يوم الخطوبة

خطبت ابني لبنت أخويا من وقت ما كانوا أطفال، ولما كبروا أخويا بقى يرفض أي عريس يتقدم لبنته ويقول: بنتي مخطوبة لابن عمها. ويوم خطوبتهم ابني صدمنا كلنا، ودخل وفي إيده بنت تانية وقال إنه بيحبها وعايز يتجوزها، بس الصدمة الأكبر كانت في رد بنت أخويا اللي خلت ابني في حالة ذهول شديدة!
أخويا مكانش بس أخ، كان صاحب عمري. اتربينا كتف بكتف، وشيلنا الهم سوا من صغرنا. ولما ربنا كرمنا وجبنا عيال، قعدنا مع بعض والقعدة دي مش قادر أنساها. وعدنا بعض وعد رجال إن عيالنا يكونوا لبعض، نربيهم على إيدنا ولما يكبروا نجوزهم لبعض عشان نطمن عليهم ونفضل عيلة واحدة ما تفرقناش الأيام.
ومرت الأيام والأولاد كبروا قدام عينينا. علياء، بنت أخويا، كبرت وبقت حتة سكرة، عروسة زي القمر، أدب وأخلاق وجمال يفتح النفس. بس الأهم من ده كله، إن البنت كبرت واتربت على فكرة واحدة بس… إنها لابن عمها. كانت بتشوفه سندها، وحبه كبر في قلبها من كتر ما سمعت عن الوعد ده من وهي طفلة، ورسمت حياتها كلها معاه وشايفاه هو راجلها وأملها في الدنيا.
وأخويا كان صاين الوعد لأبعد حد. كل ما يتقدم لعلياء عريس، ومهما كان عريس مناسب ومن عيلة، كان أخويا يرفضه بشياكة ويقول كلمة واحدة: بنتي مخطوبة لابن عمها، والكلمة عندنا بعقد.
البنت كبرت وخلصت دراستها واشتغلت، وابني هو كمان خلص دراسته واتعين في وظيفة كويسة. وفي يوم، لقيت أخويا جايلي وقاعد معايا، شكله كان محرج شوية بس بيتكلم بأصول. قال لي:
يا محمود، الأولاد كبروا وبصراحة مراتي كل كام يوم تسألني إيه اللي معطلكم؟ علياء وابنك خلصوا دراسة والاتنين اشتغلوا، حان الوقت بقى نطمن عليهم.
رديت عليه بحماس وفرحة الدنيا مش سيعاني:
معاك حق يا سالم، إحنا هنستنى إيه أكتر من كده؟ شقة الواد على التشطيب خلاص، وانهارده بليل هكلمه ونيجي نتقدم رسميًا قدام الناس ونلبسهم الشبكة.
أول ما ابني رجع البيت، قعدت معاه وأنا طاير من الفرحة، قلت له اللي دار بيني وبين عمه وقلت له:
يا بني هما معاهم حق، إحنا طولنا عليهم قوي وجيه الوقت بقى نطمن عليكم.
لقيت الولد وشه اتغير، وقال بضيق:
هما مين قالهم أصلًا إني هتجوز بنتهم؟! علياء بنت عمي دي زي أختي، وعمري ما فكرت فيها غير كده… وبعدين أنا بحب واحدة تانية ومعايا في الشغل وهخطبها هي!
اتصدمت وقعدت باصص له ومش مصدق. قلت له بذهول:
أنت بتقول إيه يا كارم؟! دلوقتي افتكرت تقول الكلام ده؟! ما طول عمرنا بنتكلم قدامك ونقول علياء ليك، مكنتش بتقول ليه إنك مش عايزها من زمان؟!
رد عليا ببرود:
كنت بقلبها في دماغي، ودلوقتي شايف إني مش عايزها.
اتعصبت جدًا وقلت له:
دلوقتي يعني إيه يا بني؟! ده عمك رفض عرسان كتير عشانك، ووقف حال البنت لما كبرت وبقت على وش جواز وانت ياما سكت!
رد عليا وقال:
عمري ما وعدته بحاجة!
قلت له:
بس أنا وعدته!
هنا الولد رد عليا وقال:
يبقى تتجوزها أنت!
من غير ما أفكر، فقدت أعصابي وصفعته على وجهه.
الولد اتصدم ومسك وشه، وبص لي وقال:
بتضربني؟! بتمد إيدك عليا عشان أخوك يا بابا؟!
رديت عليه بغضب مكتوم:
وهزعق لك كمان! وهتتجوز بنت عمك والسبوع الجاي هعملكم خطوبتكم، فاهم ولا لأ؟!
هز رأسه وقال:
تمام… اللي تشوفه يا بابا.
وفعلًا، خلال الأسبوع ده جهزنا كل حاجة، واشترينا الدهب والشبكة اللي تليق بيهم، وأخويا دعا كل القرايب والحبايب، وزين المكان والبيت كله عشان يستقبلنا بأحسن صورة.
يوم الخطوبة، وصلنا البيت تحت، فالولد قال:
اطلعوا أنتم يا بابا وأنا هركن العربية وهحصلكم على طول.
طلعنا عند أخويا شقته، وكان عازم كل قرايبنا والناس كلها مرحبة ومبسوطة.
مرت نص ساعة والولد لسه ما طلعش. أنا أعصابي باظت، وتوترت جدًا وقعدت أقول في بالي: يا ترى راح فين؟ هقول لأخويا والناس لو غير رأيه!
وفجأة… باب الشقة اتفتح.
دخل الولد… ويا ريته كان اتأخر!
داخل وماسك في إيده بنت تانية جميلة، ماسك إيدها وماشي بيها بثقة في وسط الصالة، وقال بصوت عالي:
السلام عليكم.
الناس كلها سكتت، وبصوله باستغراب وذهول، وأنا كنت في قمة الصدمة.
وابني كمل وقال قدام المعازيم كلهم:
دي نورهان، البنت اللي بحبها ومش هخطب غيرها… أنا قلت الكلام ده قدام الكل أهوه، عشان بابا بيحاول يجبرني على بنت عمي وأنا مش عايزها!
المكان كله سكت تمامًا. أنا كنت مش قادر أستوعب الموقف، وأخويا بص لي بصة عمري ما هنسى أثرها، بصة فيها حزن ووجع شديد.
وعلياء، العروسة اللي كانت طايرة من الفرحة، وشها اصفر وكانت هتقع من شدة الصدمة. لكنها بصت لأبوها ولقته متأثر جدًا من الموقف قدام قرايبه.
في اللحظة دي، علياء عملت حاجة ما حدش يتوقعها أبدًا.
اتمالكت نفسها بصعوبة، وقربت خطوتين بثبات غريب من كارم ابني اللي واقف بيبص لها بتحدي.
واللي قالته وقتها خلى المكان كله في حالة صدمة، وابني من شدة الذهول ساب إيد البنت اللي معاه، وكان في حالة ارتباك شديدة ومش عارف يرد!
بصت له علياء بعينين ثابتة، لكن كان جواها حزن كبير، وابتسامة ثقة هادية اترسمت على وشها وقالت بصوت واثق سمع القاعة كلها:
مبروك يا كارم… وشكرًا جدًا إنها جات منك!
كارم وشه اتغير، والتحدي اللي كان في عينيه تحول لذهول، وساب إيد نورهان تلقائيًا وهو حاسس إن كل حساباته اتغيرت.
المعازيم كلهم اتهامسوا، وأنا وأخويا واقفين مش فاهمين حاجة.
كملت علياء بنفس الثبات وهي بتبص له بمنتهى الهدوء:
أصل أنا كمان بحب واحد تاني جدًا، وبابا كان رافضه عشانك، وأنا مكنتش عارفة أعمل إيه ومكنتش حابة أكمل حياتي مع شخص زيك!
كارم اتصدم إنها بتقول كده قدام الناس كلها، وقال بعصبية وصوته اترعش من المفاجأة:
زيي يعني إيه؟! قصدك إيه يا علياء؟!
ردت عليه بابتسامة هادية ونبرة قوية:
يعني مستهتر… ودليل استهتارك هو الموقف اللي حاطط فيه أهلك وأهل قرايبك دلوقتي!
وبعدين لفت وشها للناس والمعازيم، وقالت بصوت واضح وثابت:
للأسف، أهلي وأهل كارم ظلمونا لما قرروا مصيرنا عننا من غير ما يسألونا… بس الحمد لله إن كارم فض الموضوع النهاردة وريحنا كلنا!
في اللحظة دي، أخويا سالم بص لبنته بحزن، ومسك إيدها وحضنها بحنية شديدة وهمس في أذنها بكلام محبة.
كان عارف كويس إن بنته كانت متعلقة بكارم من صغرها، وإن كل كلمة قالتها دلوقتي كانت عشان تخفي حزنها وتحافظ على كرامة أبوها قدام القرايب والناس.
وفجأة… من وسط المعازيم، اتقدم شاب شيك جدًا ولابس بدلة أنيقة. ده محمد ابن جارنا الأستاذ أحمد، شاب محترم وكل المنطقة تعرف أخلاقه.
اتقدم بخطوات ثابتة وقال بصوت مسموع:
أنا كنت جيتلك يا عمي سالم قبل كده ورفضتني عشان الوعد… وأتمنى دلوقتي أكون أنا الشخص اللي علياء عايزاه، أتمنى ده من كل قلبي.
