جوزي خبي عليا انه مريض

سكت لحظة وقلت:
— يا فانيسا، مينفعش أسيب بنتين صغيرين واقفين لوحدهم قدام المدرسة.
اتنهدت بضيق:
— خلاص، شوفي هتعملي إيه.
وقفلت!
يومها أحمد سمع المكالمة وقاللي:
— مريم، إنتِ طيبة زيادة عن اللزوم.
ضحكت وقلت:
— يا أحمد، دي جارتنا، والبنت صعبانة عليا.
قال وهو بيبصلي بجدية:
— مساعدة الناس حاجة حلوة، بس خلي بالك… فيه فرق بين اللي بيقدر المعروف واللي بيعتبره واجب عليكي.
ما اهتمتش بكلامه وقتها.
يا ريتني كنت سمعت.
مرت السنتين، وفي يوم رجعت فانيسا بعربية جديدة.
عربية بيضا كبيرة، شكلها فخم، وفرشها جلد كريمي فاتح.
وقفت بيها قدام بيتي، وضربت كلاكس.
خرجت أشوف فيه إيه.
لقيتها نازلة منها ومبتسمة بفخر.
— إيه رأيك يا مريم؟!
قلت بفرحة حقيقية:
— ما شاء الله! ألف مبروك يا حبيبتي، ربنا يباركلك فيها.
فتحت باب العربية وورّتني الفرش.
— بصي الجلد! ده مخصوص، وغالي جدًا، وأنا مش هسمح لحد يبوظه.
ضحكت وقلت:
— ربنا يحفظهالك.
بصت لعربيتي القديمة اللي كانت مركونة قدام البيت وقالت:
— وإنتِ بقى مش ناوية تغيري العربية التعبانة دي؟
الكلمة ضايقتني، لكن حاولت أهزر.
— لما ربنا يكرمنا إن شاء الله.
قالت وهي بتضحك:
— أصل بصراحة أنا مش عارفة إزاي لسه ماشية بيها!
ابتسمت وسكت.
عربيتي كانت قديمة فعلًا، لكنها كانت غالية عندي.
أبويا الله يرحمه كان ساعدني أشتريها من سنين، وكنت بحافظ عليها على قد ما أقدر.
ماكنتش مجرد عربية بالنسبة لي.
كانت ذكرى من أبويا، ووسيلة رزق وستر.
لكن فانيسا عمرها ما فهمت المعنى ده.
بعد أسبوع بالظبط، الدنيا اتقلبت.
صحينا على صوت رعد ومطر شديد.
الشوارع كانت مليانة مية، والهوا بيخبط في الشبابيك.
جهزت ملك بسرعة، ونزلنا علشان نروح المدرسة.
ركبت العربية، وحطيت المفتاح ولفيته.
مفيش استجابة.
حاولت تاني.
وتالت.
لحد ما فهمت إن البطارية فصلت.
بصيت في الساعة.
الساعة كانت سبعة إلا خمسة.
وفاضل خمسة وعشرين دقيقة على الطابور.
ملك بصتلي بقلق:
— هنتأخر يا ماما؟
قلت وأنا بحاول أطمنها:
— لا يا حبيبتي، هنلاقي حل.
أول واحدة افتكرتها كانت فانيسا.
قلت لنفسي:
“أكيد هتساعدني. ده أنا بقالي سنتين بساعدها كل يوم.”
اتصلت بيها.
ردت بعد شوية:
— أيوه يا مريم؟
قلت:
— معلش يا فانيسا، عربيتي عطلت ومش راضية تدور. ممكن ملك تركب معاكي النهارده بس؟
سكتت لحظة.
وبعدين قالت:
— ماشي، خليها جاهزة قدام البيت.
شكرتها من قلبي.
لبست ملك جاكيت المطر، وخدت شمسيتها الصغيرة.
وقفنا عند الرصيف نستنى.
المطر كان شديد، ورغم الشمسية، رجلين بنطلونها اتبلوا.
وبينما كانت بتحاول تبعد عن بركة مية، رجلها نزلت فيها بالغلط.
قالت بخوف:
— يا ماما، الجزمة اتبلت!
قلت:
— عادي يا روحي، هننشفها لما ترجعي.
بعد دقايق، ظهرت عربية فانيسا البيضا.
وقفت قدامنا.
صوفي كانت قاعدة في الكنبة اللي ورا، بتبص من الشباك.
فتحت فانيسا الإزاز وبصت على ملك.
وفجأة وشها اتغير.
— استني عندك!
ملك اتجمدت.
فانيسا قالت بعصبية:
— إيه اللي في رجلك ده؟!
قلت:
— شوية مية يا فانيسا، الدنيا كلها مطر.
ردت:
— مية إيه؟! دي جزمتها كلها طين!
قلت:
— طب هاتي فوطة نحطها تحت رجلها.
هزت راسها:
— لا، معلش، مينفعش.
افتكرتها بتهزر.
— مينفعش إيه؟
قالت بمنتهى البرود:
— مش هركبها بالشكل ده.
ملك بصتلي.
وشها احمر.
وقالت بصوت واطي:
— خلاص يا ماما، أنا مش عايزة أركب.
لكن أنا ماقدرتش أسكت.
— فانيسا، إنتِ بتتكلمي بجد؟! دي طفلة واقفة في المطر!
قالت:
— وأنا مش مسؤولة عن إن عربيتك عطلت!
قلت:
— أنا ما قلتش إنك مسؤولة! أنا بطلب منك خدمة واحدة بعد سنتين من توصيل بنتك!
ضحكت وقالت:
— يا مريم، هو إنتِ هتعايريني بالمعروف؟! أنا ما طلبتش منك توصليها طول العمر!
حسيت إن الدم طلع لوشي.
— أنا عمري ما عايرتك بحاجة، بس مكنتش أتخيل إنك تكسري خاطر بنتي علشان فرش عربية!
ردت بحدة:
— بصي، أنا مش فاضية للكلام ده. صوفي هتتأخر.
وبصت لبنتي وقالت:
— ابعدي عن العربية يا ملك.
وبعدها قفلت الإزاز ومشيت.
بكل بساطة.
من غير اعتذار.
ومن غير حتى ما تبص وراها.
فضلت واقفة مكاني، حاسة إن رجلي مش شايلاني.
ملك كانت ساكتة.
والسكوت ده كان أصعب عليا من العياط.
مسكت إيدها وقلت:
— معلش يا حبيبتي.
رفعت عينيها ليا وقالت:
— هو أنا وحشة يا ماما؟
اتخضيت.
— إيه الكلام ده؟!
قالت والدموع بتلمع في عينيها:
— طنط فانيسا اتقرفت مني… مع إن صوفي كانت ساعات بتركب عربيتنا وهي جزمتها كلها تراب، وإنتِ عمرك ما زعلتيها.
حضنتها وسط المطر.
— اسمعيني يا ملك، إنتِ مش وحشة، ولا عملتي حاجة غلط. الغلط مش فيكي خالص.
قالت:
— طب ليه عاملتني كده؟




