قصص وروايات

قالت ابنتي ان اخيها

ولا خلاصًا.
ولا نهاية سعيدة.
بل كان اعترافًا متأخرًا.
قذرًا.
مروعًا.
وغير قابل للمغفرة.
كنت أسمع دقات قلبي تتردد داخل رأسي.
كأنها طبول حرب لا تتوقف.
أما علي…
فلم ينطق بكلمة واحدة.
واصلت زهراء حديثها بين شهقات البكاء.
وقالت
أبي أخبرني أنك لست ابنه الحقيقي.
شعرت ببرودة تسري في أطرافي.
وأضافت وهي ترتجف
قال لي إن أمي تحبك أكثر مني.
وقال إنك إذا غادرت البيت فلن يبقى عندها أحد غيري.
وإنها ستحبني أنا فقط.
انهمرت دموعها أكثر.
وقالت
كنت خائفة.
وبعدها لم أستطع قول الحقيقة.
الجميع كانوا يكرهونك.
وكنت أخشى أنه إذا اعترفت، سيكرهونني أنا أيضًا.
شحُب وجه حيدر فجأة.
وقال بصوت متوتر
إنها تهذي.
استدار علي نحوه ببطء.
ولم يرفع صوته.
ولم يغضب.
بل قال بهدوء مخيف
لقد ضربتني.
حاول حيدر أن يثبت نظره في عينيه.
لكنه فشل.
فأكمل علي
وأنت…
ثم التفت نحوي.
كنتِ تشاهدينني وأنا أطلب منكِ المساعدة.
شعرت بأن قلبي يتمزق.
مددت يدي نحوه دون وعي.
أردت لمسه.
أردت أن أقول أي شيء.
أي شيء.
لكنه تراجع خطوة إلى الخلف.
وقال
لا.
كانت تلك الكلمة أشد إيلامًا من أي صراخ.
أما زهراء فكانت تبكي فوق السرير.
وقالت بصوت متهالك
أنا لا أطلب منك التبرع بكليتك.
ليس من حقي أن أطلب ذلك.
كنت فقط أريد أن أقول الحقيقة قبل أن أموت.
أغمض علي عينيه.
لثانية واحدة فقط.
وظننت أنه سينهار.
وظننت أن ذلك الجدار الذي بناه حول نفسه سيتصدع أخيرًا.
لكنه فتح عينيه من جديد.
وعندها أدركت أن الفتى الذي طردناه من المنزل قد اختفى منذ زمن.
كان يقف أمامنا رجل آخر.
رجل عاش وحده.
ونجا وحده.
وبنى نفسه بعيدًا عنا.
قال بهدوء
لا تنتظروا مني شيئًا آخر.
ثم استدار وغادر.
ركضت خلفه في الممر.
وأنا أصرخ
علي… أرجوك.
لكنه واصل السير.
قلت
علي… زهراء تموت.
توقف.
ثم استدار نحوي.
وقال
وعندما كنت أنا في الشارع…
ماذا قلتِ أنتِ؟
عجزت عن الكلام.
ولم أجد جوابًا.
فأجاب هو بدلًا مني
لم تقولي شيئًا.
ثم رحل.
في تلك الليلة…
وبدافع اليأس.
ارتكبت أسوأ خطأ في حياتي.
نشرت اسمه الكامل على مواقع التواصل الاجتماعي.
ونشرت صورة قديمة له أثناء إحدى حفلات التكريم
وكتبت أن أخته تصارع الموت.
وأن الفحوصات أثبتت أنه متوافق معها طبيًا.
لكنني لم أذكر أنه بريء.
ولم أذكر أننا طردناه من المنزل وهو ينزف.
ولم أذكر اعتراف زهراء.
لم أذكر شيئًا من الحقيقة.
نشرت فقط الجزء الذي يخدمني.
الجزء الذي يجعل الناس يقفون إلى جانبي.
وخلال ساعات قليلة فقط…
انتشر المنشور بشكل هائل.
آلاف التعليقات.
ومئات آلاف المشاركات.
أشخاص يصفونه بالقسوة.
وآخرون يتوسلون إليه أن يتبرع.
وكثيرون يكتبون أن الأخ الحقيقي لا يترك أخته تموت.
ثم…
نشر علي مقطع فيديو.
كان يجلس في غرفة صغيرة.
وخلفه جدار رمادي بسيط.
بدا متعبًا.
لكن هادئًا بشكل مخيف.
نظر إلى الكاميرا وقال
اسمي علي.
وقد قامت والدتي بنشر اسمي على الإنترنت للضغط عليّ حتى أتبرع بكليتي.
لكن هناك جزءًا من القصة لم تخبركم به.
ثم بدأ يروي كل شيء.
الاتهام.
والضرب.
وليلة الطرد.
وأكياس الملابس الملقاة خارج المنزل.
والباب المغلق في وجهه.
ثم كرر العبارة التي قالها له حيدر تلك الليلة
بالنسبة لنا… أنت ميت.
شعرت بالغثيان وأنا أستمع.
لكن الكارثة الحقيقية لم تكن قد بدأت بعد.
فجأة شغّل تسجيلًا صوتيًا.
ولم أكن أعلم أصلًا بوجوده.
في ليلة طرده…
سقط هاتفه أسفل إحدى الطاولات.
واستمر في التسجيل لساعات.
بدأ الصوت يُسمع بوضوح.
بكاء علي.
وصراخ حيدر.
والشتائم.
والاتهامات.
ثم سُمعت أنا.
بصوت بارد وجاف.
أقول كلمة واحدة
اخرج.
أغلقت عيني.
لكن التسجيل استمر.
ثم جاء الصوت الذي دمّر ما
تبقى مني.
صوت زهراء الصغيرة وهي تبكي في المطبخ.
تقول
أبي… لا أريد أن أقول ذلك بعد الآن.
وجاء رد حيدر مباشرة
إذا تراجعتِ الآن…
فسوف تكرهك أمك.
سقط هاتفي من يدي.
وشعرت بأن العالم ينهار فوق رأسي.
لكن الفيديو لم ينتهِ.
عاد علي لينظر إلى الكاميرا.
وقال
أنا لا أكره زهراء.
كانت طفلة تم التلاعب بها.
لكن جسدي ليس ملكًا للعائلة التي دمرت حياتي.
ولن أتبرع بعضو من أعضائي مقابل الحصول على غفرانهم.
ثم صمت لحظة.
وأكمل
أطلب من والدتي أن تحذف اسمي من الإنترنت.
لقد أخذت مني منزلي.
وأخذت دراستي.
وأخذت عائلتي.
فلا تسلبي مني راحتي أيضًا.
وخلال دقائق…
تحولتُ إلى أكثر امرأة مكروهة في البلاد.
وربما كانوا محقين.
ليس بالطريقة الوحشية التي يحكم بها الناس عبر الإنترنت.
لكن بالطريقة الأهم.
الطريقة التي لا يمكن الهروب منها.
لقد استخدمت ابني مرتين.
في المرة الأولى…
ضحيت به لأقنع نفسي أنني أحمي زهراء.
وفي المرة الثانية…
كشفت اسمه أمام الجميع لأجبره على إنقاذها.
وبينما كان هاتفي يمتلئ بالإهانات والشتائم من كل اتجاه…
بدأت إشارات جهاز مراقبة زهراء بالانخفاض.
تحول صوت الأجهزة إلى إنذارات متلاحقة.
وفجأة اندفع الأطباء والممرضون إلى الغرفة.
أُخرجتُ إلى الخارج.
وأُغلق الباب في وجهي.
وبقيت واقفة في الممر.
أراقب ذلك الباب وكأن حياتي كلها معلقة خلفه.
كان حيدر يقف إلى جوار الحائط.
شاحب الوجه.
يتصبب عرقًا.
ثم قال فجأة
هذا كله بسبب علي.
التفتُّ إليه.
ولأول مرة منذ زواجنا…
صفعته بكل ما أملك من قوة.
لم أصفعه كزوجة.
ولم أصفعه كأم.
بل كإنسانة استيقظت أخيرًا من كذبة عاشت داخلها سنوات طويلة.
قلت له بصوت مرتجف
لا تذكر اسمه مرة أخرى.
نظر إليّ بعينين ممتلئتين بالكراهية.
وقال
وأنتِ أيضًا فعلتِ ذلك.
أغمضت عيني للحظة.
ثم أجبته
نعم.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى