رفضت تقوم من كرسي الطيارة

الجملة دي نزلت على المكان كله كأنها حكم نهائي.
الست ما لقتش رد مناسب.
لفت وشها ومشيت ناحية المقعد اللي اتحدد لها.
المضيفة رجعت لنا، واعتذرت عن الخطأ اللي حصل في التعامل مع حجزنا.
قالت أنا آسفة إن حضرتك اضطرّيتي تنقلي مكانك رغم إن الحجز كان صحيحًا. كان المفروض نراجع البيانات بشكل أدق قبل ما نطلب منك التنازل عن المقعد.
أنا كنت لسه متضايقة، لكن اعتذارها فرق معايا.
قلت أنا فاهمة إنكم تحت ضغط، بس كان صعب عليا أسيب بنتي لوحدها وأقعد بعيد عنها، خصوصًا إنها صغيرة.
هزت رأسها بتفهم.
معاكي حق. هنرتب الموضوع دلوقتي.
وبعد دقائق، رجعنا لمقاعدنا الأصلية.
المقعد اللي جنب الشباك بقى فاضي، وبنتي قعدت عليه من جديد.
أول حاجة عملتها إنها بصت من الشباك.
كان السحاب ممتد تحت الطيارة بشكل يخطف القلب.
بصتلي بابتسامة وقالت ماما، السحاب شكله زي القطن فعلًا.
ضحكت رغم كل اللي حصل.
أهو، أخيرًا وصلنا للمكان اللي حجزناه.
قعدت جنبها، وحطيت ابني في وضع مريح، وبعدها مسكت إيد بنتي.
كنت عايزة أقولها كلام كتير.
عايزة أعتذر لها إني ما سمعتهاش من الأول، وأقولها إني فخورة بيها، وإنها ما كانتش محتاجة تثبت لأي حد إنها شاطرة أو قوية.
لكنها سبقتني.
قالت ماما، هو إحنا كده عملنا مشكلة للست؟
السؤال فاجأني.
بعد كل اللي حصل، كانت لسه قلقة على الشخص اللي أهانها.
قلت إحنا ما عملناش مشكلة لحد يا حبيبتي. إحنا قلنا الحقيقة، والمضيفة والمسؤول هما اللي اتصرفوا حسب القواعد.
سألت يعني لو أنا ما قلتش حاجة، كانت هتفضل قاعدة في كرسيي؟
قلت بصراحة غالبًا كانت المشكلة هتفضل موجودة لحد ما حد يلاحظها.
سكتت شوية، وبعدها قالت أنا كنت خايفة أزعق لها، عشان ماما دايمًا بتقولي إن مش لازم أرد على الغلط بغلط.
بست إيدها وقلت وده صح. إنتِ ما زعقتيش، وما شتمتيش، وما حاولتيش تنتقمي منها. إنتِ بس قلتي اللي شوفتيه، وسيبتي الكبار يتصرفوا.
رجعت تبص من الشباك.
وأنا فضلت أفكر في كل اللي حصل من أول ما دخلنا الطيارة.
كنت دافعة فلوس زيادة عشان أضمن إن بنتي تقعد جنبي، ومع ذلك لقيت نفسي مضطرة أتنازل عن مكانها بسبب شخص قرر إن راحته أهم من حقوق غيره.
والأصعب من كده إنني وافقت على التنازل لمجرد إني كنت خايفة من الإحراج والتأخير.
ما كانش غلط إني أحاول أهدّي الموقف، لكن كان لازم أصر على إن حقي يتراجع بشكل صحيح، بدل ما يبقى الحل الأسهل هو إنني أنا اللي أتحمل الخسارة.
بعد حوالي نص ساعة، المضيفة رجعت تطمئن علينا.
جابت لبنتي كوب مياه، وسألتها إذا كانت محتاجة أي حاجة.
وبعدها قالتلي إن الشركة هتراجع اللي حصل، وإنهم هيسجلوا الواقعة في تقرير الرحلة.
ما سألتهاش عن تفاصيل إضافية، وما كنتش عايزة أحول الموقف لمطاردة أو فضيحة.
كل اللي كنت عايزاه إن الرحلة تكمل بهدوء، وإن بنتي تحس إن محدش يقدر يسلبها حقها لمجرد إنه أعلى صوتًا أو أكبر سنًا.
لكن قبل ما المضيفة تمشي، بنتي سألتها سؤالًا صغيرًا
هو لو حد لقى حاجة مش بتاعته، المفروض يعمل إيه؟
المضيفة ابتسمت وقالت يسلمها لأحد أفراد الطاقم، زي ما إنتِ عملتي بالضبط.
بنتي هزت رأسها، وكأنها بتثبت لنفسها إن اللي عملته كان صح.
بعدها رجعت تقعد، وفتحت شنطتها، وطلعت دفتر الرسم الصغير بتاعها.
بدأت ترسم الطيارة والسحاب والشباك.
بصيت على الورقة من فوق كتفها.
كانت راسمة أم شايلة طفل صغير، وبنت قاعدة جنبها عند الشباك.
وفوق الرسم كتبت بخط طفولي
كل واحد ليه مكانه.
حسيت بعيني بتدمع.
ما كانتش جملة كبيرة، لكنها لخصت كل اللي حصل في الرحلة دي.
كل واحد ليه مكانه.
مش لأننا دفعنا فلوس زيادة وبس، لكن لأن احترام الناس مش رفاهية، والحقوق مش بتتحدد حسب مين عنده استعداد يزعق أكتر.
الرحلة كملت، وابني نام، وبنتي فضلت تتفرج على السحاب وترسم.
أما الست، ففضلت في مكانها لباقي الرحلة، من غير ما يحصل أي احتكاك جديد بيننا.
ما حاولتش أتكلم معاها، وهي ما حاولتش تكلمنا.
وقبل الهبوط بوقت قليل، المضيفة عدت علينا مرة أخيرة.
قالتلي إن الإجراءات الداخلية هتكتمل بعد الوصول، وإنها آسفة مرة تانية عن الطريقة اللي اتعاملوا بيها مع الموقف في البداية.
شكرتها، وبدأت أجهز شنطة البيبي.
كنت متعبة جدًا، لكن جوايا إحساس مختلف عن اللي حسيت بيه أول ما نقلت مكاني.
في البداية، كنت حاسة إنني ضعيفة، وإنني اضطريت أقبل الإهانة عشان أتجنب مشكلة أكبر.
أما دلوقتي، فكنت فخورة ببنتي، وفخورة إنها قدرت تحافظ على هدوئها رغم إن واحدة كبيرة حاولت تسكتها وتقلل منها.
لما الطيارة هبطت، الركاب بدأوا يلموا شنطهم ويقفوا في الممر.
استنيت لحد ما الحركة خفت، وبعدها وقفت وأنا شايلة ابني، وبنتي ماسكة إيدي.
وقبل ما نخرج، بصتلي وقالت ماما، أنا ممكن أسألك سؤال؟
قلت طبعًا.
قالت لو الست دي اعتذرتلي، هسامحها؟
بصيت لها وقلت ده قرارك يا حبيبتي. لكن خلي بالك، إنك تسامحي حد مش معناه إن اللي عمله كان صح، ومش معناه إنك تتنازلي عن حقك.
فكرت شوية، وبعدها قالت طيب، أنا مش عايزة أكرهها. بس كنت عايزاها تعرف إن مش من حقها تزعقلي عشان أنا صغيرة.
حضنتها وقلت وده حقك فعلًا.
خرجنا من الطيارة، وأنا كنت لسه بفكر في الجملة اللي قالتها بنتي عند الشباك.
مش من حقها تزعقلي عشان أنا صغيرة.
كام مرة بنفترض إن الطفل لازم يسكت لمجرد إن اللي قدامه كبير؟ وكام مرة بنعتبر اعتراض الطفل قلة أدب، حتى لو كان بيتكلم باحترام وبيحاول يحمي حقه؟
بنتي ما كانتش محتاجة تصرخ علشان الكل يسمعها.
كانت محتاجة بس حد ياخد كلامها بجدية.
وبعد ما استلمنا شنطنا وخرجنا من المطار، حسيت إن الرحلة دي علمتني درسًا ما كنتش متوقعاه.
كنت فاكرة إن مهمتي كأم إني أحمي بنتي من المواقف الصعبة، وأمنع عنها أي إحراج أو صدام.
لكن الحقيقة إنني مش هقدر أتحكم في تصرفات كل الناس اللي هتقابلهم في حياتها.
اللي أقدر أعمله هو إني أعلمها إزاي تتعامل مع الظلم من غير ما تتحول لشخص ظالم، وإزاي تقول لأ من غير ما تهين حد، وإزاي تعرف إن الهدوء مش ضعف، وإن الأدب مش معناه إننا نقبل الإهانة.
وفي نفس الوقت، لازم أتعلم أنا كمان.
لازم أتعلم إن محاولة تجنب المشاكل مش دايمًا معناها إننا بنختار الصح، وإن التنازل عن الحق عشان الناس ما تتضايقش ممكن يعلّم أطفالنا، من غير قصد، إن راحتهم أقل أهمية من راحة الآخرين.
أنا ما كنتش عايزة بنتي تدخل في مواجهة مع الست.
لكنني كنت محتاجة أفهم إن حماية بنتي مش معناها إني أطلب منها تسكت، ولا إني أسكت أنا عن حقها.
الحماية الحقيقية إننا نكون جنب بعض، ونسمع بعض، ونتصرف بعقل لما حد يحاول يتجاوز حدوده.
وفي نهاية اليوم، لما وصلنا البيت، كانت بنتي تعبانة وعايزة تنام.
خلعت جاكيتها، وحطت شنطتها الصغيرة جنب السرير، وبعدها جريت تجيب دفتر الرسم.
قالتلي ماما، أنا هحتفظ بالرسم ده.
سألتها ليه؟
قالت عشان لما أكبر وأنسى، أفتكر إن مش لازم أزعق عشان الناس تسمعني.
ابتسمت، وبستها على رأسها.
لكنها كملت جملتها اللي خلتني أسكت لحظة
وكمان أفتكر إن لو حد حاول ياخد مكاني، مش لازم أسيبه ياخده لمجرد إنه مش عايز يقوم.
الكلام ده فضل يتردد في دماغي طول الليل.
لأنها ما كانتش بتتكلم عن كرسي طيارة وبس.
كانت بتتكلم عن كل مرة ممكن حد يحاول يقلل منها، أو يستغل صغر سنها، أو يفترض إن سكوتها معناه إنه كسب.
وفي اليوم التالي، جالي اتصال من شركة الطيران بخصوص الواقعة.
اعتذروا عن الخطأ اللي حصل في التعامل مع الحجز، وأكدوا إنهم راجعوا تفاصيل ما حدث مع طاقم الرحلة، وإنهم هيتابعوا الإجراءات الخاصة بالمقاعد والتعامل مع شكاوى الركاب.
ما دخلتش في تفاصيل الست، ولا طلبت أعرف إذا كانت اتعاقبت أو حصل لها إيه بعد كده.
أنا ما كنتش محتاجة أشوفها بتتألم علشان أحس إن حقي رجع.
كل اللي كنت محتاجاه إن اللي حصل ما يتكررش مع أم تانية، أو طفل تاني، أو أي راكب يلاقي نفسه مضطر يتنازل عن حقه لأن شخصًا آخر قرر يفرض نفسه عليه.
أما بنتي، فكانت رجعت لحياتها العادية.
بتلعب، وبتضحك، وبتسألني أسئلة غريبة قبل النوم، وبتقعد جنب أخوها تغنيله زي كل يوم.
لكن من وقت للتاني، كانت تفتح دفتر الرسم، وتبص على الجملة اللي كتبتها
كل واحد ليه مكانه.
وفي كل مرة كنت أشوفها بتقرأ الجملة دي، كنت أفتكر الست اللي قالتلي بثقة إنها مش هتتحرك، وإنني أنا اللي لازم أتصرف لأنني سافرت ومعايا أطفال.
وأفتكر إزاي بنت صغيرة، عمرها عشر سنين بس، قدرت تواجه الموقف من غير ما تشتم، ومن غير ما تهدد، ومن غير ما تقلل من أي حد.
كل اللي عملته إنها أصرت إن الحقيقة تتقال.
والأغرب إن الست اللي كانت شايفة إن بنتي مجرد طفلة مزعجة، هي نفسها اللي اضطرت في النهاية تسمع كلامها، بعد ما تجاهلت كلام أمها والمضيفة.
