الحفلة

دخلت مريم وهي تقول:
— بمنعك تعملي أكبر غلطة في حياتك.
— غلطة إيه؟
التفتت لها مريم.
— إنك تقعدي هنا وهو بيقدم واحدة تانية للعالم كأنها الست اللي تستحق تقف جنبه.
حنين ضحكت بمرارة.
— هو مش عايزني هناك.
مريم قربت منها.
— ومن إمتى بتاخدي إذن من حد علشان تدخلي مكان إنتِ مدعوة له باسمك؟
تجمدت حنين.
— مدعوة باسمي؟
أخرجت مريم ظرفًا من حقيبتها.
دعوة ذهبية.
فتحتها حنين.
وقرأت اسمها.
السيدة حنين عادل السمنودي.
دعوة مستقلة.
قالت مريم:
— الدعوة وصلت لمكتبي بالغلط مع فستانك من أسبوع، وكنت فاكرة إنك عارفة.
حنين ظلت تنظر إليها.
ثم رفعت عينيها.
— هروح.
ابتسمت مريم.
— كنت مستنية الكلمة دي.
بعد ساعتين…
كانت السيارات الفارهة تتوقف تباعًا أمام الفندق المطل على البحر.
الكاميرات تلتقط الصور.
الموسيقى الهادئة تمتزج بصوت الأمواج.
في الداخل، وقف آسر مع إنجريد.
كانت ترتدي فستانًا فضيًا لامعًا.
وحولهم مجموعة من المستثمرين.
قال أحدهم:
— تبدوان رائعين معًا الليلة.
ابتسمت إنجريد.
أما آسر فلم يصحح الجملة.
بل اكتفى بابتسامة.
ثم حدث شيء غريب.
بدأت الرؤوس تلتفت ناحية المدخل.
واحدة وراء الأخرى.
توقفت بعض الأحاديث.
ثم التفت مصور.
ثم مصور ثانٍ.
ثم بدأت عدسات الكاميرات تتجه كلها تقريبًا في اتجاه واحد.
إنجريد لاحظت.
— ماذا يحدث؟
آسر التفت.
وتجمد.
عند أعلى درجات السلم المؤدي إلى القاعة…
وقفت حنين.
لكنها لم تكن حنين التي تركها في البيت.
كانت ترتدي فستانًا طويلًا بلون الزمرد الداكن، تصميمه راقٍ وهادئ، ينساب حولها بلا مبالغة.
شعرها الأسود الطويل تركته مريم منسدلًا في تموجات ناعمة.
مكياجها أبرز عينيها الشرقية الواسعة بدل ما يحاول يخفي ملامحها.
لم تحاول تبدو أوروبية.
لم تحاول تبدو مثل إنجريد.
لأول مرة منذ سنوات…
ظهرت كما هي.
شرقية.
دافئة.
واثقة.
فاتنة.
وبشكل جعل القاعة كلها تقريبًا تنتبه إليها.
آسر فتح فمه دون كلام.
أما إنجريد، فاختفت ابتسامتها تدريجيًا.
نزلت حنين أول درجة.
ثم الثانية.
وكانت الكاميرات تلتقط صورها.
اقترب منها أحد منظمي الحفل بسرعة.
— مدام حنين! سعيد جدًا إن حضرتك جيتي.
مد يده مرحبًا بها.
ثم جاء رجل أعمال كبير في السن.
— أخيرًا نتقابل يا مدام حنين.
ابتسمت باستغراب.
حضرتك تعرفني؟
ضحك.
— طبعًا أعرفك.
آسر، الذي اقترب منهم، توقف عند سماع الجملة.
الرجل أكمل:
— أنا عارف والدك من زمان.
اختفت ابتسامة حنين للحظة.
— والدي؟
— الله يرحمه. كان من أجدع الناس اللي تعاملت معاهم.
آسر بدا مصدومًا.
طوال خمس سنوات، كان يتعامل مع عائلة حنين باعتبارها عائلة متواضعة لا وزن لها في عالمه.
لكن الرجل أكمل:
— لولا والدك، أول مشروع ليا على البحر الأحمر كان فشل.
حنين ابتسمت بحنين.
— بابا عمره ما حكالي.
— لأنه كان راجل يعمل الخير ويسكت.
ثم مد ذراعه لها.
— تسمحيلي أعرفك على ناس كتير كانوا نفسهم يقابلوكي؟
قالت حنين:
— بكل سرور.
ومشت معه.
مرت من أمام آسر.
على بعد أقل من متر.
عيناه كانتا معلقتين بها.
انتظر أن تنظر إليه.
أن تتوقف.
أن تسأله عن إنجريد.
أن تغضب.
أن تفعل أي شيء يثبت له أنه ما زال مركز عالمها.
لكن حنين مرت من أمامه…
وكأنه شخص لا تعرفه.
لم تنظر إليه.
ولا حتى للحظة.
إنجريد التفتت لآسر وقالت بصوت منخفض:
— أليست هذه زوجتك؟
آسر لم يرد.
لأنه لأول مرة…
لم يكن يعرف ماذا يقول عن زوجته.
خلال أقل من نصف ساعة، أصبحت حنين محور عدد كبير من الأحاديث في القاعة.
الغريب أنها لم تكن تحاول.
كانت تضحك بعفويتها القديمة.
تتكلم بطريقتها.
لا تخفي لهجتها.
ولا تحسب كل حركة كما علّمها آسر.
وكان الناس من حولها مستمتعين.
أحد المستثمرين قال لها:
— عندك طريقة مختلفة جدًا في الكلام عن الناس اللي هنا.
قديمًا، كانت ستتوتر.
لكنها ابتسمت وقالت:
— أتمنى مختلفة بمعنى كويس.
ضحك الرجل.
— بمعنى حقيقية.
توقفت حنين.
نفس الكلمة.
حقيقية.
الكلمة التي قالها آسر أول مرة أحبها.
والتي قضى بعدها سنوات يحاول يمحوها منها.
على الطرف الآخر من القاعة، كان آسر يراقبها.
إنجريد تتحدث معه.
لكنه لم يكن يسمعها.
كل ما كان يراه…
رجال أعمال يقتربون من حنين.
نساء يطلبن التعرف عليها.
كاميرات تلتقط صورها.
وحنين تضحك.
بدونه.
فجأة قال:
— لحظة.
وترك إنجريد.
اتجه ناحية حنين.
وجدها تتحدث مع ثلاثة أشخاص.
وقف بجانبها وقال:
— حنين.
استمرت في الكلام.
كرر:
— حنين، ممكن دقيقة؟
نظرت إليه أخيرًا.
نظرة هادئة.
رسمية.
— مساء الخير يا أستاذ آسر.
الأشخاص حولهم سكتوا.
وجه آسر تغير.
— أستاذ آسر؟
ابتسمت.




