روايات وقصص

ابويا وقف في مطبخي

كانت الشمس تشرق دافئة على شرفة شقتي الجديدة الكائنة بأحد الأحياء الهادئة.
كانت الأحكام القضائية قد صدرت بطلان كافة العقود والتداولات التي حاولت عائلة رانيا إجراءها، مع تغريمهم مبالغ طائلة تعويضًا عن الضرر الجنائي. واسترددتُ كافة حقوقي المالية التي أدارتها المحامية إيمان باحترافية كاملة.
لكن الأهم من كل المال والعقارات… كان يجلس في الشرفة.
كان أبي حسن السيد يجلس على كرسيه المريح، يرتدي جلبابه الأبيض النظيف، وأمامه كوب الشاي بالنعناع الذي يحبه. كان وجهه قد استعاد نضارته وصحته، وكانت عينيه تلمعان برضا وراحة بال لم أرهما طوال حياتي.
قربتُ منه، وحملتُ صينية الصباح، وقبلتُ رأسه الخالي من الشعر أمام الشمس.
ابتسم أبي وقال بصوته الدافئ
يسلم إيدك يا كريم يا ابني… تعبت نفسك ليه؟
جلستُ عند قدميه على الأرض، وحططتُ رأسي على ركبته الصلبة الخشنة كما كنت أفعل وأنا طفل في العاشرة من عمري
تعبك راحة يا أبي… الدكاترة قالوا إنك بقيت أحسن من الأول بمراحل، وأنا جهزت لك أوراق سفرنا للحج الشهر القادم كما كنت تحلم طوال عمرك.
رفع أبي يديه إلى السماء، وبكت عيناه دموع الفرح والامتنان
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما
كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله… ربي يحفظك يا كريم، ويرزقك الزوجة الصالحة والذرية اللي تصونك كما صنتني.
نظرتُ نحو السماء الصافية، وعرفتُ وقتها الحقيقة الكبرى في هذه الحياة
أن الأبوة ليست نطفة تُفرز ولا نسبًا يُكتب في الأوراق الرسمية… الأبوة هي ذلك القلب الذي يرتضي أن يحمل الشقاء والذل والإهانة ليحميك، والأب الحقيقي هو من يمنحك الحياة بصلابته وحبه الدافئ حتى آخر نفس في صدره.
تمت

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى