روايات وقصص

انترفيو الأحلام

دخلت البنت وراه الأوضة الصغيرة، والباب اتقفل بهدوء.

لأول مرة من ساعة ما دخلت الشركة، حسّت إن محدش بيبص على هدومها.

الراجل حط الملف على الترابيزة، وسحب لها كرسي وقال:

— اتفضلي اقعدي.

فضلت واقفة.

— شكرًا… بس أنا تقريبًا اترفدت قبل ما أتعيّن، فمش حابة أعطّل حضرتك.

ابتسم ابتسامة خفيفة.

— مين قال إنك اترفدتي؟

بصت ناحية الباب.

— الست اللي كانت بتعمل معايا الإنترفيو.

رد بهدوء:

— هي مش صاحبة القرار النهائي.

سكت لحظة، وبعدين مد إيده:

— أنا عمر.

صافحته بتردد.

— سلمى.

— سلمى إيه؟

— سلمى محمود.

فتح ملفها اللي كانت ماسكاه.

أول ورقة كانت شهادة تخرجها.

وبعدها شهادات خبرة بسيطة من مكتب محاسبة صغير، ومخزن أدوية، وشركة شحن محلية.

رفع عينه لها:

— تقديرك ممتاز.

— أيوه.

— واشتغلتي وإنتِ بتدرسي؟

— من تانية كلية.

— ليه؟

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

— هو ده سؤال في الإنترفيو؟

قال:

— اعتبريه فضول.

ردت:

— علشان والدي توفى وأنا في أولى جامعة، وأمي عندها أربع أولاد غيري. كان لازم أساعد.

عين عمر وقعت تاني على كم الجاكيت.

على الغرزة الصغيرة اللي كانت الست من شوية بتبصلها باستهزاء.

سألها:

— والدتك هي اللي خيطته؟

سلمى اتفاجئت.

شدت كم الجاكيت تلقائيًا.

— أيوه.

— شغلها حلو.

بصتله كأنها مش متأكدة إذا كان بيسخر منها.

لكنه كان جاد.

قال:

— أبويا كان بيقول لي إن الحاجة اللي تتصلح بإيد حد بيحبك أغلى من حاجة جديدة اشتريتها بفلوسك.

لأول مرة من ساعة ما دخلت الشركة، ابتسمت بصدق.

لكن الابتسامة اختفت لما عمر فتح أوراق الحسابات.

— نرجع للموضوع المهم. إنتِ متأكدة من الفرق اللي شفتيه؟

قربت الكرسي وقعدت.

— لو الأرقام دي حقيقية، آه.

— قد إيه الفرق؟

قالت الرقم.

عمر سكت.

بص لها.

وبعدين بص للأوراق.

— عرفتي تحسبيه بالسرعة دي؟

— مش كله. لاحظت نمط التكرار الأول، وبعدها حسبت عينة.

مد لها آلة حاسبة.

— وريني.

قعدت سلمى حوالي عشر دقايق تراجع الأرقام.

عمر ماقاطعهاش.

كان واقف عند الشباك، لكنه كل شوية يبصلها.

الغريب إنه كان المفروض يكون مركز في مشكلة مالية ممكن تكون كبيرة.

لكن جزء منه كان مركز في البنت نفسها.

في طريقتها وهي بتحرك القلم.

في إنها مش بتحاول تبهره.

ولا بتضحك زيادة.

ولا بتتكلم معاه باعتباره الوريث اللي كل موظف في الشركة بيحاول يكسب رضاه.

بعد شوية رفعت رأسها.

— فيه مشكلة أكبر.

اتغير وشه.

— إزاي؟

لفت الورقة ناحيته.

— بص هنا.

قرب.

قالت:

— المبلغ مش ناقص مرة واحدة. فيه مبالغ صغيرة بتتسحب على فترات، وكل مرة تحت بند مختلف.

— يعني؟

— يعني لو دي غلطة، فهي غلطة بتتكرر بنفس الطريقة من شهور.

سكت عمر.

الجملة دي كانت كفاية.

لأن أبوه قبل وفاته بأسبوعين كان قال له كلامًا غريبًا.

«لما تمسك الشركة، ماتثقش في الأرقام لمجرد إنها مطبوعة قدامك.»

وقتها عمر افتكر إن والده بيتكلم عن ضغط الإدارة.

دلوقتي بدأ يفهم إن الجملة يمكن كان وراها معنى تاني.

رن الجرس الداخلي.

دخل مساعده الشخصي، حسام.

— أيوه يا فندم؟

عمر ناوله الأوراق.

— عايز النسخ الأصلية للحسابات دي، ومحدش يعرف.

حسام أخد الملف.

وقبل ما يخرج، بص لسلمى باستغراب.

عمر قال:

— وحسام…

— أيوه؟

— وقف كل المقابلات النهارده.

سلمى قامت.

— طيب أنا كده أمشي؟

عمر بص لها.

— لأ.

— ليه؟

— لأن عندي عرض ليكي.

ضحكت بعدم تصديق.

— عرض؟

— فترة اختبار شهر في الإدارة المالية.

اتسعت عينيها.

— بس أنا مقدمة على وظيفة مساعد إداري.

— عارف.

— وأنا خبرتي مش كفاية للإدارة المالية في شركة بالحجم ده.

رد فورًا:

— فيه ناس عندها خبرة عشر سنين وماشافتش اللي إنتِ شفتيه في عشر دقايق.

سكتت.

وبعدين قالت:

— والمرتب؟

قال لها الرقم.

فضلت ساكتة.

عمر افتكر إنها رفضت.

لكنها سألت:

— ممكن آخد بدل مواصلات؟

السؤال فاجأه.

— طبعًا.

نزلت عينيها وقالت:

— علشان السفر يوميًا غالي عليا.

قال عمر:

— الشركة عندها أتوبيسات للموظفين.

رفعت رأسها بسرعة.

— يبقى موافقة.

ابتسم.

— بالسرعة دي؟

— حضرتك سألتني عن سبب شغلي وأنا بدرس. السبب لسه موجود.

مد إيده.

— مبروك يا سلمى.

صافحته.

— شكرًا.

لكن قبل ما تخرج، قالت:

— ممكن أطلب حاجة؟

— طبعًا.

— أنا مش عايزة حد يعرف إني اتعينت علشان حضرتك تدخلت.

— وإيه اللي عايزاهم يعرفوه؟

رفعت رأسها بثبات.

— إني اتعينت علشان أستحق.

ابتسامته اختفت، وحل مكانها إعجاب واضح.

— اتفقنا.

خرجت سلمى.

وعمر فضل واقف مكانه.

بعد أقل من دقيقة دخل حسام.

— البنت دي مين؟

عمر رجع لكرسيه.

— موظفة جديدة.

حسام ابتسم بمكر:

— بس؟

عمر رفع عينه.

— بس إيه؟

— أنا بقالي معاك سبع سنين. أول مرة أشوفك تعمل مقابلة توظيف بنفسك.

— أنا ماعملتش مقابلة.

— وأول مرة توقف يومك كله علشان موظفة مقدمة على وظيفة بسيطة.

رمى عمر القلم قدامه.

— حسام…

ضحك حسام:

— خلاص سكت.

لكنه قبل ما يخرج قال:

— على فكرة… واضح إنها مختلفة.

عمر ما ردش.

لكن بعد خروج حسام، عينه راحت للكرسي اللي كانت سلمى قاعدة عليه.

وابتسم من غير ما يحس.

تاني يوم، سلمى وصلت قبل ميعادها بنص ساعة.

كانت لابسة نفس الجاكيت.

لكن القميص اللي تحته مختلف.

ولما دخلت الإدارة المالية، بدأت الهمسات.

— هي دي؟

— أيوه.

— اللي حصلت المشكلة بسببها امبارح؟

— بيقولوا المدير بنفسه عينها.

سمعت سلمى الكلام.

لكنها تجاهلته.

مدير الإدارة المالية، مدحت، استقبلها بابتسامة باردة.

— أهلًا يا آنسة سلمى.

— صباح الخير.

— واضح إن بدايتك قوية جدًا.

فهمت قصده.

قالت:

— أنا جاية أشتغل بس.

— أكيد.

أشار لمكتب صغير في آخر القاعة.

— ده مكانك.

قعدت.

على مدار الساعات الأولى، محدش كلمها تقريبًا.

وفي الظهر، واحدة من الموظفات قربت منها.

كانت اسمها دينا.

حطت فنجان قهوة جنبها.

— ماتزعليش منهم.

ابتسمت سلمى.

— مش زعلانة.

— هما فاكرين إنك عندك واسطة.

— معنديش.

دينا ضحكت.

— هنا كل واحد بيقول معنديش واسطة.

ردت سلمى:

— وأنا فعلًا معنديش.

وقبل ما دينا ترد، صوت مدحت جه من وراهم:

— آنسة سلمى.

قامت.

— نعم؟

ناولها ملف ضخم.

— عايز مراجعة ده قبل نهاية اليوم.

دينا بصت للملف بصدمة.

— ده محتاج يومين على الأقل.

مدحت قال:

— أنا ما سألتكيش يا دينا.

سلمى أخدت الملف.

— حاضر.

رجعت لمكتبها.

كانت عارفة إنه بيختبرها.

أو يمكن بيحاول يوقعها.

فضلت تشتغل ساعات.

الناس بدأت تمشي.

الساعة عدت ستة.

سبعة.

تمانية.

وفي الدور الأعلى، عمر كان لسه في مكتبه.

وقف عند الزجاج المطل على الإدارة.

شاف نور مكتب واحد بس شغال.

سأل حسام:

— مين لسه تحت؟

حسام بص.

— سلمى.

عمر عبس.

— ليه؟

بعد دقايق عرف موضوع الملف.

نزل بنفسه.

لما دخل الإدارة، لقاها حاطة راسها بين إيديها، وحواليها الورق.

قال:

— مساء الخير.

اتفزعت.

— حضرتك!

— إنتِ لسه هنا ليه؟

— عندي شغل لازم يخلص.

بص للملف.

عرفه فورًا.

— مين اداكي الملف ده؟

ترددت.

— أستاذ مدحت.

شد فكه.

— وقالك يخلص النهارده؟

— أيوه.

مد إيده ياخد الملف.

لكن سلمى منعته.

— لأ.

بصلها باستغراب.

1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى