منوعات

رجعت البيت بدري عشان افاجئ مراتي

— قلتلك وقعت.

— شفايفها اتجرحت إزاي؟

— معرفش.

— وليه كانت خايفة لما قربت منها؟

أمي سكتت.

وبعدين قالت:

— الحمل مأثر عليها.

فضلت باصصلها.

— موبايلك فين؟

وشها اتغير.

حطت إيدها على جيبها.

وبعدين بدأت تدور.

— مش لاقياه.

طلعت الموبايل من جيبي وحطيته على الترابيزة.

لون وشها اختفى.

قالت:

— كان معاك؟

— أيوه.

— فتحته؟

ما رديتش.

هي فهمت.

جريت ناحية الموبايل.

لكن حطيت إيدي عليه قبلها.

قلت:

— مين صاحب الرقم؟

— رقم إيه؟

— اللي بيسألك «خلصتي منها ولا لسه؟»

شهقت.

— عمر…

— مين هو؟

— إنت فاهم غلط.

— والتحليل القديم إيه؟

رجعت خطوتين لورا.

أول مرة أشوف أمي بالشكل ده.

ماكنتش غاضبة.

كانت مرعوبة.

قلت:

— تحليل 1994.

قعدت على الكرسي.

قالت:

— ندى قالتلك؟

— لأ.

— أمال عرفت منين؟

— ده المهم؟

سكتت.

قربت منها.

— بابا كان أبويا؟

رفعت رأسها بسرعة.

— طبعًا!

— يبقى التحليل كان ليه؟

— موضوع قديم.

— ليه اتعمل مرتين؟

اتسعت عينيها.

— مين قالك؟

— وليه النتيجتين مختلفين؟

وقفت فجأة.

— كفاية!

قلت:

— مين بدّل العينة يا أمي؟

ضربت بإيدها على الترابيزة.

— قلت كفاية!

الصمت وقع بينا.

وبعدين قالت جملة عمري ما توقعتها:

— فيه أسرار يا عمر، لو عرفتها هتتمنى إنك فضلت جاهل بيها طول عمرك.

قلت:

— وأنا من حقي أقرر ده.

هزت راسها.

— لأ… مش المرة دي.

ومشت ناحية أوضتها.

ناديت:

— لو دخلتي الأوضة من غير ما تقولي الحقيقة، بكرة الصبح هروح لابن الدكتور فؤاد مراد.

وقفت مكانها.

ظهرها كان ناحيتي.

لكن شفت إيديها وهي بتترعش.

لفت ببطء.

— إنت عرفت فؤاد منين؟

وهنا اتأكدت إننا وصلنا للمكان الصح.

قلت:

— يبقى تعرفيه.

قعدت تاني.

فضلت ساكتة دقيقة كاملة.

وبعدين قالت:

— أبوك هو اللي طلب التحليل.

— ليه؟

— لأنه شك.

— شك فيكي؟

دموعها لمعت.

— أيوه.

— وكان عنده حق؟

ما ردتش.

قلت:

— أمي… كان عنده حق؟

همست:

— النتيجة الأولى قالت إنك مش ابنه.

حسيت صوتها جاي من آخر الدنيا.

مسكت ظهر الكرسي.

قالت بسرعة:

— لكن النتيجة كانت غلط!

— غلط إزاي؟

— عشان كده كررنا التحليل.

— والتاني؟

— أثبت إنك ابنه.

افتكرت التسجيل.

«مين بدّل العينة.»

قلت:

— مين اللي طلب إعادة التحليل؟

— أنا.

— والدكتور؟

— وافق.

— وبابا صدق النتيجة التانية؟

— أيوه.

— وإنتِ؟

سكتت.

قلت:

— إنتِ صدقتيها؟

دموعها نزلت.

— كنت محتاجة أصدقها.

الجملة كانت أسوأ من أي إجابة.

رجعت خطوة.

— مين الراجل اللي بيكلمك؟

قالت:

— مالوش علاقة.

— اسمه إيه؟

— عمر، سيب الموضوع.

— اسمه إيه؟!

وفجأة…

جرس الباب رن.

الساعة كانت قربت من نص الليل.

أنا وأمي بصينا لبعض.

رن تاني.

أمي وشها اصفر.

قالت:

— ما تفتحش.

— ليه؟

— عمر… بالله عليك ما تفتحش.

مشيت ناحية الباب.

مسكت دراعي.

— اسمع كلامي مرة واحدة.

بعدت إيدها.

وفتحت.

كان واقف قدامي راجل في أواخر الستينات.

شعره أبيض.

ولابس قميص رمادي.

أول ما شافني، ملامحه اتغيرت.

فضل يبصلي كأنه شاف شبح.

وبعدين بص لأمي.

قال:

— سعاد… إنتِ مجنونة؟ إزاي تسيبيه يوصل لفؤاد؟

قلت:

— حضرتك مين؟

الراجل رجع بصلي.

وقبل ما يرد، أمي قالت:

— امشي يا محمود.

محمود.

الاسم وقع في دماغي.

كنت سمعته قبل كده.

بس فين؟

الراجل قال:

— فات وقت السكوت.

أمي صرخت:

— قولتلك امشي!

لكنه تجاهلها.

بصلي وقال:

— عايز تعرف حكاية التحليل؟

قلت:

— أيوه.

قال:

— يبقى اسأل أمك ليه أبوك طلب التحليل أصلًا.

قلت:

— قالت إنه كان شاكك.

هز راسه.

— لأ.

أمي صرخت:

— محمود!

لكنه كمل:

— أبوك ما شكش فيها من نفسه.

بصيتله.

— أمال؟

قال:

— حد بعتله جواب مجهول بعد ولادتك بأسبوعين.

سألته:

— مكتوب فيه إيه؟

بص لأمي.

وبعدين رجع بصلي.

— مكتوب فيه إن الطفل اللي شايله على اسمه مش ابنه… وإن لو عايز يعرف أبوه الحقيقي، يدور وسط أقرب الناس ليه.

اتجمدت.

أقرب الناس لأبويا؟

قلت:

— مين بعت الجواب؟

محمود سكت.

أمي بدأت تعيط.

قلت:

— مين؟

رد محمود:

— أنا.

الصالة كلها سكتت.

قلت:

— إنت؟

هز راسه.

— أنا اللي بعت الجواب لأبوك.

قبضت إيدي.

— ليه؟

محمود أخد نفس.

— لأني وقتها كنت مقتنع إني أبوك.

أمي شهقت:

— كداب!

بصيت لمحمود.

وبعدين لأمي.

قلت:

— إيه؟

محمود قال:

— لكن بعد 32 سنة اكتشفت إن أنا كمان كنت غلطان.

مافهمتش.

قلت:

— يعني إيه؟

قرب مني خطوة.

— يعني التحليل القديم مش مخبي هوية أبوك بس يا عمر.

وسكت لحظة.

— التحليل مخبي حاجة حصلت يوم ولادتك… وأمك طول السنين دي كانت بتحاول تمنع أي حد يعرفها.

أمي انهارت على الكرسي.

أما محمود فبصلي وقال:

— ولو عايز الحقيقة كاملة، ما تسألش أمك.

— أمال أسأل مين؟

رد:

— اسأل الست اللي ولدت في نفس المستشفى وفي نفس الليلة اللي إنت اتولدت فيها.

حدقت فيه.

قال:

— لأنها لحد النهارده عايشة.

سألته:

— اسمها إيه؟

محمود فتح بقه علشان يرد…

لكن أمي سبقته بصوت مرتعش:

— لو قلت اسمها… مش هتشوفني تاني يا محمود.

محمود بص لها ثواني.

ثم قال لي:

— اسمها هالة.

تجمدت مكاني.

لأن الاسم ماكانش غريب عليا.

أنا كنت أعرف هالة.

والأسوأ…

إني قابلتها قبل كده عشرات المرات وأنا صغير.

لكن طول عمري كنت أعرفها باسم مختلف تمامًا:

«خالتي هالة».

مع إنها في الحقيقة…

ماكنتش خالتي أصلًا.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى