روايات وقصص

انترفيو الأحلام

— لأ؟

— أنا قبلت المهمة.

— دي مهمة تعجيزية.

— عارفة.

— يبقى سيبيها.

هزت رأسها.

— لو سبتها علشان حضرتك جيت، بكرة كلهم هيقولوا إني فعلًا موجودة هنا بالواسطة.

سكت عمر.

وبعدين سحب كرسي وقعد قدامها.

— فاضل قد إيه؟

— ساعتين تقريبًا.

خلع الجاكيت بتاع بدلته.

— تمام.

— تمام إيه؟

— هنخلصه.

— إحنا؟

— عندك اعتراض؟

— حضرتك مدير الشركة.

ابتسم.

— والنهارده مساعد محاسب.

لأول مرة ضحكت سلمى قدامه.

ضحكة بسيطة.

لكن عمر حس إن الصوت ده عمل حاجة غريبة جواه.

اشتغلوا سوا.

وبعد ساعة تقريبًا، سلمى وقفت فجأة.

— عمر…

كانت أول مرة تناديه باسمه من غير «حضرتك».

هو نفسه لاحظ.

— إيه؟

أشارت على رقم.

— نفس النمط.

قرب منها.

راجع الرقم.

ثم فتح صفحة تانية.

وثالثة.

ملامحه اتغيرت.

المبالغ اللي سلمى اكتشفتها في اختبار المقابلة موجودة هنا كمان.

لكن بصورة أكبر.

وأخطر.

قال عمر:

— سلمى… إنتِ عارفة الملف ده خاص بإيه؟

— لأ.

قلب الغلاف ناحيتها.

كان ملف حسابات أحد أكبر مشروعات الشركة.

مشروع قيمته مئات الملايين.

قالت ببطء:

— يبقى الفرق هنا مش بسيط.

عمر اتصل بحسام فورًا.

— تعالى حالًا.

بعد عشر دقايق، حسام وصل.

بدأوا يراجعوا.

وبحلول العاشرة مساءً، الحقيقة الأولية كانت واضحة.

فيه مبالغ كبيرة بتخرج من الشركة من شهور.

بطريقة منظمة.

والشخص اللي بيعمل كده عنده صلاحية للوصول لحسابات حساسة جدًا.

سلمى قالت:

— فيه حاجة مش فاهمها.

عمر:

— إيه؟

— الملف ده وصل لي إزاي؟

الثلاثة سكتوا.

بص عمر للملف.

فعلًا.

ليه مدحت تحديدًا اداها الملف ده؟

هل كان بيحاول يعجزها فقط؟

ولا كان متأكد إنها مش هتقدر تراجعه؟

وفي اللحظة دي، تليفون المكتب رن.

رفع عمر السماعة.

— ألو؟

صوت موظف الأمن جه متوترًا:

— أستاذ عمر… حصلت مشكلة تحت.

— مشكلة إيه؟

— مكتب الحسابات اتفتح بعد انتهاء الدوام.

وقف عمر.

— مين فتحه؟

— مش عارفين. بس فيه ملفات اختفت.

بص عمر لسلمى.

وسأل:

— أنهي ملفات؟

جاء الرد:

— الملفات الخاصة بالمشروع الكبير.

نزل عمر عينه للملف اللي قدامه.

نفس المشروع.

قال للأمن:

— اقفلوا كل مخارج الشركة. محدش يخرج.

قفل.

سلمى قالت:

— هو اللي سرق الملفات عارف إننا اكتشفنا؟

عمر ما ردش.

لكن حسام قال:

— أو عارف إن الملف الغلط وصل للشخص الصح.

وفجأة…

صوت رسالة وصل لتليفون سلمى.

فتحتها.

رقم مجهول.

مجرد جملة واحدة:

«كان المفروض تمشي من الشركة لما قالولك امشي.»

وشها اتغير.

عمر أخد منها الموبايل.

قرأ الرسالة.

وبعدين وصلت رسالة تانية:

«الجاكيت المخيط مش هيحميكي المرة الجاية.»

رفع عمر عينه لها.

الإعجاب اللي كان في نظرته اختفى للحظة.

وحل مكانه خوف حقيقي عليها.

قال بحزم:

— من اللحظة دي، إنتِ مش هترجعي لوحدك.

لكن سلمى كانت بتبص للرسالة وهي حاسة بحاجة أبرد من الخوف.

لأن الشخص اللي بعتها…

ماكانش عارف بس رقم تليفونها.

كان عارف تفاصيل اللي حصل في المقابلة.

وده معناه إن اللي بيراقبها…

كان موجود قريب جدًا منهم من البداية.

يتبع…

دخلت البنت وراه الأوضة الصغيرة، والباب اتقفل بهدوء.

لأول مرة من ساعة ما دخلت الشركة، حسّت إن محدش بيبص على هدومها.

الراجل حط الملف على الترابيزة، وسحب لها كرسي وقال:

— اتفضلي اقعدي.

فضلت واقفة.

— شكرًا… بس أنا تقريبًا اترفدت قبل ما أتعيّن، فمش حابة أعطّل حضرتك.

ابتسم ابتسامة خفيفة.

— مين قال إنك اترفدتي؟

بصت ناحية الباب.

— الست اللي كانت بتعمل معايا الإنترفيو.

رد بهدوء:

— هي مش صاحبة القرار النهائي.

سكت لحظة، وبعدين مد إيده:

— أنا عمر.

صافحته بتردد.

— سلمى.

— سلمى إيه؟

— سلمى محمود.

فتح ملفها اللي كانت ماسكاه.

أول ورقة كانت شهادة تخرجها.

وبعدها شهادات خبرة بسيطة من مكتب محاسبة صغير، ومخزن أدوية، وشركة شحن محلية.

رفع عينه لها:

— تقديرك ممتاز.

— أيوه.

— واشتغلتي وإنتِ بتدرسي؟

— من تانية كلية.

— ليه؟

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

— هو ده سؤال في الإنترفيو؟

قال:

— اعتبريه فضول.

ردت:

— علشان والدي توفى وأنا في أولى جامعة، وأمي عندها أربع أولاد غيري. كان لازم أساعد.

عين عمر وقعت تاني على كم الجاكيت.

على الغرزة الصغيرة اللي كانت الست من شوية بتبصلها باستهزاء.

سألها:

— والدتك هي اللي خيطته؟

سلمى اتفاجئت.

شدت كم الجاكيت تلقائيًا.

— أيوه.

— شغلها حلو.

بصتله كأنها مش متأكدة إذا كان بيسخر منها.

لكنه كان جاد.

قال:

— أبويا كان بيقول لي إن الحاجة اللي تتصلح بإيد حد بيحبك أغلى من حاجة جديدة اشتريتها بفلوسك.

لأول مرة من ساعة ما دخلت الشركة، ابتسمت بصدق.

لكن الابتسامة اختفت لما عمر فتح أوراق الحسابات.

— نرجع للموضوع المهم. إنتِ متأكدة من الفرق اللي شفتيه؟

قربت الكرسي وقعدت.

— لو الأرقام دي حقيقية، آه.

— قد إيه الفرق؟

قالت الرقم.

عمر سكت.

بص لها.

وبعدين بص للأوراق.

— عرفتي تحسبيه بالسرعة دي؟

— مش كله. لاحظت نمط التكرار الأول، وبعدها حسبت عينة.

مد لها آلة حاسبة.

— وريني.

قعدت سلمى حوالي عشر دقايق تراجع الأرقام.

عمر ماقاطعهاش.

كان واقف عند الشباك، لكنه كل شوية يبصلها.

الغريب إنه كان المفروض يكون مركز في مشكلة مالية ممكن تكون كبيرة.

لكن جزء منه كان مركز في البنت نفسها.

في طريقتها وهي بتحرك القلم.

في إنها مش بتحاول تبهره.

ولا بتضحك زيادة.

ولا بتتكلم معاه باعتباره الوريث اللي كل موظف في الشركة بيحاول يكسب رضاه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى