اتصل بي حفيدي

«هل قرأت ما كان مكتوبًا؟»
أجاب:
«لم أفهم كل شيء. لكنني رأيت اسم ليديا على إحدى الأوراق. وعندما دخلت الغرفة، انتزعت الأوراق من يدي وقالت إنني لا أملك الحق في لمسها.»
تذكرت إليانور كلمات ليديا: «لن أسمح لك بإفساد خططي».
ربما لم يكن الخلاف مجرد شجار عائلي.
ربما كانت هناك مصلحة مالية وراء كل ما حدث.
لكنها لم تكن مستعدة للقفز إلى الاستنتاجات.
قالت لحفيدها:
«هل التقطت صورة للأوراق؟»
هز نوح رأسه.
«لا. لكنني رأيت شيئًا آخر. كان هناك ظرف بني تحت الملفات، وعليه اسم محامٍ لا أعرفه.»
نهضت إليانور ببطء.
«ما اسم المحامي؟»
أغمض نوح عينيه محاولًا التذكر.
ثم قال:
«أعتقد أنه كان… دانيال كولنز.»
تجمّدت إليانور في مكانها.
كانت تعرف هذا الاسم جيدًا.
دانيال كولنز كان المحامي الذي تولّى إدارة الصندوق المالي الذي تركته والدة نوح لابنها بعد وفاتها.
والأغرب من ذلك، أنه كان قد اتصل بإليانور قبل أسبوعين، وسألها أسئلة غير معتادة عن وضع نوح العائلي، ثم أنهى المكالمة بسرعة عندما سألته عن السبب.
خرجت إليانور من غرفة الاستجواب، وأغلقت الباب خلفها.
كانت ليديا تقف في نهاية الممر، تتحدث إلى مارك.
وعندما التقت عيناها بعيني إليانور، ارتسمت على وجهها ابتسامة متوترة.
اقتربت إليانور منها وقالت:
«أريد أن أسألك سؤالًا واحدًا يا ليديا.»
ردت ليديا بتحدٍّ:
«تفضلي.»
«ما علاقتك بالمحامي دانيال كولنز؟»
للحظة واحدة فقط، اختفت كل الألوان من وجه ليديا.
كانت لحظة قصيرة للغاية، ربما لم يلاحظها أحد غير إليانور.
لكنها كانت كافية لتؤكد أن هذا الاسم يعني لها شيئًا.
ثم استعادت ليديا ابتسامتها وقالت:
«لا أعرف عمّن تتحدثين.»
أومأت إليانور ببطء.
«حسنًا. إذن، لن تكون لديك مشكلة في أن نتحقق من ذلك.»
استدارت نحو الضابط وطلبت منه التأكد من حفظ جميع الأدلة، ومراجعة تسجيلات كاميرات المنزل إن وُجدت، والتحقق من الاتصالات والوثائق المتعلقة بالواقعة وفق الإجراءات القانونية.
ثم عادت بنظرها إلى ليديا.
«شيء واحد أريدك أن تفهميه جيدًا. أنا لا أتهمك بشيء لم يثبت بعد. لكنني لن أسمح لك أيضًا بأن تحوّلي حفيدي إلى متهم لمجرد أنه اكتشف شيئًا لم تريديه أن يعرفه.»
لم ترد ليديا.
وللمرة الأولى منذ وصول إليانور، لم تجد الكلمات المناسبة.
لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن قد ظهرت بعد.
فبينما كانت إليانور تستعد لمغادرة الغرفة، اقترب منها الضابط الشاب وهمس:
«قائدة غرانت، هناك أمر آخر. وصلتنا رسالة إلكترونية من أحد الجيران، تتضمن تسجيلًا من كاميرا المراقبة الخارجية للمنزل.»
توقفت إليانور.
«وماذا يظهر التسجيل؟»
نظر الضابط نحو غرفة الاستقبال، حيث كان مارك وليديا ينتظران.
ثم قال:
«يظهر شخصًا يغادر المنزل قبل وصول الشرطة بدقائق… وشخصًا آخر يعود إليه بعد ذلك مباشرة.»
تصلبت ملامح إليانور.
«هل تعرفون هوية الشخصين؟»
أجاب الضابط:
«لم نتأكد بعد من الهوية الأولى. لكن الشخص الثاني… يبدو أنه ابنك، مارك.»
شعرت إليانور بصدمة لم تكن تتوقعها.
إذا كان مارك قد عاد إلى المنزل بعد الحادث، فلماذا قال إنه لم يرَ سوى ما حدث بعد سقوط ليديا؟
ولماذا لم يخبر الشرطة بأنه خرج ثم عاد؟
التفتت ببطء نحو ابنها.
كان مارك يحدق في هاتفه، ووجهه شاحب على نحو غير طبيعي.
وعندما رفع عينيه ورأى أمه تنظر إليه، وضع الهاتف في جيبه بسرعة.
في تلك اللحظة، أدركت إليانور أن القصة أكبر بكثير من مجرد زوجة أب تتهم طفلًا بالاعتداء عليها.
فقد يكون ابنها يخفي سرًا خطيرًا، وقد تكون ليديا قد رتبت كل شيء حتى تُبعد نوح عن الطريق.
لكن السؤال الذي كان يؤلم إليانور أكثر من أي شيء آخر هو:
هل كان مارك مجرد أب مخدوع صدّق زوجته… أم أنه كان يعرف الحقيقة منذ البداية، وقرر التضحية بابنه لحماية نفسه؟
يتبع في الجزء الثالث…
### الجزء الثالث والأخير: الحقيقة التي دمّرت ليديا وكشفت خيانة الأب
وقفت إليانور غرانت في منتصف الممر، وعيناها مثبتتان على ابنها مارك.
لم تكن تريد أن تصدّق أن الرجل الذي ربّته، والذي علّمته منذ طفولته أن الصدق أهم من أي شيء آخر، قد يكون متورطًا في مؤامرة ضد ابنه.
لكنها تعلمت خلال اثنين وثلاثين عامًا من العمل في الجرائم الكبرى أن الحقيقة لا تتغير لمجرد أنها مؤلمة.
اقتربت من مارك وقالت بهدوء:
«أريد أن أعرف لماذا عدت إلى المنزل بعد الحادث، ولماذا لم تخبر الشرطة بذلك.»
ارتبك مارك، ونظر إلى ليديا قبل أن يجيب.
«كنت قد خرجت لشراء بعض الأشياء. عدت عندما اتصلت بي ليديا وأخبرتني أن نوح اعتدى عليها.»
سألته إليانور:
«إذن، لماذا لم تخبر الضباط أنك غادرت المنزل أصلًا؟»
«لم أعتقد أن الأمر مهم.»
هزّت رأسها ببطء.
«في تحقيق يتعلق بإصابة شخص واتهام طفل بجريمة، لا توجد تفاصيل غير مهمة.»
تدخلت ليديا بغضب:
«هذا سخيف! نحن نضيّع وقتنا بسبب طفل يرفض تحمّل مسؤولية تصرفاته، وبسبب جدة لا تستطيع تقبّل أن حفيدها ليس ملاكًا!»
نظرت إليها إليانور مباشرة.
«إذا كنت واثقة من روايتك، فاتركي الأدلة تتحدث.»
ثم التفتت إلى الضابط.
«أريد الاحتفاظ بالتسجيل الأصلي، والتحقق من توقيته، ومراجعة أي تسجيلات إضافية متاحة. لا أريد استنتاجات متسرعة، بل تحقيقًا موثقًا.»
أومأ الضابط، ثم ابتعد لإجراء الاتصالات اللازمة.
بعد نحو أربعين دقيقة، وصل المحقق المسؤول عن القضية، ومعه نسخة من التسجيل الذي أرسله الجار.
اجتمع الجميع في غرفة صغيرة لمشاهدة الفيديو.
ظهر المنزل في التسجيل، ثم ظهرت سيارة مارك وهي تغادر الممر في وقت سابق من المساء.
وبعد ذلك، ظهر شخص يرتدي معطفًا داكنًا ويغادر المنزل من الباب الخلفي.
لم تكن الصورة واضحة بما يكفي لتحديد هويته، لكن المحقق طلب نسخة أصلية عالية الدقة، وبدأ التحقق من هوية الشخص ووقت مغادرته.
ثم ظهر مارك مرة أخرى، وهو يعود إلى المنزل.
نظر المحقق إليه وسأله:
«هل غادرت المنزل مرة ثانية قبل وصول الشرطة؟»
تردد مارك.
ثم قال بصوت منخفض:
«نعم.»
«لماذا؟»
نظر مارك إلى ليديا، لكن هذه المرة لم تنظر إليه.
كانت تحدق في الشاشة، وقد اختفت ثقتها تمامًا.
تنفس مارك بعمق وقال:
«اتصلت بي ليديا قبل وصول الشرطة. قالت إن نوح أصبح خطرًا، وإنني يجب أن أعود فورًا. عندما وصلت، وجدتها على الأرض، ورأيت الدم على وجه نوح.»