علياء بصت له باستغراب ودهشة، فمد إيده ليها وقال بابتسامة صادقة:
لو كان كل اللي حصل ده عشان تبقي من نصيبي… يبقى ألف حمد وشكر ليك يا رب.
علياء ابتسمت لكلامه الحلو اللي داوى جرحها في ساعتها، ومسكت إيده بثبات.
وفي نفس اللحظة، أم محمد كانت حاضرة الحفلة، أول ما شافت المشهد فرحت جدًا، لأنها عارفة إن ابنها بيحب علياء من زمان وكان حزين لما اترفض.
المكان كله اتقلب، والقاعة اتملت بالتصفيق والحماس من المعازيم اللي أعجبهم موقف محمد وشجاعته.
كارم في اللحظة دي حس بإحراج شديد، وما استحملش الموقف، فمسك إيد البنت اللي جابها معاه وخرج بيها من الشقة والناس بتبص لهم باستغراب.
أنا بصيت لأخويا سالم بحزن وندم شديد، وبقيت أصفق مع الناس وأنا دموعي في عيني. طلعت علبة الشبكة الفخمة اللي كنت جايبها لعلياء، وقربت من أخويا وقلت له:
سامحني يا خوي، حقك عليا وعلى رأسي.
واعتذرت من علياء، وقدمت الشبكة هدية مني لعلياء ومحمد.
وفي نفس الليلة، وزعنا الشربات وتمت شبكة علياء على محمد جارها، وكانت ليلة جميلة ودافية رغم إنها بدأت بحزن وألم.
ومن وقت الليلة دي… وكارم ابني مش قادر يرجع البيت. أنا حذرته إنه لازم يتحمل نتيجة اختياره، ووقفت مساعدتي ليه لفترة.
بقى يحاول يتصل عليا عشرات المرات في اليوم، يبعث رسائل اعتذار وتوسل، بس أنا كنت برفض أرد عليه أو أسمع صوته… الجرح كان أكبر من أي كلام، والندم محتاج وقت.
مرت الأيام والشهور، وكارم كان يحاول يبدأ حياته مع نورهان. صرف من مدخراته واشترى لها هدايا، وكان فاكر إنها هي دي السعادة اللي كان بيدور عليها والحرية اللي اختارها لنفسه. بس الأيام بتكشف للإنسان حقيقة اختياراته.
بعد حوالي أربع شهور، بدأت المشاكل تظهر لما فلوس كارم بدأت تخلص، والشركات اللي كان يقدم فيها ما كانتش تقبله بسبب ظروفه السابقة، لأن اسمي ومكانتي في السوق كانوا معروفين، والكل عارف إنه ترك شركة والده بسبب خلافات عائلية.
في يوم من الأيام، كارم رجع شقته اللي كان أجرها بصعوبة، وكان راجع تعبان ومكسور الخاطر بعد ما اترفض في مقابلة عمل جديدة.
أول ما دخل، لقى نورهان قاعدة بتلم حاجتها في شنط كبيرة!
بصلها باستغراب وقال:
إيه ده يا نورهان؟ رايحة فين بالحاجات دي كلها؟
بصت له بمنتهى الجمود، ولفت وشها وهي بتجهز حاجتها:
رايحة مكان أعرف أعيش فيه يا كارم… أنت فاكرني هكمل معاك وأنت من غير شغل؟ لا شغلة ولا دخل وأبوك وقف مساعدته ليك!
كارم وشه اتغير وقال بصوت حزين:
أنتِ بتقولي إيه؟! أنا سيبت دنيتي وأهلي وعيلتي عشانك! أنا وقفت قدام أهلي كلهم في الصالة ورفضت كلام أبويا عشان أبقى معاكِ!
ضحكت بسخرية وقالت:
وده كان تصرف غير محسوب تعمله في حياتك! الراجل اللي يبعد عن أهله وعيلته عشان واحدة، ممكن يندم بعدين… وأنا بصراحة مش فاضية أستنى لما ظروفك تصعب أكتر من كده. أنا أصلًا اتخطبت لواحد صاحبي في الشغل، ومستقبله مضمون ومستقر، عن إذنك!
مشيت وسبته واقف في نص الشقة، والندم بدأ يسيطر عليه. في اللحظة دي بس، افتكر علياء… افتكر البنت اللي كانت شايفاه أملها، البنت اللي كان ممكن يعيش معاها حياة مستقرة، واللي هو اختار يبعد عنها قدام القرايب.
خرج كارم يمشي في الشوارع، والندم مسيطر على تفكيره. وبدأ يتردد على المنطقة من بعيد، يقف في آخر الشارع يراقب بيت عمه سالم.