يمكن الست كانت فاكرة إن القوة معناها إنك ترفع صوتك، وإنك تتمسك بمكان مش بتاعك لحد ما الناس تزهق وتسيبك.
لكن بنتي ورّتني إن فيه نوع تاني من القوة.
القوة إنك تعرف حقك، وتتكلم بأدب، وتفضل ثابت حتى لو اللي قدامك حاول يخوفك أو يحرجك.
والقوة كمان إنك ما تستخدمش الحق علشان تنتقم، ولا تحاول تهين شخصًا لمجرد إنه أهانك.
في الرحلة دي، أنا كنت الأم اللي دفعت فلوس زيادة علشان تضمن مكانًا آمنًا ومريحًا لطفليها.
لكن بنتي هي اللي علمتني إن الأمان مش بيتعلق بمكان في الطيارة، وإن الكرامة مش حاجة نشتريها بتذكرة أغلى.
الأمان الحقيقي إننا نعرف إن صوتنا مسموع، وإن حقوقنا مش بتختفي لما حد يقرر يتجاهلها.
والكرامة الحقيقية إننا نقدر ندافع عن نفسنا من غير ما نفقد احترامنا لنفسنا أو للآخرين.
ومن يومها، كل ما بنتي تسألني عن موقف حصل في المدرسة، أو تحكيلي إن حد حاول ياخد دورها أو يفرض عليها حاجة مش عايزاها، ما بقولهاش تلقائيًا سيبي الموضوع وعدّيه.
بسمعها الأول.
بسألها إيه اللي حصل، وإيه اللي حاولت تعمله، وإزاي ممكن تتصرف بطريقة تحافظ بيها على حقها من غير ما تظلم حد.
لأنني فهمت إن الطفل اللي بيتعلم يسكت عن حقه خوفًا من إحراج الآخرين، ممكن يكبر وهو فاكر إن رضا الناس أهم من احترامه لنفسه.
وأنا مش عايزة بنتي تكبر بالشكل ده.
عايزاها تبقى طيبة، لكن مش سهلة الاستغلال.
مؤدبة، لكن مش مجبرة على قبول الإهانة.
متسامحة، لكن عارفة إن التسامح اختيار، مش تنازل إجباري.
وفي الآخر، لما أفتكر الرحلة دي، مش هفتكر الست اللي احتلت كرسي بنتي، ولا الموقف المحرج اللي حطتنا فيه، ولا حتى نظرات الركاب.
هفتكر بنتي وهي واقفة في الممر، إيديها الصغيرة ماسكة بطاقة الصعود، وصوتها الهادي بيقول
أنا مش عايزة أحرج حضرتك قدام الناس أنا بس عايزة أسألك سؤال واحد.
سؤال ما كانش فيه شتيمة، ولا تهديد، ولا رغبة في الانتقام.
لكنه كشف إن الشخص اللي كان مصمم يفرض نفسه على الآخرين، ما كانش مستعد يتحمل لحظة واحدة من المواجهة لما الحقيقة بدأت تظهر.
ومن وقتها، بقيت مؤمنة إن مش كل معركة محتاجة صوت عالي، ومش كل انتصار محتاج تصفيق.
أحيانًا، أقوى انتصار هو إنك تفضل محترمًا، وتقول الحقيقة، وترفض تسمح لحد إنه يقنعك إن حقك عبء على الآخرين.
لأن الكرسي ممكن يكون مجرد مكان في طيارة، لكن الطريقة اللي بنتعامل بيها مع بعض هي اللي بتكشف حقيقة كل واحد فينا.
والست اللي قالت إن وجود طفلين مشكلتي أنا، اكتشفت في النهاية إن المشكلة الحقيقية ما كانتش في الأطفال، ولا في الأم اللي بتحاول تحميهم.
المشكلة كانت في شخص بالغ اعتقد إن من حقه ياخد مكان غيره، ويهينه، ويجبره على التنازل، لمجرد إنه قادر يعمل كده.
أما بنتي، فخرجت من الرحلة وهي عارفة درسًا أهم من أي رحلة وأي مقعد
مش مطلوب منك تكسري حد علشان تثبتي إنك قوية لكن إياكي تكسري نفسك علشان حد تاني يفضل مرتاح.
روايات_احمد_عمار
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




