لقاء مفاجئ

في الصباح التالي، كنت جالس في صالة البيت القديم، وبين يدي الملف الكبير اللي جابه لي المحامي. دخلت أمي وهي بتتنفس بسرعة وملامحها مش مرتاحة
في إيه يا كريم؟ جيت من الصعيد عشان تقابلني؟ كنت قلقانة عليك جداً..
اقعدي يا ماما قلت وأنا مش برفع عيني عنها جيت أسألك سؤال وأريد إجابة صادقة مرة واحدة في حياتي. هنا في الملف، عندي نسخة من الجوابات اللي ادعيتي إنها وصلت لكي تثبتي إن منى كانت على علاقة بغيري. المحامي قال لي إن توقيعات اللي مكتوبة على الظرف مش بتشبه توقيع أي حد نعرفه. وكل الشهود اللي جبتيهم اختفوا وما لهمش أثر. قولي لي الحقيقة.. ليه عملتي كده؟
تيسير بدأت تتعرق وتتلعثم
أنا عملت كده لمصلحتك يا كريم! كنتِ هتخسر مستقبلك، البنت دي من مستوى أقل منا، أبوها كان بسيط، وأنت كنت في بداية طريقك.. كنت خاېفة تضيع نفسك معاها!
فكدبتِ عليّ؟ وشهدتي بالزور وطردتي إنسانة بريئة وخلتي أعيش عمري كله غلطان؟! صړخت بصوت هز الغرفة كلها ليه؟ ليه يا ماما؟!
قامت من مكانها پغضب وبدأت تفتش في الدولاب القديم
لأنني عرفت إنك هتسأل يوماً ما، فحفظتلك الشيء الوحيد اللي يثبت إنني كنت غلطانة.. خد.. اقرا بنفسك.
سلمتني دفتر قديم، صفحته الأخيرة مكتوبة بخط إيدها بوضوح، ومؤرخ بتاريخ يوم طرد منى بالظبط
إني تيسير زهران، أشهد على خطئي وتقصيري. طردت منى لما رأيتها تتحدث مع شاب في الشارع، فظننت شرًا دون أن أتأكد. لم أعلم أنه أخيها الأصغر الذي جاء يطلب مساعدة لوالدها المړيض. لم أتأكد، لم أسأل، بل اخترت الكذب والشهداء الزوراء خوفًا على مستقبل ابني الذي ظننت أن مصلحته تتفوق على عدالة السماء. حملت هذا السر 17 سنة، وكل ليلة أدعو الله أن يغفر لي، وأخاف من يوم يظهر فيه الحق. منى بريئة، والولد ابن كريم، وأنا المذنبة وحدي.
وقفت الكلمات قدام عيني كأنها ڼار تحرقني. سقط الدفتر من يدي، وجلست على الكرسي وأنا مش قادر أتنفس. أمي بكت بصوت عالي
كنت خاېفة يا كريم.. خاېفة تخسر كل شيء.. وبدل ما أحميك، خسرتك أغلى ما تملك. ما تمنيتش أذيكم، بس الجهل والخۏف عملوا فينا كده. سامحني يا بني، أرجوكِ سامحيني.
قمت ببطء، ومسحت دموعي بظهر يدي
ربنا يسامحك يا ماما. أما أنا.. فمش عارف أسامحك ولا لأ. بس اللي أعرفه إن عندي عمل لازم أعمله، وحق لازم أرجعه، وابن ومرأة حرمت مني سنين طويلة لازم أرد لهم اعتبارهم. ومش عارف هيسامحوني ولا لأ، لكن هحاول بكل ما أملك.
خرجت من البيت، وتركت أمي تبكي ورايا، ومشيت وأنا عارف إن الرحلة الأصعب لسه بتبدأ الآن.
الجزء الرابع
عدت للصعيد، وهذه المرة لم أجيء بفلوس في جيبي، جئت بقلبي وكامل استعدادي لأفعل أي شيء يريحهم. وجدت يوسف وحده جنب
المحل، ومنى مش موجودة
أمك فين يا يوسف؟
راحت تجلب بضاعة من السوق رد ببرود عايز إيه تاني؟
جلست على الأرض جنبه، وبدأت أحكي له كل شيء من الأول لآخر كيف كنت صغير ومصدق كلام أمي، كيف طردت أمه بلا ذنب، كيف اكتشفت الحقيقة،




