ما أحببت في الدنيا أحدًا كما أحببتك. إياك أن تجعل رانيا تعلم أنك عرفت السر حتى تُمنح المحامية التوكيل وتتحفظ على الحسابات المعلقة.
المحب لك دائمًا… أبوك حسن السيد.

توقفت أنفاسي.
انسكبت الدموع من عيني على الأوراق المفرودة فوق ركبتي. كانت الصور المرفقة في الظرف تحتوي على عقود توكيل رسمية أعدتها رانيا بالفعل في مكتب أحد المحامين، وكانت تنتظر الفرصة المناسبة لتجعلني أوقع عليها بين الأوراق الإدارية الخاصة بشركتي، مستغلة ثقتي المطلقة بها!

كان التقرير الطبي المرفق يوضح أيضاً أن رانيا كانت تأخذ عقاقير لمنع الحمل لسنوات دون علمي، حتى لا تنجب مني أطفالاً يعطلون خطتها المالية السريعة للسيطرة على التركة ومغادرة البلاد!
رفعت رأسي إلى المحامية إيمان، وكانت الدموع تتساقط على وجنتي دون توقف.
صمتتُ تمامًا، بينما قالت الأستاذة إيمان

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى