درجة اولي
جوزي حجز لنفسه درجة أولى، وسابني في الدرجة الاقتصادية في ذكرى جوازنا الـ25… لكن فجأة، قائد الطائرة أعلن اسمي في مكبر الصوت وطلب مني أروح قدام لوحدي.
طول 25 سنة، كنت أنا اللي شايلة البيت والعيلة، بينما جوزي كان بيبني مستقبله وشغله.
أنا اللي قعدت في البيت مع أولادنا الخمسة، حضرت لهم سندوتشات المدرسة، سهرت جنبهم وقت المرض، حضرت حفلات المدرسة، طبخت ونضفت، وحاولت أوفّر في كل جنيه وقت ما كانت الظروف صعبة.
أما هو، فكان بيحب دايمًا يقول عن نفسه:
— أنا اللي بصرف على البيت.
ونادرًا جدًا ما كان بيفتكر يقول إن شغله لساعات طويلة كان ممكن يستمر بالشكل ده بسببي أنا.
وعشان كده، لما فاجأني برحلة احتفالًا بذكرى جوازنا، افتكرت إنه أخيرًا عايز يحتفل بينا إحنا الاتنين.
لكن أول ما وصلنا المطار، اكتشفت إنه حجز لنفسه درجة أولى… وأنا درجة اقتصادية.
بصيت له بعدم تصديق.
— إنت بتتكلم بجد؟
رد بمنتهى البرود:
— ضهري ما يستحملش ست ساعات في الكراسي الضيقة دي.
بصيت له وأنا مش مصدقة.
— طب ما تحجز تذكرتين درجة أولى؟
لف عينيه بضيق وقال:
— عشان أنا اللي دفعت تمن التذاكر. إنتِ بقالك 25 سنة ما دخلتيش مرتب للبيت. احمدي ربنا إنك مسافرة أصلًا.
كان فيه كذا شخص واقف قريب وسمع كلامه.
حسيت وقتها إني نفسي أختفي من المكان.
قعدت أول ساعتين من الرحلة في الصف الأخير تقريبًا، بين ناس معرفهمش، بينما هو كان قاعد ورا الستارة في الدرجة الأولى بيشرب الشمبانيا.
كانت ذكرى جوازنا الخامسة والعشرين.
ومع ذلك، بطريقة ما، لقيت نفسي بقضيها لوحدي.
بعد حوالي أربع ساعات من بداية الرحلة، فجأة اشتغل مكبر الصوت داخل الطائرة.
وجاء صوت قائد الطائرة:
— نرجو من السيدة… أن تظل في مقعدها حتى يصل إليها أحد أفراد طاقم الطائرة. نرجو منها التوجه إلى مقدمة الطائرة. السيدة الموجودة في الدرجة الاقتصادية.
رفعت إيدي بتردد، زي طفلة في المدرسة.
وفجأة، كل اللي حواليّ بدأوا يبصوا لي.
جاءت إحدى المضيفات ووقفت بجوار مقعدي، ثم ابتسمت.
— حضرتك؟ من فضلك تعالي معايا.
بصيت لها بقلق.
— في حاجة حصلت؟
ابتسمت بهدوء.
— هتعرفي بعد شوية.
مشيت وراها ناحية مقدمة الطائرة، وقلبي بدأ يدق بسرعة.
وأول ما عدينا جنب الدرجة الأولى، جوزي قام من مكانه فجأة، كأنه اتلسع.
— إنتِ!
كان صوته منخفض، لكنه مليان توتر.
— إيه اللي بيحصل؟ هما بياخدوكي فين؟
بصيت له بصدق.
— معرفش.
مسك دراعي.
— مش هتروحي هناك.
اتشد صوته أكتر:
— سمعاني؟ أنا بمنعك تروحي!
وقفت المضيفة بيننا بكل هدوء وحزم.
— حضرتك، من فضلك ارجع لمقعدك.
رد بعصبية:
— أنا جوزها!
قالت بهدوء:
— وهي طُلب منها تتوجه لمقدمة الطائرة. من فضلك ارجع لمقعدك.
لكنه ما رجعش.
فضل ماشي ورانا.
ولما وصلنا لمقدمة الطائرة، اتفتح باب قمرة القيادة.
خرج قائد الطائرة.
وأول ما شفت وشه…
حسيت إن نفسي اتقطع.
وقفت مكاني مش قادرة أتكلم.
لكن ده ما كانش كل شيء.
لأني لاحظت حاجة كانت موجودة جنب قائد الطائرة.
رفعت إيدي على بُقي من شدة الصدمة.
— يا إلهي…
ومن ورايا، كان جوزي بيحاول يقرب على قد ما يقدر، لحد ما المضيفة منعته.
لكن أول ما شاف قائد الطائرة…
وبعدها شاف الحاجة اللي كانت واقفة جنبه…
لون وشه اتغير في أقل من ثانية.
من الأحمر…
للأبيض تمامًا.
وبص قدامه وهو مش مستوعب.
ثم قال بصوت مرتعش:
— إيه ده؟!
وسكت لحظة، قبل ما يصرخ:
— إيه اللي بيحصل هنا؟!لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
قائد الطائرة بص لجوزي ببرود، وبعدها رجع بعينه ليا وقال:
— واضح إن حضرتك لسه مش عارفني.
كنت واقفة مش قادرة أنطق.
لأن الراجل اللي قدامي…
كان ابني الكبير.
ابني اللي جوزي طول عمره كان بيقلل منه ويقوله إن شغله في الطيران «مش مضمون»، وإنه عمره ما هيوصل لحاجة.
لكن الصدمة الأكبر كانت في اللي واقف جنبه.
أولادي الأربعة الباقيين!
كلهم كانوا مستنييني بابتسامة كبيرة، وفي إيد أصغر بنت فيهم بوكيه ورد، وعلى الحيطة وراهم لافتة صغيرة مكتوب عليها:
«25 سنة وإنتِ أساس البيت.»
حطيت إيدي على بُقي، ودموعي نزلت غصب عني.
قلت:
— إنتوا… بتعملوا إيه هنا؟!
ابني قرب مني وحضني.
— بنحتفل بالشخص اللي فعلًا يستحق الاحتفال.
جوزي صاح من ورا المضيفة:
— يعني إيه الكلام ده؟! وأنا؟!
ابني بصله وقال بهدوء:
— إنت تحديدًا… محتاج تسمع حاجة قبل ما الرحلة تخلص.
جوزي اتوتر.
— أسمع إيه؟ابني مد إيده وأخذ ظرفًا من أخته.
ولما جوزي شاف الظرف…
وشه اتغير.
لأن اسمه كان مكتوب عليه بخط كبير.
جوزي حاول يقرب بسرعة.
— هات الظرف ده!
لكن ابني رجعه لورا وقال:
— لأ… الظرف ده لماما.
بصيت لأولادي وأنا مش فاهمة.
— فيه إيه؟
بنتي مسكت إيدي وقالت:
— قبل الرحلة بأسبوع، بابا كان بيتفاخر قدامنا إنه حجز لنفسه درجة أولى، وإنك «مش محتاجة رفاهية لأنك أصلًا ما اشتغلتيش يوم في حياتك».
جوزي قاطعها بعصبية:
— كنت بهزر!
رد ابني:
— إحنا الخمسة ما ضحكناش.
وبعدين بصلي وقال:
— ماما، إحنا كبرنا وعرفنا مين اللي كان موجود كل مرة احتجنا فيها حد.
واحد من إخواته قال:
— مين اللي كان بيسهر لما نمرض.
وقالت بنتي:
— ومين اللي كان بيوفر من احتياجاته علشان إحنا مانحسش بالنقص.
دموعي زادت.
فتح ابني الظرف وطلع منه تذكرة.
ناولها ليا.
بصيت عليها…
درجة أولى.
قلت بدهشة:
— دي ليا؟
ابتسم:
— لأ يا ماما… دي أقل مفاجأة.
جوزي ضحك بسخرية:
— عاملين المسرحية دي كلها علشان كرسي درجة أولى؟
ابني بصله بثبات.
— مين قال إن المفاجأة كرسي؟
وبعدين أخرج ورقة تانية من الظرف.
أول ما جوزي شافها…
اندفع ناحية ابنه وهو بيصرخ:
— إنت جبت الورقة دي منين؟!
مسكت الورقة وأنا مرعوبة.
— إيه دي؟
ابني قال:
— مش ورقة ضد بابا… دي هدية ليكي مننا إحنا الخمسة.
فتحتها.
كانت حجز رحلة كاملة بعد وصولنا، وفندق على البحر لمدة أسبوع.
لكن الاسم الموجود في الحجز…
كان اسمي أنا بس.
رفعت عيني باستغراب.
بنتي ضحكت وسط دموعها:




