فيلم الحفيد

هذه الفنانة تم ترشيحها قبل الفنانة كريمة مختار لبطولة فيلم الحفيد ولكنها رفضت الدور ووصفته بالمسيء لها ولعائلتها
يعد فيلم “الحفيد”، من أهم أفلام السينما المصرية ورغم مرور ما يقارب 49 عامًا على عرضه إلا أن الفيلم مازال يحقق نجاحًا حتى الآن خاصة أغاني السبوع التي تقدم فيه ومازالت كل البيوت المصرية تستخدمها حتى اليوم.
الفيلم قامت ببطولته الفنانة كريمة مختار، والفنان عبدالمنعم مدبولي، وعدد كبير من النجوم، ولكن الفنانة كريمة مختار لم تكن المرشحة الأولى للفيلم فسبق ورشحت له فنانة أخرى، ولكنها رفضت الدور
الفنانة إحسان القلعاوي،هي المرشحة الأولى للفيلم و قالت إن رفضها له كان لأسباب شخصية فقد رفضت ارتداء ثياب النوم لتصور به مشهدا أمام عبدالمنعم مدبولي، في غرفه النوم حسب المشهد المكتوب، وأكدت أن الدور يسيء لها ولعائلتها.
روحت المستشفى أعمل مفاجأة لجوزي، لكن أول ما شافني زميله، وشه اتغيّر، وعينيه اتمَلوا دموع وقاللي: إنتِ جوزك ماقالكيش حاجة صح؟
أنا اسمي مريم، ومتجوزة أحمد بقالنا عشر سنين.
طول السنين دي، كنت دايمًا فخورة بيه.
أحمد دكتور، وأنقذ أرواح ناس كتير، وكنت دايمًا بقول لبنتنا إن باباها بطل، حتى لو شغله كان بياخد منه وقتنا.
لكن خلال السنة الأخيرة، كل حاجة بدأت تتغير.
بقيت أجهز له العشا وأستناه وفي الآخر آكل لوحدي.
فاتته عيد جوازنا.
وفاتته حفلة عيد ميلاد بنتنا.
وحتى في المناسبات اللي كنت بستناه فيها بالساعات، كان بيبعتلي نفس الرسالة: المستشفى ناقص موظفين يا مريم، ماتستنيش، وكلي إنتِ.
وفي أوقات كتير، ماكانش بيرجع البيت أصلًا.
كنت بزعل، آه، لكن كل ما أشوفه داخل الفجر، مرهق ومش قادر حتى يخلع هدومه، كنت أقول لنفسي: هو بينقذ ناس، يمكن أنا لازم أستحمل.
وفي ليلة، بصيت له وهو نايم من التعب، وابتسمت رغم كل اللي جوايا. وقلت في سري: نفسي مرة واحدة تحس إني أنا كمان محتاجاك.
وفي اليوم اللي بعده، قررت أعمل له مفاجأة.
لبست، وخدت معايا أكله المفضل، وروحت المستشفى من غير ما أقوله.
كنت متخيلة إنه أول ما يشوفني هيبتسم، ويمكن حتى يحضني قدام زمايله.
لكن أول ما دخلت المستشفى، حسيت إن في حاجة غلط.
الممرضات اللي كانوا يعرفوني من سنين أول ما شافوني، سكتوا فجأة.
واحدة منهم بصتلي وبعدين بصت لزميلتها.
التانية وشها شحب.
وقبل ما أسألهم في إيه، ظهر قدامي دكتور كريم، واحد من أقرب زملاء أحمد.
أول ما شافني، وقف مكانه. وشه كان أبيض بشكل غريب.
ابتسمت له وقلت: أنا جاية أفاجئ أحمد، هو فين؟
ماحدش رد.
ابتسامتي اختفت.
بدأت أحس إن قلبي بيخبط جامد.
يا جماعة في إيه؟ أحمد حصل له حاجة؟
وفجأة، شفت دكتور محمود بيقرب مني من آخر الممر.
كان ماشي ببطء، وعينيه مليانة دموع.
وقف قدامي، وبصلي ثواني طويلة من غير ما يتكلم.
وبعدين قال بصوت مكسور: مريم، أحمد ماقالكيش حاجة، صح؟
بصيت له وأنا مش فاهمة: حاجة إيه؟
سكت. نزل عينيه للأرض.
وساعتها عرفت إن السنين العشر اللي قضيتها مع جوزي كان فيها سر كبير جدًا. سر أحمد كان مخبيه عني من أكتر من سنة.
فضلت باصة لدكتور محمود، وأنا حاسة إن رجلي مش شيلاني.
حاجة إيه؟ اتكلم!
بص لدكتور كريم، وكأن الاتنين مستنيين واحد فيهم ياخد القرار.
وأخيرًا قال محمود: لازم تعرفي الحقيقة، بس مش هنا.
قربت منه خطوة: أنا مش هتحرك من هنا غير لما أعرف. جوزي فين؟
محمود سكت ثواني، وبعدين قال: أحمد مش موجود في المستشفى النهارده.
اتصدمت: إزاي؟! ده بقاله أكتر من سنة بيقولي إنه بيقضي معظم وقته هنا!
بص محمود للأرض: هو فعلًا كان بييجي هنا، بس مش زي ما إنتِ فاكرة.
حسيت إن نفسي اتقطع: يعني إيه؟
قبل ما يرد، سمعت صوت ممرضة من ورايا: دكتور محمود، كفاية.
لف ناحيتها. قالت: هي من حقها تعرف.
وبعدين رجع بصلي وقال: أحمد من حوالي سنة، اتعرض لحادثة وهو راجع من المستشفى.
شهقت: حادثة؟!
هز راسه: آه.
طب إزاي ماعرفتش؟!
لأنه طلب مننا مانقولكيش.
حطيت إيدي على الحيطة عشان ما أقعش: طلب منكم؟ ليه؟
محمود قرب مني وقال: لأن الحادثة ماكانتْش أخطر حاجة حصلت له.
بلعت ريقي بصعوبة: أومال إيه؟
طلع محمود موبايله، وفضل ساكت لحظة قبل ما يفتحه.
وبعدين وراني صورة.
أول ما شفتها، اتجمدت.
كانت صورة لأحمد. بس مش أحمد اللي أعرفه.
كان قاعد على سرير في غرفة علاج، ووشه مرهق، وفي إيده ورقة.
بصيت للصورة وبعدين لمحمود: إمتى اتصورت دي؟
من سنة وشهرين.
رفعت عيني له: يعني قبل ما يبدأ يتأخر في البيت؟
هز راسه: أيوه.
بدأت الدموع تنزل من عيني من غير ما أحس: وليه كان بيكدب عليا؟
محمود أخد نفس طويل: لأنه كان فاكر إن الكذبة دي هتحميكي.
ضحكت ضحكة قصيرة مليانة وجع: تحميني من إيه؟ من جوزي؟
ما ردش.
وفي اللحظة دي، موبايل محمود رن. بص للشاشة واتغير وشه تمامًا. قفل المكالمة بسرعة.
سألته: مين؟
قال بصوت واطي: أحمد.
قلبي وقف: أحمد؟!
هز راسه: وهو عايز يعرف إنتِ وصلتي لفين.
بصيت له وأنا مش قادرة أتكلم.
وبعدين سألته: هو فين دلوقتي؟
محمود بصلي للحظات. ثم قال جملة خلت الدم يهرب من وشي: في المكان اللي كان بيروحه كل يوم بعد ما يخرج من المستشفى.
فين؟
فتح محمود الموبايل، ووراني عنوان.
وأول ما قريت العنوان، عرفت المكان. كان نفس البيت اللي أحمد كان بيقولي طول السنة اللي فاتت إنه مايعرفوش حد فيه.
مسكت الموبايل بإيدي المرتعشة: خدني هناك.
محمود حاول يمنعني: مريم، لازم تعرفي حاجة قبل ما تروحي.
بصيت له: إيه؟
قال: الشخص اللي أحمد كان بيزوره هناك مش غريب عنه.
وسكت لحظة. ثم أضاف: ده شخص من عيلتكم.
اتسمرت مكاني: من عيلتنا؟
هز راسه: أيوه.
وفي اللحظة دي، وصلني على موبايلي إشعار برسالة من رقم أحمد.
فتحتها. كانت جملة واحدة بس: مريم، لو عرفتي الحقيقة، ماتدوريش ورايا.
فضلت باصة للرسالة كذا ثانية، وكأن مخي رافض يستوعب اللي قدامي.
مريم، لو عرفتي الحقيقة، ماتدوريش ورايا.
رفعت عيني لدكتور محمود: هو عارف إني هنا؟
محمود ماجاوبش.
دكتور محمود، أحمد عارف إني جيت المستشفى؟
هز راسه ببطء: أيوه.
وعارف إنكم قلتولي على كل ده؟
سكت. وهنا فهمت.
أحمد ماكانش غايب عن البيت صدفة. هو كان عارف إن يومًا ما ممكن الحقيقة توصلني.
بس ليه؟
مسحت دموعي بسرعة وقلت: خدني للعنوان.
محمود حاول يعترض: مريم، أحمد طلب مني ما…
قاطعته: أحمد طلب منك تخبي عني سنة كاملة وأنا احترمت ده. بس من اللحظة دي، أنا مش هحترم أي سر يخص حياتي.
سكت محمود.
وبعد دقائق، كنت قاعدة في عربيته.
طول الطريق ما اتكلمناش. كنت ببص من الشباك، وكل ذكرى بيني وبين أحمد بتعدي قدامي. ليالي استنيته فيها. أعياد ميلاد بنتنا اللي حضرها متأخر. عيد جوازنا اللي نسيه. والرسالة اللي كان بيبعتها كل مرة: المستشفى ناقص موظفين.
وفجأة سألت محمود: هو كان فعلًا في المستشفى كل الوقت ده؟
قال: جزء من الوقت.
والباقي؟
سكت.
محمود، بالله عليك.
تنهد وقال: كان بيروح البيت ده.
قلبي انقبض: ومع مين؟
بص قدامه وقال: لما توصلي، هتعرفي.
بعد حوالي عشرين دقيقة، وقفنا قدام بيت صغير في شارع هادي.
نزلت من العربية وأنا حاسة إن قلبي هيخرج من مكانه.
بصيت للعنوان. هو نفس العنوان اللي أحمد كان بيحلف إنه عمره ما راح له.
مشيت ناحية الباب. مديت إيدي أخبط، لكن قبل ما ألمسه، الباب اتفتح.
وظهرت قدامي ست كبيرة. أول ما شافتني، وشها اتغير.
فضلت باصة لي ثواني، وبعدين قالت: إنتِ مريم؟
اتجمدت: أيوه.
حطت إيدها على صدرها: يا نهار أبيض.
بصيت لمحمود. وبعدين رجعت لها: حضرتك تعرفيني؟
دموعها نزلت فجأة: أنا مش بس أعرفك.
سكتت. وبعدين قالت: أنا كنت مستنياكي من زمان.
حسيت بقشعريرة في جسمي: مستنياني ليه؟
ما ردتش. فتاحت الباب أكتر وقالت: ادخلي.
دخلت خطوة. وكان أول شيء شوفته في الصالة: صور. صور كتير جدًا. صور لأحمد. صور وهو صغير. صور وهو في كلية الطب. صور مع بنت صغيرة.
وقفت قدام الصورة الأخيرة. كانت البنت شبه أحمد بشكل يخض.
سألت بصوت مرتعش: مين دي؟
الست بصت للصورة. ثم قالت: دي بنت أحمد.
حسيت إن الأرض اتحركت من تحتي: بنت أحمد؟
محمود نزل عينيه. وأنا بصيت للست: أحمد عنده بنت؟
هزت راسها: أيوه.
من مين؟
الست قربت مني، ومدت إيدها تمسك إيدي: من بنتي.
سحبت إيدي بسرعة: بنتك؟
هزت راسها. وبعدين قالت الجملة اللي كسرت آخر حاجة كانت فاضلة جوايا: بنتي ماتت من سنة وشهرين، وهي آخر حاجة أحمد وعدها بيها قبل ما تموت.
سكتت لحظة. ثم قالت: إنه مايسيبش بنتها لوحدها.
بصيت ناحية الصورة مرة تانية. وفجأة فهمت سبب كل الساعات اللي كان بيقضيها بعيد عن البيت.
لكن لسه سؤال واحد كان بيقتلني: ليه خبّى عني إن عنده بنت؟
وقبل ما أسأل، سمعت صوت خطوات جاية من آخر الطرقة.
لفيت. وكان أحمد واقف قدامي.
وشه شاحب. وفي إيده ظرف أبيض.
بصلي ثواني طويلة. ثم قال: كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
قربت منه وأنا بعيط: عندك بنت وإنت مخبيها عني عشر سنين؟
هز راسه بسرعة: لأ يا مريم.
بصيت له بغضب: أمال إيه؟
فتح الظرف، وطلع منه شهادة ميلاد. مدها لي.
البنت دي مش بنتي بالدم.
بصيت للورقة. وبعدين رفعت عيني له: أمال بنت مين؟
أحمد بص للست الكبيرة. ثم رجع بصلي. وقال: بنت أختك.
اتجمدت: أختي؟!
وهنا عرفت إن السر الحقيقي ماكانش عن أحمد أصلًا. كان عن أختي أنا.
بنت أختي؟!
صرختها خرجت مني من غير ما أحس.
بصيت لأحمد، وبعدين للست، وبعدين للصورة.
أنا معنديش أخت!
أحمد قرب مني خطوة: عندك.
هزيت راسي بعنف: لأ! أنا عندي أخ واحد بس وإنت عارف ده!
الست الكبيرة بدأت تعيط: مريم، أختك كانت موجودة.
اتجمدت مكاني: كانت؟
أحمد بص في الأرض: اسمها سارة.
أول ما سمعت الاسم، جسمي كله اتنفض.
سارة. الاسم اللي أمي كانت بتمنعني أسأل عنه وأنا صغيرة. الاسم اللي كنت أسمعه مرة كل كام سنة في خناقات أهلي، وبعدها يسكتوا لما أدخل عليهم.
افتكرت فجأة صورة قديمة كانت في درج أمي. بنت صغيرة، أكبر مني بسنتين تقريبًا. كنت سألت أمي وقتها: مين دي؟ فقالتلي: قريبة بعيدة.
لكن ملامحها كانت قريبة مني بشكل غريب.
بصيت لأحمد: إنت كنت تعرف؟
قال بهدوء: من أول سنة في جوازنا.
حسيت كأن حد ضربني في صدري: من أول سنة؟
هز راسه: آه.
وفضلت ساكت عشر سنين؟
لأن الموضوع ماكانش بسيط.
ضحكت وسط دموعي: مفيش حاجة في الدنيا تبرر إنك تخبي عني أختي عشر سنين!
قرب مني وقال: لو كنت عرفتك وقتها، كان ممكن تدمري حياتك عشانها.
حياتي؟ دي أختي!
سكت. ثم قال: أختك ما ماتتش في الحادثة زي ما أهلك قالولك.
اتسمرت: إيه؟
الست الكبيرة مسحت دموعها وقالت: سارة كانت عايشة.
قربت منها: طب فين هي؟
بصتلي بحزن: كانت مريضة وماتت من سنة وشهرين.
حطيت إيدي على بقي.
كل حاجة بدأت تركب في دماغي. تأخر أحمد. المستشفى. البيت. البنت.
لكن سؤال واحد فضل موجود: والبنت دي؟
بصيت للصورة. أحمد قال: اسمها ليان.
بنت سارة؟
أيوه.
وأبوها فين؟
الصمت اللي حصل بعدها كان أغرب من كل الكلام.
بصيت لأحمد: أبوها فين؟
أحمد شد على الظرف في إيده: هو السبب الحقيقي اللي خلاني أخبي عنك كل حاجة.
مين هو؟
وقبل ما يرد، سمعنا صوت مفتاح بيلف في باب البيت.
الست الكبيرة شهقت: هو رجع.
أحمد اتغير وشه فجأة. قرب مني بسرعة وقال: مريم، مهما حصل ماتتكلميش.
مين اللي داخل؟
الباب اتفتح. ودخل رجل في منتصف الأربعينات.
أول ما شافني، وقف.
وأنا أول ما شفت وشه، ماقدرتش أتنفس.
لأني كنت أعرفه. مش بس أعرفه، ده كان الشخص اللي أمي قالتلي من سنين إنه مات.
أبويا.
الرجل اللي كنت فاكرة إني ماشفتهوش من وأنا طفلة.
بصلي وقال بصوت مرتعش: مريم.
وأحمد وقف بيني وبينه: كنت أتمنى ما تعرفيش بالطريقة دي.
صرخت: إنتوا كلكم كنتوا بتكدبوا عليا ليه؟!
وأبي بصلي بعينين مليانة دموع. ثم قال: لأن أختك ماكانتْش الوحيدة اللي كنت بحاول أحميها.
وسكت. ثم قال: كنت بحميكي إنتِ كمان.
مد إيده لجيبه، وطلع ظرف قديم. وحطه قدامي: ده جواب أمك، كتبته قبل ما تموت.
فتحت الظرف بإيدين بتترعش. وأول سطر قرأته كان:
يا مريم، لو وصل الجواب ده لإيدك، يبقى الوقت جه تعرفي الحقيقة عن اللي حصل لأختك، وعن أبوكي، وعن أحمد.
وقفت مكاني وأنا ماسكة جواب أمي، ومش قادرة أكمل القراءة.
بصيت لأبويا: عن أحمد؟ إيه علاقة أحمد بالموضوع؟
أبويا ما ردش. وأحمد قرب مني وقال: مريم، اقعدي الأول.
مش هقعد! أنا عايزة أعرف!
فتحت الجواب تاني، وبدأت أقرأ بصوت مرتعش:
يا مريم، سارة ما كانتش مجرد أختك. كانت بنتي اللي اتولدت في ظروف خلتني أخاف عليها منك، ومن أبوكي، ومن كل اللي حوالينا.
وقفت.
أخاف عليها مني؟!
أبويا غمض عينيه: كملي يا مريم.
كملت: لما سارة كبرت، اتعرفت على شخص غلط. الشخص ده كان أبو بنتها ليان. وبعد ما حملت، هربت بيا عندي، لكن أبوها الحقيقي عرف مكانها.
بصيت لأحمد: أبوها كان عايز يعمل إيه؟
رد أحمد: ياخد البنت.
ليه؟
أبويا قال: لأن ليان كانت مرتبطة بورث كبير، وأبوها كان عايز يوصل للفلوس من خلالها.
سكت لحظة، ثم أضاف: وسارة رفضت.
رجعت للجواب: في الليلة اللي اختفت فيها سارة، حصلت حادثة. بعدها الكل افتكر إنها ماتت، لكن الحقيقة إنها كانت عايشة، ومستخبية.
شهقت: يعني أمي كانت عارفة إنها عايشة؟
أبويا هز راسه: أيوه.
وإنت؟
كنت عارف.
بصيت لأحمد: وإنت كمان؟
قال: عرفت بعدها بسنين.
صرخت: وكل ده وأنا آخر واحدة تعرف؟!
أحمد ما دافعش عن نفسه. بس قال: لأن سارة هي اللي طلبت مني ماقولكيش.
ليه؟
أخرج من جيبه صورة قديمة. ناولني إياها.
كانت سارة واقفة جنب أمي، وحاضنة ليان.
لكن اللي شد انتباهي مش الصورة. كان على ظهرها تاريخ.
نفس تاريخ اليوم اللي أحمد بدأ فيه يتأخر عن البيت باستمرار.
رفعت عيني له: اليوم ده؟
هز راسه: سارة كانت في المستشفى.
يعني كانت بتموت؟
سكت. ثم قال: أيوه.
دموعي نزلت: وإنت كنت معاها؟
كنت معاها.
وأنا كنت مستنياك في البيت.
عارف.
وكنت بتقولي إن المستشفى ناقص موظفين!
غمض عينيه: كنت بكذب.
ضربته بكف إيدي على صدره: ليه؟!
مسك إيدي من غير ما يقاوم: لأنها طلبت مني قبل ما تموت إني أوعدها بحاجة.
إيه؟
بص ناحية ليان: إني أربي بنتها.
سكت لحظة. ثم قال: وأحميها.
بصيت للبنت الصغيرة اللي كانت واقفة في آخر الصالة، ووشها مليان خوف.
قربت منها ببطء. كانت بتبصلي كأنها مش عارفة أنا مين.
نزلت على ركبتي قدامها: اسمك ليان؟
هزت راسها.
ماما قالتلي إن خالتو مريم هتيجي يومًا ما.
قلبي اتكسر: ماما قالتلك إيه عني؟
ليان قربت خطوة: قالتلي إنك أحن واحدة في الدنيا.
غطيت وشي بإيدي وأنا بعيط.
وبعدين سمعت أبويا بيقول: بس لسه في حاجة أخطر يا مريم.
رفعت عيني له: إيه؟
بص لأحمد. أحمد هز راسه كأنه استسلم. ثم قال أبويا: سارة ما ماتتش بسبب مرضها.
اتجمدت: أمال ماتت إزاي؟
أبويا فتح الظرف القديم مرة تانية. طلع منه ورقة صغيرة. وحطها قدامي: دي آخر ورقة كتبتها سارة قبل موتها.
فتحتها. وكان مكتوب فيها: مريم، لو في يوم عرفتي الحقيقة، ماتثقيش في الشخص اللي تسبب في موتي، لأنه قريب منك أكتر مما تتخيلي.
رفعت عيني ببطء. بصيت لأحمد. وبعدين لأبويا. ثم للست الكبيرة.
وفجأة، سمعت صوت موبايل أحمد بيرن.
بص للشاشة. وشه اتغير. قال بصوت منخفض: هو عرف إنك هنا.
مين؟
أحمد ما ردش. بس قفل الموبايل.
وبعد ثواني، وصلني أنا كمان إشعار. رقم مجهول بعتلي صورة.
فتحتها. وكانت صورة ليا وأنا خارجة من المستشفى من شوية.
وتحتها رسالة قصيرة: دلوقتي عرفتي نص الحقيقة. لو عايزة تعرفي مين قتل أختك، تعالي لوحدك.
فضلت باصة للصورة على الموبايل، وإيدي بتترعش.
الصورة كانت ليا وأنا خارجة من المستشفى من أقل من نص ساعة. يعني الشخص اللي بعتها كان بيراقبني.
أحمد خطف الموبايل من إيدي: متروحيش.
بصيت له: أنا لسه ماقولتش إني هروح.
عارفك.
وإنت عارف مين بعتها؟
سكت. وهنا فهمت إن سكوته أخطر من أي إجابة.
أحمد، إنت تعرف الشخص ده؟
رفع عيني لي: أيوه.
مين؟
الشخص اللي سارة كانت خايفة منه.
أبويا تدخل بسرعة: ومش هتروحي له لوحدك.
قلت بعصبية: طب هعمل إيه؟ أفضل عايشة عشر سنين وأنا مش فاهمة حاجة؟
أحمد قرب مني: أنا هقولك كل حاجة.
دلوقتي؟
دلوقتي.
قعدنا في الصالة، وليان دخلت الأوضة مع الست الكبيرة.
أحمد أخد نفس طويل وقال: من عشر سنين، قبل جوازنا بشهرين، سارة اتصلت بيا.
بصيت له بدهشة: قبل جوازنا؟
أيوه.
وكانت عايشة وقتها؟
أيوه.
كمل: قالتلي إنها خايفة على بنتها، وإن في شخص بيدور عليها. طلبت مني لو حصل لها حاجة، أخلي ليان بعيدة عنه بأي طريقة.
وليه اختارتك إنت؟
سكت لحظة: لأن الشخص ده كان يعرفني.
مين؟
أحمد بص لأبويا. أبويا قال: أخو أمك.
اتصدمت: خالي؟
هز راسه: أيوه.
بدأت أفتكر حاجات قديمة. خالي كان دايمًا بيزورنا زمان، وبعدها اختفى فجأة. أمي كانت بتمنعني أجيب سيرته. وأبويا كان كل ما اسمه يتقال، يقوم من المكان.
قلت: هو اللي قتل سارة؟
أحمد رد: إحنا مش متأكدين.
مش متأكدين بعد كل ده؟!
عندنا أدلة، بس مفيش دليل مباشر.
أبويا مد إيده بورقة: ودي أهم ورقة.
بصيت فيها. كانت تحويلة بنكية بمبلغ كبير جدًا. والاسم اللي عليها كان اسم خالي. والتاريخ كان قبل وفاة سارة بيومين. لكن المستفيد كان شخصًا آخر.
قرأت الاسم. ثم تجمدت.
ده…
أحمد قال: أيوه.
ده مدير المستشفى اللي بتشتغل فيها.
هز راسه: بالضبط.
فهمت فجأة ليه أحمد كان بيقضي وقت طويل في المستشفى. هو ماكانش بيخوني. وماكانش بيتهرب مني. كان بيدور على دليل.
قلت: ليه ماقولتليش؟
أحمد بصلي بعينين مليانين ندم: لأن الشخص ده كان بيدور على ليان. ولو عرف إنك عرفتي، كان ممكن يستخدمك عشان يوصل لها.
سكت لحظة. ثم قال: وأنا خفت أخسرك إنتِ كمان.
دموعي نزلت.
بس قبل ما أقدر أرد، سمعنا صوت خبط قوي على الباب.
مرة. اتنين. تلاتة.
ليان خرجت من الأوضة وهي مرعوبة.
أحمد وقف فورًا: خدي ليان وادخلي الأوضة.
وإنت؟
أنا هتعامل معاهم.
أبويا مسك إيده: ما تفتحش.
الخبط وقف. حل مكانه صوت رجل من الخارج: مريم.
اتجمدت.
الصوت كان مألوفًا. جدًا.
بصيت لأحمد. هو كمان عرفه.
اقتربت من الباب من غير ما ألمسه. وسمعت الصوت مرة تانية: أنا عارف إنك جوه.
ثم قال اسمًا واحدًا جعل أحمد يفتح عينيه بصدمة: سارة.
لكن سارة كانت ماتت من سنة وشهرين.
فمين كان واقف خلف الباب وبيتكلم باسمها؟
فضلنا كلنا ساكتين.
صوت الرجل رجع من ورا الباب: مريم، افتحي.
بصيت لأحمد، وشفت الخوف لأول مرة في عينيه.
مين ده؟
قال بصوت واطي: مش عارف.
أبويا قرب من الباب، وبص من العين السحرية. وفجأة رجع خطوتين: مستحيل.
سألته: مين؟
بصلي، ووشه شاحب: الراجل اللي واقف بره مات من عشر سنين.
اتجمدت: إيه؟
أحمد قرب منه: مين؟
أبويا ما ردش.
وفي اللحظة دي، الرجل بره قال: عارف إنكم فاكريني ميت.
سكتنا كلنا.
ثم ضحك ضحكة قصيرة: بس أنا عشت عشان أعرف مين اللي حاول يقتلني.
أحمد فتح الباب فجأة.
صرخت: أحمد!
لكن الباب كان اتفتح بالفعل. والراجل اللي واقف بره دخل.
كان أكبر سنًا، ووشه عليه أثر جرح قديم ممتد من عند حاجبه لحد خده.
بص لأحمد. ثم لأبويا. وبعدين وقف قدامي: إنتِ مريم؟
هزيت راسي: أيوه.
مد إيده ببطء. لكن أحمد وقف بيني وبينه: ابعد عنها.
الراجل ابتسم: لسه بتحميها يا أحمد؟
أحمد اتوتر: إنت مين؟
رد: أنا الدكتور سامح.
شهقت. الاسم ده كان مكتوب في التحويلة البنكية.
مد الدكتور سامح إيده بملف قديم: أنا كنت مدير المستشفى اللي اشتغلت فيها سارة.
بصيت للملف: وإيه اللي يثبت إنك مش اللي أذيتها؟
قال بهدوء: مفيش.
ثم فتح الملف: عشان كده جبتلك الدليل.
أخذت الملف منه.
أول ورقة كانت تقريرًا طبيًا. وتحتها توقيع سارة.
قرأت أول سطر. ثم توقفت.
أنا لم أمت بسبب مرضي.
رفعت عيني للدكتور سامح: إيه ده؟
قال: دي آخر شهادة كتبتها سارة قبل وفاتها.
قلبت الصفحة. وكان مكتوبًا: لو حصل لي أي حاجة، المسؤول مش أخويا. المسؤول شخص من داخل عيلتي.
بصيت لأبويا. وشه اتغير.
مين؟
الدكتور سامح قال: سارة كانت تقصد شخصًا واحدًا.
وقبل ما يكمل، سمعنا صوت ليان من الغرفة: خالو أحمد!
جرينا كلنا ناحية الغرفة.
كانت النافذة مفتوحة. وليان مش موجودة.
وعلى السرير، كان في ظرف أبيض.
أحمد أخده وفتحه. جواه صورة قديمة لسارة. وعلى ظهر الصورة جملة واحدة:
لو عايزين البنت ترجع، مريم تيجي لوحدها للمكان اللي بدأت فيه الحكاية.
بصيت لأحمد: المكان ده فين؟
أبويا رد بصوت مكسور: بيتنا القديم.
بيتنا اللي في البلد؟
هز راسه: أيوه.
الدكتور سامح قال: لو رايحين هناك، لازم تعرفي حاجة.
إيه؟
بصلي مباشرة: سارة ما كانتش لوحدها يوم ماتت.
مين كان معاها؟
سكت لحظة. ثم قال: أمك.
اتسعت عيني: أمي؟
أبويا نزل رأسه: أيوه.
يعني أمي كانت موجودة يوم موت سارة؟
هز راسه: وكانت آخر واحدة شافتها.
حسيت إن كل حاجة كنت مصدقاها طول حياتي بتنهار.
أحمد مسك إيدي: مريم، هنروح هناك، بس مش لوحدك.
بصيت له: لا.
سحبت إيدي: المرة دي أنا اللي هروح.
مريم…
قاطعته: عشر سنين وإنت بتحميني من الحقيقة.
بصيت في عينيه: المرة دي أنا عايزة أشوفها بنفسي.
ثم أخذت مفتاح العربية من إيده.
وقبل ما نخرج، وصلني إشعار جديد على موبايلي. رقم مجهول.
فتحت الرسالة. وكان فيها تسجيل صوتي مدته ثلاث ثواني فقط.
شغلته. وفي أول ثانية سمعت صوت امرأة تبكي. وفي الثانية الثانية قالت: مريم.
وفي الثانية الأخيرة، سمعت صوت أمي بوضوح: ماتصدقيش أحمد.
فضلت ماسكة الموبايل، والتسجيل شغال قدامي مرة ورا التانية.
ماتصدقيش أحمد.
بصيت له. هو كان واقف قدامي، ووشه متجمد.
إنت سمعت؟
هز راسه: أيوه.
أمي قالت ماتصدقكش.
أحمد ما دافعش عن نفسه. بس قال: أنا عارف.
عارف إيه؟
عارف إن أمك كانت خايفة مني.
اتسعت عيني: وليه؟
قبل ما يرد، الدكتور سامح قال: لأن أمك كانت فاكرة إن أحمد السبب في اللي حصل لسارة.
بصيت لأحمد: وإنت فعلًا السبب؟
رفع عيني لي: لأ.
يبقى ليه أمي قالت كده؟
سكت طويلًا. ثم قال: لأن سارة قبل ما تموت قالتلها حاجة خلتها تشك فيا.
إيه هي؟
أحمد أخذ نفسًا عميقًا: سارة قالت لأمك إني كنت آخر شخص قابلها قبل الحادثة.
وإنت قابلتها؟
أيوه.
ليه؟
لأنها طلبت مني أساعدها تهرب بليان.
سكت لحظة. ثم قال: لكن لما وصلت، لقيتها مصابة.
حسيت بقشعريرة: مصابة بإيه؟
ضربة قوية في رأسها.
الدكتور سامح تدخل: وأنا اللي استقبلتها في المستشفى.
بصيت له: وإنت عارف مين ضربها؟
لأ.
طب ليه كل السنين دي ماحدش قال الحقيقة؟
قال: لأن اللي عمل كده كان عنده نفوذ، وكل واحد حاول يتكلم اختفى من الصورة.
وفجأة فهمت حاجة: طيب مين بعتلي التسجيل؟
محمود، اللي كان واقف ساكت طول الوقت، قال: الصوت ده مش تسجيل قديم.
بصيت له: إزاي؟
لأن أمك قالت كلمة في آخر التسجيل، والصوت واضح إنه متسجل قريب.
سكتنا جميعًا.
أحمد قرب مني: مريم، أمك ممكن تكون عايشة.
قلبي وقف: إنت بتقول إيه؟
أنا من سنة وأنا بدور عليها.
ليه؟
لأن سارة قبل موتها قالتلي إن أمك هتكون الهدف التالي.
اتراجعت خطوة: بس أمي ماتت من ست سنين!
أحمد هز راسه: الشهادة اللي عندكم مش أصلية.
سكت.
يعني إيه؟
طلع من الملف ورقة: دي نتيجة البحث اللي عملته.
ناولني إياها. كان مكتوبًا فيها إن شهادة الوفاة اتسجلت بعد تاريخ الوفاة بثلاثة أيام، ومن غير تقرير طبي معتمد.
حسيت بدوخة: يعني أمي ممكن تكون عايشة؟
أحمد قال: أنا مش متأكد.
ثم أضاف: لكن التسجيل ده معناه إن في حد عايزنا نصدق إنها عايشة.
بصيت له: عشان يخليني أروح للمكان القديم.
هز راسه: بالضبط.
سكتنا لحظة. ثم رن موبايل محمود. رد. وبعد ثواني، تغير وشه.
إيه؟
قفل المكالمة وبص لنا: لقينا ليان.
صرخت: فين؟!
قال: في بيت قديم قريب من المزرعة.
أحمد اتحرك فورًا ناحية الباب. لكن محمود مسكه: استنى.
ليه؟
لأن الشرطة وصلت هناك.
أحمد اتجمد: الشرطة؟
أيوه.
ثم أضاف محمود: وفي شخص سلم نفسه.
بصيت له: مين؟
طلع موبايله ووراني صورة.
أول ما شفت الصورة، إيدي بردت.
كان الشخص اللي في الصورة واقف قدام الشرطة. وشه مألوف جدًا. لدرجة إني عرفته فورًا.
كان خالي. الرجل اللي الكل قال إنه هرب من البلد من عشر سنين. واللي كنا فاكرينه ميت.
لكن الأغرب، إنه كان ماسك في إيده صورة قديمة لأمي.
وعلى الصورة مكتوب: أنا ماقتلتش سارة، أنا كنت بحاول أحمي مريم.
وصلنا المكان، وكانت الشرطة واقفة قدام البيت القديم.
أول ما نزلت من العربية، جريت ناحية ليان. لقيتها قاعدة جوه عربية الشرطة، مرعوبة، لكن من غير إصابات.
حضنتها بقوة: إنتِ كويسة؟
هزت راسها وهي بتعيط: الراجل ما أذانيش يا خالتو.
أنهي راجل؟
بصت ورايا: اللي قال إنه خالو.
اتجمدت: خالي؟
هزت راسها: أيوه، وقاللي إن ماما كانت بتحبك.
بصيت لأحمد. ثم دخلنا البيت.
كان خالي قاعد على كرسي، وإيديه متكتفة.
أول ما شافني، قال: أخيرًا جيتي.
وقفت قدامه: إنت عايش؟
ابتسم بحزن: أيوه.
وأمي؟
سكت.
صرخت: أمي فين؟!
رفع عيني لي: قبل ما أجاوبك، لازم تعرفي إن كل اللي سمعتيه عن موت أختك كان نص الحقيقة.
أحمد وقف جنبي: قول الحقيقة كاملة.
خالي بص له بغضب: إنت آخر واحد له حق يسألني.
اتوتر أحمد: ليه؟
خالي قال: لأنك كنت موجود يوم سارة ماتت.
رد أحمد فورًا: وكنت بحاول أنقذها.
لأ.
خالي ضرب بإيده على الترابيزة: إنت كنت سبب إنها تخرج من البيت أصلًا!
صرخت: كفاية!
الاتنين سكتوا.
بصيت لخالي: عايزة أعرف الحقيقة من أولها.
تنهد: سارة كانت اكتشفت إن أبو بنتها بيزور أوراق تخص ليان، وكان ناوي ياخد منها حضانتها ويستولي على فلوس كانت باسم البنت.
مين أبو ليان؟
خالي سكت. وبعدين قال: الشخص اللي كلنا كنا بندور عليه هو نفسه الشخص اللي أحمد كان بيحاول يوصله.
بصيت لأحمد: مين؟
أحمد ما ردش.
خالي هو اللي قال: مدير المستشفى.
اتصدمت: الدكتور سامح؟
هز راسه: أيوه.
بصيت لأحمد: بس سامح كان بيساعدنا!
خالي ضحك بمرارة: كان بيمثل عليكم.
في اللحظة دي، دخل ضابط وقال: عندنا مشكلة.
بصينا له.
الدكتور سامح اختفى.
أحمد قال: إيه؟
خرج من المستشفى من حوالي عشر دقايق، وساب موبايله ومفتاح عربيته.
قلبي بدأ يخبط. وبعدين افتكرت التسجيل. صوت أمي. ماتصدقيش أحمد.
سألت خالي: أمي فين؟
سكت طويلًا. ثم قال: أمك مش ميتة.
شهقت: فين؟
آخر مرة شفتها كانت في نفس المكان اللي سارة ماتت فيه.
فين؟
بصلي في عيني: المزرعة القديمة.
أحمد اتغير وشه: لا.
بصيت له: إيه؟
قال بصوت منخفض: أنا كنت فاكر إن المكان ده اتهد من سنين.
خالي رد: ما اتهدش.
ثم أخرج مفتاحًا قديمًا من جيبه. وحطه في إيدي: أمك سابت ده عندي.
بصيت للمفتاح. كان عليه رقم صغير: 17.
سألت: رقم إيه؟
خالي قال: مخزن رقم 17.
ثم قرب مني وقال: ولو أمك لسه عايشة، فهي موجودة هناك.
أحمد أمسك إيدي: مريم، مش هتروحي.
بصيت له: المرة دي هروح.
المكان خطر.
أمي هناك.
سكت.
خرجنا من البيت، والشرطة بدأت تتحرك ناحية المزرعة.
لكن قبل ما أركب العربية، وصلني اتصال من رقم مجهول.
رديت. ماحدش اتكلم. وبعد ثواني، سمعت صوت امرأة ضعيف جدًا: مريم.
اتجمدت. كان صوت أمي.
ماما؟!
سمعتها تبكي. ثم قالت: لو أحمد معاكي، اهربي منه.
وفجأة انقطع الاتصال.
بصيت لأحمد. كان واقف قدامي.
لكن قبل ما أقدر أقول أي كلمة، وصلتني رسالة جديدة من نفس الرقم.
فتحتها. وكان فيها صورة حديثة لأمي. واقفة داخل مخزن مظلم.
وتحت الصورة جملة واحدة: عندك ساعة واحدة، وبعدها مش هتلاقي أمك.
بصيت للصورة تاني، وقلبي كان هيقف.
أمي كانت فعلًا في الصورة. مش صورة قديمة. كانت لابسة نفس العباءة اللي كنت شايفاها في تسجيل الكاميرا من كام يوم.
يعني أمي عايشة. وأنا كنت بدفنها في خيالي ست سنين.
رفعت عيني لأحمد: إنت كنت عارف إنها عايشة؟
قال فورًا: لا.
بص في عيني وقولها تاني.
بصلي مباشرة: والله ما كنت عارف.
خالي تدخل: أحمد كان بيدور عليها، لكن هو نفسه ماكانش يعرف مكانها
سألته: وإنت عرفت إزاي؟
لأن أمك هي اللي طلبت مني أختفي.
ليه؟
سكت لحظة: عشان تحميكي.
اتعصبت: كل واحد فيكم بيقول إنه بيحميني! وفي الآخر أنا الوحيدة اللي عشت عشر سنين وسط أكاذيب!
ماحدش رد.
أخذت نفسًا عميقًا: أنا رايحة للمزرعة.
أحمد قال: وأنا معاكي.
بصيت له: لأ.
مريم…
أمي قالتلي ما أثقش فيك.
سكت. ثم قال بهدوء: وأنا مش هطلب منك تثقي فيا.
قرب مني: بس هطلب منك تسمحيلي أحميكي لحد ما نعرف الحقيقة.
بصيت له فترة. وبعدين ركبت العربية.
تحركنا ناحية المزرعة.
طول الطريق، محدش اتكلم.
لحد ما وصلنا.
كانت المزرعة مهجورة تمامًا. البيت القديم مظلم. والريح بتحرك الأشجار حوالينا.
خالي أشار لمبنى صغير في آخر الأرض: المخزن 17 هناك.
مشيت ناحية الباب. كل خطوة كانت بتخوفني أكتر.
طلعت المفتاح. دخلته في القفل.
لكن قبل ما ألفه، سمعت صوت أمي من جوه: مريم؟
دموعي نزلت فورًا: ماما!
لفيت المفتاح وفتحت الباب. دخلت.
كانت أمي قاعدة على كرسي، إيديها مربوطين، لكنها واعية.
جريت عليها وفكيت الرباط. حضنتها وأنا بعيط: إنتِ عايشة!
حضنتني بقوة: سامحيني يا بنتي.
ليه عملتي فيا كده؟
فضلت تعيط: كنت خايفة.
من مين؟
بصت ورايا. أول ما شافت أحمد، وشها اتغير: هو.
أحمد وقف مكانه.
أمي قالت: هو السبب إن سارة ماتت.
اتصدمت: ماما!
أحمد هز راسه بحزن: كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
صرخت فيه: يعني إيه؟!
أمي قالت: أحمد كان مع سارة آخر ليلة.
عارفة.
لكنه ماقالكيش إنه هو اللي نقلها من المكان اللي اتصابت فيه.
بصيت لأحمد: إنت نقلتها؟
قال: أيوه.
أمي صرخت: ولما نقلها، كانت لسه عايشة!
سكت أحمد.
قلبي وقع: أمال ماتت إزاي؟
أمي بصتلي: ما ماتتش في الحادثة.
سكتت لحظة. ثم قالت: سارة ماتت في المستشفى.
بصيت لأحمد: وإنت كنت معاها.
هز راسه: أيوه.
وإيه اللي حصل؟
قبل ما يرد، سمعنا صوت تصفيق بطيء من عند باب المخزن.
لفينا كلنا.
الدكتور سامح كان واقف هناك. وفي إيده مسدس.
ابتسم وقال: أخيرًا اتجمعتم كلكم.
خالي رفع إيده بهدوء: سامح، خلصنا.
ضحك: لسه.
ثم وجه السلاح ناحية أحمد: هو لسه ماقالهاش الحقيقة الأهم.
بصيت لأحمد: إيه الحقيقة؟
سامح ابتسم: اسأليه ليه سارة كانت في المستشفى أصلًا.
أحمد غمض عينيه. وأمي بدأت تبكي.
ثم قال أحمد بصوت مكسور: لأنها كانت حامل.
سكت.
ومش بأبوة الشخص اللي مريم فاكرينه.
وبصلي: كانت حامل بطفلي أنا.
حسيت إن الدنيا وقفت.
بصيت لأحمد، وأنا مش قادرة أستوعب اللي سمعته: إنت إيه؟
أحمد ما قدرش يبص في عيني: مريم، الموضوع مش زي ما إنتِ فاكرة.
ضحكت من الصدمة: مش زي ما فاهمة؟! إنت بتقولي إن أختي كانت حامل منك؟
أمي انفجرت في البكاء.
أما الدكتور سامح فابتسم وقال: أهو أخيرًا الحقيقة ظهرت.
صرخت فيه: اسكت!
لكن أحمد رفع عيني وقال: سامح بيحاول يخلّيكي تكرهي كل الناس اللي حواليكي.
وإنت عايزني أصدقك بعد اللي سمعته؟
لأ.
سكت لحظة. بس اسمعيني للآخر.
خالي تدخل: لازم تعرفي كل حاجة قبل ما تحكمي.
بصيت لأحمد: اتكلم.
أخذ نفسًا عميقًا: سارة ما كانتش أختك بالدم.
اتجمدت: إيه؟
أمي رفعت عيني: دي الحقيقة اللي خفت أقولها لك.
أحمد كمل: سارة كانت بنت أبوكي من زوجة تانية قبل ما يتجوز أمك.
بصيت لأمي: يعني…
أيوه، هي أختك من ناحية الأب، مش من أمك.
دموعي نزلت.
لكن السؤال الأصعب فضل موجود: وبرضه كانت حامل منك.
أحمد هز راسه: أيوه.
ليه؟
صمت طويل. ثم قال: لأن سارة كانت محتاجة مساعدة، مش علاقة.
بصيت له باستغراب: إيه؟
قال: لما كانت في الجامعة، اتعرضت لمشكلة كبيرة، والشخص اللي كانت مرتبطة بيه كان بيهددها. هي لجأت ليّ، وفضلت فترة بتتعالج نفسيًا وجسديًا عندنا في المستشفى.
سامح ضحك بسخرية: كذاب.
أحمد تجاهله: قبل وفاتها بأيام، قالتلي إنها حامل.
منك؟
هز راسه: لأ.
اتصدمت: أمال ليه قلت إنها كانت حامل منك؟
أحمد بص للدكتور سامح: لأن سامح كان عايز يخليني أتحمل ذنب طفل مش طفلي.
سامح شد قبضته على السلاح: كفاية!
أحمد كمل: سارة كانت حامل من الرجل اللي كانت مرتبطة بيه. لكن سامح زوّر التحاليل وخلى الكل يصدق إن الطفل له علاقة بيا.
بصيت لأمي: وإنتِ كنتِ عارفة؟
هزت راسها وهي بتعيط: عرفت بعد وفاة سارة.
الدكتور سامح بدأ يتراجع ناحية الباب.
خالي قال: الشرطة برا.
سامح ابتسم: مش هتقدروا تثبتوا حاجة.
وفجأة، طلع صوت صفارات من بعيد.
سامح بص ناحية الباب. وبعدين بص لأحمد: إنت اللي اتصلت؟
أحمد قال: لأ.
سامح اتجمد: أمال مين؟
دخل ضابطين للمخزن. واحد منهم قال: إحنا اللي اتصلنا.
الدكتور سامح حاول يهرب. لكن الشرطة قبضت عليه.
وقبل ما يخرج، وقف وبصلي: إنتِ فاكرة إن كل حاجة خلصت؟
ما رديتش.
قال: اسألي جوزك عن اللي حصل في الليلة اللي ماتت فيها سارة.
ثم خرج.
فضلت باصة لأحمد: إيه اللي حصل؟
أحمد نزل عينيه: سارة كانت عارفة إنها هتموت.
وإنت؟
حاولت أخرجها من المستشفى.
ونجحت؟
هز راسه: لا.
دموعي نزلت: طب ليه فضلت ساكت عشر سنين؟
قال: لأن قبل ما تموت، طلبت مني وعد.
إيه؟
إنها لو ماتت، أحميكي إنتِ وليان.
بصيت ناحية أمي: وليان؟
أمي قالت: ليان كانت بنت سارة.
أحمد أضاف: وعشان كده قضيت السنة اللي فاتت بعيد عنك.
بتحمي ليان؟
وبحاول أجيب الدليل اللي يثبت إن سامح هو اللي زوّر كل حاجة.
سكت. وبعدين قال: بس في حاجة واحدة ماكنتش عارف أقولها لك.
إيه؟
طلع من جيبه ظرف قديم: سارة كتبتلك رسالة قبل ما تموت.
مدها لي.
فتحتها. وكان أول سطر فيها: مريم، أحمد ماخانكيش، لكني أنا السبب في إن حياتكم اتغيرت من غير ما تعرفي.
وبعدها سطر واحد خلاني أرفع عيني لأحمد في صدمة: لأن بنتي ليان مش بنت الرجل اللي كل الناس فاكرينه.
فضلت ماسكة الرسالة، وعيني واقفة عند الجملة الأخيرة.
بنتي ليان مش بنت الرجل اللي كل الناس فاكرينه.
بصيت لأحمد: يعني إيه؟
أحمد كان ساكت.
أمي قالت وهي بتبكي: كملي الرسالة.
رجعت أقرا.
مريم، لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أنا مش موجودة. ليان بنتي، وده أكيد. لكن أبوها الحقيقي مش الشخص اللي اتقال لك عنه.
قلبي بدأ يخبط.
قبل ما أموت، اكتشفت إن أبو ليان الحقيقي هو الشخص اللي كان بيدور عليها طول السنين دي.
رفعت عيني: سامح؟
أحمد هز راسه: أيوه.
اتصدمت: الدكتور سامح هو أبو ليان؟
أمي قالت: سارة كانت مرتبطة بيه قبل ما تعرف حقيقته.
كملت القراءة: سامح كان عايز ليان عشان يوصل لشيء أكبر من مجرد البنت.
إيه؟
أحمد رد: ميراث.
بصيت له: ميراث مين؟
أخرج ملفًا من شنطته: جد ليان كان رجل أعمال كبير. قبل وفاته، حط جزء من ثروته باسم حفيدته الوحيدة.
فهمت: يعني سامح كان عايز البنت عشان ياخد فلوسها؟
بالضبط.
رجعت للرسالة: لكن في حاجة أهم. سامح مش لوحده.
وقفت.
بصيت لأمي: مين معاه؟
أمي بدأت تبكي: أنا عارفة.
مين؟
رفعت عينيها لأحمد: أبو مريم.
اتجمدت: بابا؟
هزت راسها: أبوكي كان شريك سامح في الخطة.
حسيت إن نفسي اتقطع: بس بابا مات من سنين.
أمي مسكت إيدي: هو ما ماتش.
سكتنا كلنا.
وبعدين فهمت ليه خالي قال إن كل اللي أعرفه عن عيلتي كان كذبة.
لكن قبل ما أقدر أستوعب، سمعنا صوت سيارة بتقف قدام المزرعة.
أحمد بص من الشباك. وشه اتغير.
مين؟
قال: مش عارف.
خالي قرب من الشباك. وبص للخارج. ثم رجع خطوة: هو.
سألته: مين؟
قال بصوت منخفض: أبوكي.
اتجمدت: مستحيل.
الباب الخارجي اتفتح. ودخل رجل مسن، شعره أبيض، ووشه مازال محفور في ذاكرتي رغم السنين. نفس العينين. نفس الصوت.
قال: مريم.
دموعي نزلت: بابا؟
ابتسم. لكن ابتسامته ماكانتش فيها أي حنان: كبرتي.
أحمد وقف قدامي: ابعد عنها.
أبويا بص له: وإنت لسه بتلعب دور المنقذ؟
أحمد رد: انتهى كل شيء.
ضحك أبي: بالعكس.
ثم بص ناحية ليان: كل شيء بدأ دلوقتي.
أحمد اتغير وشه: ليان مش هتيجي معاك.
أبويا قال بهدوء: مش أنا اللي جاي آخدها.
سكت لحظة. ثم أخرج هاتفه. ضغط على زر.
وفي نفس اللحظة، وصلني إشعار على موبايلي. فتحت الرسالة.
كانت صورة لبيت أختي سارة القديم. وتحتها: لو عايزة تعرفي مين قتل سارة فعلًا، تعالي لوحدك.
رفعت عيني لأبي: إنت قتلتها؟
بصلي طويلًا. ثم قال: لأ.
وسكت. وبعدين ابتسم ابتسامة غريبة: لكني أعرف مين قتلها.
وأشار ناحية أحمد: وجوزك يعرف أكتر مما قالك.
بصيت لأحمد، وحسيت إن قلبي وقع من مكانه: إنت تعرف مين قتل سارة؟
أحمد ما ردش.
أبويا ضحك: شايفة؟ حتى دلوقتي مش قادر يقولك.
قربت من أحمد: اتكلم.
سكت ثواني طويلة، ثم قال: أيوه عارف.
دموعي نزلت: مين؟
أحمد بص لأبويا: مش هو.
أبويا ابتسم: قولها يا أحمد.
أحمد غمض عينيه: الشخص اللي قتل سارة كان موجود معانا في المستشفى ليلة وفاتها.
مين؟
دكتور محمود.
اتجمدت: محمود؟!
الدكتور اللي وقف جنبي من أول لحظة؟ اللي قال لي إن أحمد مخبي عني سر؟
أحمد هز راسه: هو اللي ساعد سامح.
لكن فجأة، جاء صوت من خلفنا: كفاية كذب.
لفينا كلنا.
كان دكتور محمود واقف عند باب المخزن. وفي إيده ملف.
قال: أحمد، أنا سكت كتير، بس مش هسمحلك تحط الجريمة عليا.
أحمد تقدم خطوة: إنت عارف إني عندي التسجيل.
محمود رد: وأنا عندي الأصل.
طلع فلاش صغير من جيبه: تسجيل سارة قبل موتها.
أبويا اتوتر لأول مرة: اديني الفلاش.
محمود هز راسه: لا.
بصلي: مريم هي اللي لازم تسمعه.
أخدت الفلاش بإيد مرتعشة: فيه إيه؟
قال: الحقيقة كاملة.
شغلت التسجيل على موبايل محمود.
وفي البداية، سمعت صوت أجهزة المستشفى. ثم صوت سارة. كان ضعيفًا جدًا.
محمود، لو حصل لي حاجة، ماتخليشهم يقولوا لمريم إن أحمد السبب.
شهقت. أحمد غمض عينيه.
سارة كملت: أحمد حاول ينقذني.
ثم جاء صوت رجل آخر في الخلفية. صوت أعرفه. صوت أبي.
إنتِ لسه فاكرة إنك تقدري تهربي؟
اتسعت عيني.
سارة بدأت تبكي: بابا، أنا مش هديك ليان.
الصوت رد: مش هحتاجها منك.
ثم جاء صوت ضربة قوية. وانقطع التسجيل.
فضلنا كلنا ساكتين.
بصيت لأبي: إنت كنت هناك.
ما ردش.
إنت اللي ضربت سارة؟
هز راسه: لا.
يبقى مين؟
أبي بص لمحمود.
محمود قال: أنا عارف.
ثم فتح الملف. وكان جواه تقرير قديم، وصورة كاميرا مراقبة.
الصورة كانت ضبابية، لكن الشخص اللي ظهر فيها كان واضحًا بما يكفي. شخص دخل غرفة سارة قبل وفاتها بدقائق. شخص ماحدش كان متوقعه.
بصيت للصورة واتجمدت.
لأن الشخص كان: أحمد.
بصيت له في صدمة: إنت قلت إنك حاولت تنقذها.
قال: وده اللي حصل.
طب ليه صورتك في الكاميرا؟
لأني كنت آخر واحد دخل عليها.
محمود قال: بس مش آخر واحد خرج.
أحمد بص له: محمود.
محمود رفع الصورة: بعد أحمد بدقيقتين، دخل شخص تاني.
قلب الورقة. الصورة التانية كانت أوضح. حددت ملامحه.
وأول ما شفت الوجه، ماقدرتش أتكلم.
كان: أخويا.
أخويا اللي كان طول السنين دي بيقول إن سارة مجرد قريبة بعيدة.
بصيت لأبي. ثم لأحمد: يعني أخويا هو اللي قتلها؟
أبي رد: لأ.
ثم نظر إليّ: هو اللي حاول ينقذها.
اتسعت عيني: طب مين قتل سارة؟!
محمود فتح آخر صفحة في الملف. وقال: الشخص الثالث اللي دخل الغرفة بعد أخوكي.
قلب الورقة. وشفت صورة الشخص.
رفعت عيني ببطء. والدم تجمد في عروقي.
لأن الشخص كان: أمي.
ثم سمعت صوت أمي خلفي وهي بتقول: أيوه يا مريم، أنا آخر واحدة شافت سارة.
وسكتت لحظة. لكني مش اللي قتلها.
ثم أضافت جملة جعلت الجميع يصمت: سارة ماتت وهي بتحاول تحميني من أبوكي.
وقفت قدام أمي وأنا مش قادرة أتكلم.
تحميكي من بابا؟ إزاي؟
أمي مسحت دموعها وقالت: أبوكي كان عايز ياخد ليان، ويستخدم الورق اللي باسمها عشان يوصل للفلوس. سارة اكتشفت ده، ولما حاولت تمنعه هددها.
طب إنتِ عملتي إيه؟
رحت لها في المستشفى عشان أخرجها من هناك.
بصت لأحمد: لكن لما وصلت، كان أحمد موجود.
أحمد قال: وأنا كنت بحاول أهرب سارة من المستشفى.
أمي هزت راسها: وأنا وقتها افتكرت إنك واحد منهم.
بصيت لها: وبعدين؟
دخل أبوكي ومعاه سامح.
أبويا صرخ: كفاية!
أمي لأول مرة رفعت صوتها عليه: لأ! كفاية كذب!
الشرطة كانت واقفة عند الباب، لكن محدش اتدخل.
أمي كملت: سارة كانت مصابة، لكنها كانت واعية. أبوكي طلب منها تسلمه أوراق ليان.
وهي رفضت؟
رفضت.
أخذت نفسًا عميقًا: وقتها سامح حاول ياخدها بالقوة.
أحمد شد قبضته: وأنا وقفت قدامه.
وأخوك دخل بعدها، وحاول يساعد أحمد.
بصيت لأمي: طب مين ضرب سارة؟
سكتت. ثم قالت: أبوكي.
بصيت لأبي: إنت؟
قال: ماكنتش عايز أقتلها.
لكنك ضربتها.
آه.
ليه؟
لأنها كانت هتفضحنا.
سكت المكان كله.
أمي قالت: الضربة ماقتلتهاش.
بصيت لها: أمال إيه اللي قتلها؟
نزلت عينيها: بعد ما أبوكي خرج، سامح رجع.
الدكتور محمود قال: ووقتها أنا كنت بره الغرفة.
أمي كملت: سامح حقن سارة بحقنة.
أحمد صرخ: إنتِ متأكدة؟
أيوه.
إيه كانت؟
ماعرفش. بس بعد ثواني بدأت تتعب جدًا.
محمود قال: التحاليل القديمة أثبتت وجود مادة غريبة في دمها، لكن سامح زوّر التقرير.
بصيت لأحمد: وإنت عرفت ده؟
بعد سنين.
وسكت؟
كنت بجمع دليل.
أمي قربت مني: وأنا اختفيت لأن أبوكي كان فاكر إني أخدت نسخة من التقرير الأصلي.
بصيت لأبي: وإنت كنت بتدور عليها كل السنين دي؟
ابتسم بمرارة: أيوه.
ليه؟
عشان الورقة.
محمود قال: الورقة اللي تثبت جريمة سارة.
أبي سكت.
الشرطة بدأت تقيده.
وقبل ما يخرج، بصلي وقال: إنتِ فاكرة إن الحقيقة هتريحك؟
ما رديتش.
خرج وهو متكتف.
أما سامح، فتم القبض عليه بعد ما الشرطة لقت مكانه.
فضلت واقفة في المخزن، وسط كل الناس اللي كذبوا عليّ سنين.
وأحمد كان واقف بعيد.
قرب مني: مريم.
رفعت إيدي: استنى.
سكت.
أنا مش قادرة أسامحك دلوقتي.
هز راسه: فاهم.
بس في حاجة واحدة عايزة أعرفها.
إيه؟
لما كنت بترجع الفجر، وكنت بتقولي إنك كنت في المستشفى…
سكت.
كنت بتروح تشوف ليان؟
ابتسم ابتسامة حزينة: أيوه.
وليه ماجبتهاش تعيش معانا؟
لأن سارة طلبت مني أحميها من أي حد ممكن يستخدمها.
بصيت ناحية ليان. كانت واقفة جنب أمي.
قربت منها. نزلت على ركبتي: ليان.
بصتلي: أيوه؟
تحبي تيجي تعيشي معايا؟
عينيها لمعت: مع خالو أحمد؟
بصيت لأحمد. ثم ابتسمت لأول مرة من أيام: ومع خالو أحمد ومعايا.
حضنتني.
وفي اللحظة دي، عرفت إن حياتي مش هترجع زي الأول. لكن على الأقل، لأول مرة من عشر سنين، ماكانش في سر مستخبي ورا باب.
وبعد شهور، صدر الحكم في قضية سامح وأبويا بعد ظهور الأدلة والتسجيلات.
أما أحمد، فماطلبش مني أنسى. ولا طلب مني أسامحه. بس كل يوم كان يثبتلي بالفعل إنه مستعد يصلح اللي كسره.
وفي ليلة، كنا قاعدين أنا وليان وهو على السفرة. ليان كانت بتضحك.
وأحمد بصلي وقال: فاكرة أول مرة جيتي المستشفى؟
ابتسمت رغم دموعي: مستحيل أنساها.
قال: وأنا كمان.
ليه؟
ابتسم: لأنها كانت أول مرة الحقيقة خرجت للنور.
بصيت له: لأ.
هز راسه: إيه؟
قلت: كانت أول مرة أعرف إن جوزي ماكانش بيبعد عني، كان بيحاول يرجعلي عيلتي. وأنا عمري ما كنت أعرف.
ومن يومها، كل ما حد يسألني عن أكتر يوم غيّر حياتي، ما بقولش يوم فرحي. ولا يوم ولادة بنتي.
بقول: اليوم اللي روحت فيه المستشفى أعمل مفاجأة لجوزي، واكتشفت إن المفاجأة الحقيقية كانت مستنياني أنا.




