الحفلة

وقف آسر عند آخر السلم وبصلها.
لثوانٍ، حنين شافت في عينيه نفس النظرة القديمة.
النظرة اللي كان بيبصلها بيها أول ما عرفها.
ابتسمت وسألته:
— حلو؟
لكنه رجع بسرعة لبروده.
— حلو… بس كان ممكن حاجة أبسط.
بصت لنفسها.
— أبسط من كده؟
— المستثمرين الأوروبيين مش بيحبوا المبالغة.
حنين كانت هترد.
لكن جرس الباب رن.
دخل الضيوف واحد ورا التاني.
ثم دخلت إنجريد.
طويلة، شقراء، أنيقة، ترتدي بدلة بيضاء بتصميم بسيط، وخطواتها ثابتة.
مدت إيدها لحنين بابتسامة مهذبة.
— أخيرًا قابلتك. آسر تحدث عنك.
حنين ردت بابتسامة:
— أتمنى يكون قال كلام كويس.
إنجريد ضحكت.
لكن آسر تدخل بسرعة:
— طبعًا.
حنين بصت له.
كانت تعرفه كفاية علشان تلاحظ توتره.
وطوال السهرة، لاحظت حاجة تانية.
آسر كان مختلفًا تمامًا مع إنجريد.
يضحك على كلامها.
يسمعها للنهاية.
يسألها عن رأيها.
ولو قاطعها حد، يرجع لها ويقول:
— كنتِ بتقولي إيه؟
حنين فضلت تراقب.
مش غيرة.
على الأقل، مش الغيرة وحدها.
كان وجع المقارنة.
لأن الرجل نفسه اللي كان بيقول لها: “اختصري”، كان مستعد يسمع إنجريد بالساعات.
والرجل اللي كان بيتضايق من ضحكتها العالية، كان بيضحك بصوت أعلى مع امرأة أخرى.
وفي نهاية السهرة، وهي بتجمع بعض الأكواب من فوق الترابيزة، سمعت واحد من المستثمرين يقول لآسر:
— زوجتك ساحرة جدًا.
حنين ابتسمت من بعيد.
لكن آسر رد بنبرة خافتة:
— هي مش متعودة على المناسبات دي.
توقفت يدها.
ثم أكمل:
— بتحب الحياة البسيطة أكتر.
الكلام في ظاهره مفيهوش إهانة.
لكنها فهمت معناه.
هو بيعتذر عنها.
بيفسر وجودها.
كأنها شيء يحتاج إلى شرح.
ومرت الشهور.
والعلاقة بين آسر وإنجريد خرجت بالتدريج من حدود العمل.
عشاءات متأخرة.
رحلات عمل لم تكن حنين تعرف عنها إلا قبل السفر بساعات.
رسائل في منتصف الليل.
ومكالمات يخرج آسر إلى الشرفة للرد عليها.
حنين لم تواجهه.
مش لأنها ضعيفة.
لكن لأنها كانت تجمع الصورة.
قطعة وراء قطعة.
إلى أن جاء صباح الحفل الخيري الأكبر في الغردقة.
الحفل الذي سيحضره رجال أعمال ومستثمرون وشخصيات معروفة في قطاع السياحة.
وكان آسر يتحدث عنه منذ أسابيع.
حنين كانت تظن أنها ستذهب معه.
اشترت فستانًا خصيصًا للمناسبة.
لكن قبل الحفل بيومين، دخل آسر غرفة الملابس وقال:
على فكرة… بكرة متتعبيش نفسك.
رفعت رأسها.
— في إيه؟
— الحفل.
— ماله؟
— أنا هروح لوحدي.
سكتت.
— لوحدك؟
— آه.
حنين فضلت باصة له.
ثم سألته:
— وإنجريد؟
تجمد للحظة.
لحظة واحدة فقط.
لكنها كانت كفاية.
قال:
— إنجريد موجودة باعتبارها شريكة في المشروع الجديد.
— وهتدخل معاك؟
— حنين…
— بسألك.
تنهد بعصبية.
— غالبًا آه.
هزت رأسها ببطء.
— يعني إنت مش رايح لوحدك.
— متلعبيش بالكلام.
— أنا مش بلعب.
اقتربت منه خطوة.
— إنت عايز تروح معاها بدل مراتك.
رفع حاجبه.
— لأن وجودها مهم للشغل.
— ووجودي يضرك؟
لم يجب.
وهنا ابتسمت حنين.
ابتسامة صغيرة جدًا.
— جاوبني يا آسر… وجودي بيكسفك؟
قال بسرعة:
— متكبريش الموضوع.
— قول آه أو لأ.
بدأ يفقد أعصابه.
— إنتِ عارفة إن النوع ده من المناسبات محتاج ناس تعرف تتعامل.
كانت الجملة كافية.
حنين لم تصرخ.
لم تبكِ.
قالت فقط:
— فهمت.
ثم تركته وخرجت.
لكنه لحق بها.
— حنين، متفهميش غلط.
التفتت له.
— لأول مرة أنا فاهمة صح جدًا.
وفي مساء الحفل، ارتدى آسر بدلته السوداء أمام المرآة.
حنين كانت في غرفة أخرى.
لم يسألها ماذا سترتدي.
ولم يسألها حتى إذا كانت ستذهب.
قبل أن يخرج، وقف عند الباب وقال:
— هسبقك.
كأنها جملة عادية.
لكن حنين عرفت معناها.
هو لا يريدها معه.
وبعد أقل من نصف ساعة، وصلتها صورة من حساب أحد منظمي الحفل.
آسر ينزل من سيارة فاخرة.
وإنجريد إلى جواره.
يدها ممسكة بذراعه.
والكاميرات أمامهما.
حدقت حنين في الصورة طويلًا.
الغريب أنها لم تبكِ.
وضعت الهاتف على الطاولة.
ومشت ناحية المرآة.
بصت لنفسها.
للمرأة التي قضت خمس سنوات تحاول تصغر نفسها علشان رجل لا يشعر بالنقص بجانبها.
للمرأة التي غيرت كلامها.
ملابسها.
ضحكتها.
حتى طريقة جلوسها.
وفجأة قالت لانعكاسها:
— كفاية.
رن هاتفها.
كان المتصل مريم فؤاد، صديقتها القديمة، والتي أصبحت واحدة من أشهر مصممات الأزياء في القاهرة.
— إنتِ لسه في البيت؟
حنين قالت:
— آه.
— وآسر؟
— راح.
سكتت مريم لحظة.
— معاها؟
— معاها.
جاء صوت مريم حاسمًا:
— حنين… افتحي الباب.
حنين اتفاجئت.
— باب إيه؟
وفي اللحظة نفسها، رن جرس البيت.
فتحت.
كانت مريم واقفة أمامها ومعها مساعدتان، وثلاث حقائب كبيرة.
حنين فتحت عينيها بدهشة.
— إنتِ بتعملي إيه هنا؟