سأله المحقق:
«هل رأيت نوح وهو يدفعها؟»
أجاب مارك بعد صمت طويل:
«لا.»
ساد الصمت.
ثم قال:
«لكن ليديا أخبرتني أنني إذا لم أقف إلى جانبها، فسأخسر كل شيء.»
التفتت إليانور نحوه.
«ما الذي كنت ستخسره يا مارك؟»
لم يجب.
أعاد المحقق السؤال، فأخفض مارك رأسه أخيرًا.
«أموالي… والمنزل… وربما عملي.»
تراجعت إليانور خطوة.
لم يكن هذا هو الجواب الذي أرادت سماعه من ابنها.
لكنه كان بداية الحقيقة.
### السر الذي كانت ليديا تحاول إخفاءه
بعد ساعات من التحقيق، وافقت ليديا على الإدلاء بأقوالها بحضور محاميها.
وفي الوقت نفسه، حصل المحققون، وفق الإجراءات القانونية، على معلومات إضافية تتعلق بالوثائق المالية التي ذكرها نوح.
تبيّن أن هناك خلافًا قائمًا حول إدارة الأموال التي ورثها نوح عن والدته، وأن وثائق قانونية كانت تُجهّز لتغيير بعض الترتيبات المتعلقة بإدارة الصندوق.
لم يكن مجرد وجود تلك الوثائق دليلًا على ارتكاب جريمة، لكن التوقيت أثار أسئلة جدية، خصوصًا بعد أن ذكر نوح أن ليديا هددته في الليلة نفسها التي اكتشف فيها الأوراق.
ثم جاءت المفاجأة.
اتصل المحامي دانيال كولنز بالمحقق المسؤول، بعدما علم أن اسمه ورد في التحقيق.
وفي إفادة موثقة، أوضح أن ليديا كانت قد تواصلت معه بشأن تغيير ترتيبات إدارة الصندوق، لكنها لم تكن تملك وحدها صلاحية التصرف في أموال نوح.
كما قدّم رسائل إلكترونية ذات صلة بالمراسلات بينهما، ووافق على تسليم المستندات المطلوبة عبر القنوات القانونية.
كانت إحدى الرسائل مؤرخة قبل الحادث بثلاثة أيام.
وجاء فيها أن ليديا تريد إنهاء «المشكلة العائلية» قبل موعد مراجعة مالية مقررة.
لم تثبت الرسالة وحدها وجود مؤامرة، لكنها دفعت المحققين إلى توسيع نطاق التحقيق.
وعندما واجهوا ليديا بالتناقضات بين أقوالها والتسجيلات والرسائل، تغيّر موقفها.
بدأت تتحدث بسرعة، وتحاول إلقاء اللوم على مارك.
«هو الذي طلب مني أن أجد طريقة لإبعاد نوح عن شؤون المال! أنا لم أفعل شيئًا وحدي!»
نظر مارك إليها مصدومًا.
«ماذا تقولين؟»
صرخت ليديا:
«لا تتظاهر بأنك بريء! أنت كنت تعرف أن وجود نوح يجعل كل شيء أكثر تعقيدًا بالنسبة إلينا!»
ساد الصمت.
كانت تلك الكلمات كافية لإظهار أن العلاقة بينهما تخفي خلافات ومصالح لم يكونا مستعدين للاعتراف بها من قبل.
لكن إليانور لم تحتفل، ولم تقاطع التحقيق.
لقد أرادت شيئًا واحدًا: أن تُكشف الحقيقة كاملة، وأن يُعامل نوح وفق الأدلة، لا وفق رواية أقوى شخص في الغرفة.
استمر التحقيق، وجُمعت الأدلة، وأُخذت الإفادات، وخضعت الوثائق للفحص.
وفي النهاية، توصّل المحققون إلى أدلة موثوقة تناقض رواية ليديا بشأن الاعتداء، كما كشف فحص الأدلة والتسجيلات تناقضات جوهرية في روايتها للأحداث.
وبناءً على نتائج التحقيق، اتُّخذت الإجراءات القانونية المناسبة بحقها، وأُحيلت المسألة إلى الجهات المختصة لاتخاذ القرار بشأن الاتهامات والأدلة.
أما نوح، فلم يعد متهمًا في القضية.
لقد ثبت أن الاتهام الذي وُجّه إليه لم يكن مدعومًا بالأدلة، وأنه لم يكن الشخص الذي ينبغي أن يُلام على ما حدث.
### المواجهة الأخيرة بين الأم وابنها
مع شروق الشمس، خرجت إليانور من مركز الشرطة برفقة نوح.
كان حفيدها يسير بجوارها بصمت، وقد بدت عليه علامات الإرهاق بعد ليلة لم يتخيل يومًا أن يعيشها.
وقبل أن يصلا إلى السيارة، سمعا صوت مارك خلفهما.
«أمي… انتظري.»
توقفت إليانور.
اقترب مارك، وكانت عيناه حمراوين.
«أريد التحدث إلى نوح.»
نظر نوح إلى جدته، ثم عاد ببصره إلى والده.
قال مارك بصوت مكسور:
«يا بني، أنا آسف. كان يجب أن أستمع إليك. كان يجب أن أصدقك عندما قلت إنك لم تفعل ذلك.»
لم يرد نوح.
تابع مارك:
«لقد كنت خائفًا من خسارة حياتي التي بنيتها، ومن انهيار زواجي. سمحت لنفسي بأن أصدق ما كان أسهل بالنسبة إليّ، بدلًا من أن أبحث عن الحقيقة.»
رفع نوح رأسه وسأله:
«وماذا عني يا أبي؟ هل فكرت يومًا فيما كنت سأخسره أنا؟»
ارتجف صوت مارك.
«أعرف أنني خذلتك.»
هز نوح رأسه، والدموع تتجمع في عينيه.
«عندما كنت صغيرًا، كنت أظن أن أبي يستطيع حمايتي من أي شيء. لكن الليلة الماضية، عندما نظرت إليك وطلبت منك أن تصدقني، شعرت وكأنني لا أملك أبًا أصلًا.»
وضع مارك يده على فمه، عاجزًا عن الكلام.
ثم قال نوح:
«أنا لا أريد منك أن تعتذر لأن جدتي جاءت وأنقذتني. أريدك أن تفهم أنني كنت أحتاج إليك قبل أن تصل هي.»
انهمرت دموع مارك.
«هل يمكنك أن تسامحني يومًا؟»
أجاب نوح بصراحة:
«لا أعرف. ربما يومًا ما. لكنني لا أستطيع أن أنسى ما حدث لمجرد أنك قلت إنك آسف.»
أومأ مارك، ولم يحاول إجباره على شيء.
ثم التفت إلى أمه.
«هل تكرهينني الآن؟»
نظرت إليه إليانور طويلًا.
كان أمامها ابنها الذي أحبته وربّته، والرجل الذي اتخذ قرارًا كاد يدمّر حياة طفله.
قالت أخيرًا:
«أنا لا أكرهك يا مارك. لكنني لن أكذب عليك كي أجعلك تشعر بتحسن.»
اقتربت منه قليلًا.
«أنت لم تخذل نوح لأنك لم تعرف الحقيقة. لقد خذلته لأنك قررت أن تصدق شخصًا آخر دون أن تمنحه فرصة للدفاع عن نفسه. والخطأ الأكبر أنك جعلته يواجه خوفه وحده.»
انخفض رأس مارك.
تابعت:
«إذا كنت تريد استعادة علاقتك بابنك، فلا تطلب منه أن يسامحك الآن. أثبت له، يومًا بعد يوم، أنك أصبحت شخصًا يستطيع الوثوق به.»
ثم فتحت باب السيارة، وجلست بجوار نوح.
وقبل أن تغلق الباب، قالت لابنها:
«الحب ليس أن تقف إلى جانب الشخص الذي يجعل حياتك أسهل. الحب هو أن تفعل الصواب حتى عندما يكون ثمنه مؤلمًا.»
وغادرت.
### بعد ستة أشهر
مرت ستة أشهر على تلك الليلة.
عاد نوح إلى المدرسة، وبدأ يتلقى الدعم النفسي الذي احتاج إليه بعد التجربة الصعبة التي مر بها.
أما المسائل المتعلقة بأموال والدته، فقد خضعت لمراجعة قانونية مستقلة، واتُّخذت إجراءات لحماية مصالحه المالية وضمان عدم التصرف في أمواله خارج الأطر القانونية.
وانتهى زواج مارك وليديا، بعد أن انهارت الثقة بينهما وسط التحقيقات والخلافات التي ظهرت إلى العلن.
أما مارك، فقد بدأ جلسات علاج أسري، ولم يعد يطلب من ابنه أن يسامحه بسرعة. كان يرسل إليه رسالة كل أسبوع، يسأله عن دراسته، ويعرض عليه اللقاء دون ضغط.
في البداية، لم يكن نوح يرد إلا بكلمات قليلة.
لكن مارك استمر.
وفي أحد أيام الأحد، وصل إلى منزل إليانور حاملًا كعكة صغيرة وكتابًا كان نوح قد طلبه منه قبل أشهر.
فتح نو



