قصص و روايات

نامت علي كتف الشيخ

الفلوس متكفيش، وخاېفة يحصل له حاجة وأنا مش قادرة أعمل له أي حاجة.
أخوها مسك إيديها وقال
إنتِ عملتي كل اللي تقدري عليه. متحمليش نفسك فوق طاقتها.
لكن إيما كانت بتفكر في أبوها، وفي كل مرة كان بيشتغل فيها وهو تعبان علشان يوفر لها مصاريف الدراسة، وفي كل مرة كان بيخبي عنها إنه محتاج حاجة علشان ميتعبهاش.
كانت نفسها تقدر ترد له ولو جزء بسيط من اللي عمله علشانها.
وفي نفس الوقت، كان عندها إحساس إن الوقت بيجري أسرع منها.
في صباح اليوم التالي، وصلت إيما المستشفى بدري جدًا.
كانت نامت ساعات قليلة على كرسي في غرفة الانتظار، وصحت كل شوية علشان تطمن على أبوها.
راحت تسأل عن الإجراءات، وهي مجهزة نفسها إنها هتضطر تتكلم مع الإدارة مرة تانية عن التكاليف.
لكن أول ما وصلت لمكتب الاستقبال، الموظفة بصت في شاشة الكمبيوتر، وبعدها رفعت عينيها ناحيتها.
حضرتك إيما؟
إيما استغربت.
أيوه، أنا. في حاجة؟
الموظفة ابتسمت وقالت
لو سمحتِ، محتاجين نراجع معاكي بعض المستندات الخاصة بملف والدك.
إيما حسّت بالقلق.
حصلت مشكلة؟ حالة بابا اتغيرت؟
لا يا فندم، متقلقيش. بس في تحديث على الملف.
مشيت معاها لمكتب جانبي، وهناك لقت موظف من الإدارة ومعاه مجموعة من المستندات.
طلب منها تقعد، وبعدها قال
إحنا بنبلغ حضرتك إن تكاليف الفحص والعلاج المعتمدة في ملف والدك تم تسويتها بالكامل من خلال متبرع طلب عدم الكشف عن هويته.
إيما فضلت باصة له من غير ما تنطق.
كانت فاهمة الكلمات، لكن عقلها مش قادر يستوعب معناها.
متبرع؟ حضرتك تقصد إيه؟
الموظف كرر كلامه بهدوء
في شخص تكفل بالمصاريف المطلوبة وفق الإجراءات المعتمدة، والمبلغ اتسجل في حساب المستشفى. حضرتك مش مطالبة بدفع المبلغ ده.
إيما حست إن نفسها اتسحب منها.
بس إزاي؟ مين الشخص ده؟ وإمتى حصل الكلام ده؟
الموظف هز راسه بأسف.
للأسف، المتبرع طلب إن هويته تفضل سرية. إحنا ملتزمين بطلبه، لكن نقدر نأكد لحضرتك إن الإجراءات المالية الخاصة بالخدمات المعتمدة اتسوت.
إيما حطت إيديها على وشها.
لثواني، مكنتش قادرة تمنع دموعها.
كانت بتحاول تجمع الفلوس من هنا وهناك، وبتحسب كل مصروف، وبتفكر إزاي هتقدر تكمل العلاج.
وفجأة، ظهر شخص غريب ودفع التكاليف من غير ما يطلب منها حتى تعرف اسمه!
سألت الموظف بصوت متقطع
طب ليه؟ هو يعرفنا؟ هل في حد من عيلتنا اتكلم معاكم؟
الموظف أكد لها إنهم مفيش عندهم معلومات تسمح لهم يكشفوا هوية المتبرع، وإن كل اللي يقدروا يقولوه إن الترتيبات اتعملت رسميًا.
وبعدها سلمها نسخة من المستندات، ومعاها ورقة صغيرة كانت مرفقة بالملف.
الورقة كانت مطوية بعناية.
إيما فتحتها بإيدين بيترعشوا.
كان مكتوب فيها
أحيانًا، الإنسان مش بيكون محتاج درس يتعلم منه، ولا نصيحة يسمعها كل اللي بيكون محتاجه هو فرصة يرتاح فيها شوية، ويبطل يحارب لوحده.
اهتمي بنفسك، زي ما بتهتمي بالناس اللي بتحبيهم.
مفيش اسم.
مفيش توقيع.
ولا أي إشارة واضحة لهوية الشخص اللي كتب الرسالة.
إيما قرأت الكلمات مرة، وبعدها قرأتها تاني.
وفي اللحظة دي، افتكرت الطيارة.
افتكرت الراجل اللي كانت نايمة على كتفه.
افتكرت الحارسين اللي قاموا بسرعة، وإشارته اللي منعتهم يقربوا منها.
وافتكرت البطانية اللي غطاها بيها بنفسه، من غير ما يصحيها.
وبعدين افتكرت كلامه لما قالت له إنها مسافرة علشان أبوها.
اهتمي بأبوكي، ده أهم شيء دلوقتي.
رفعت عينيها ببطء.
قلبها بدأ يدق بسرعة.
هل ممكن يكون هو؟
هل الراجل اللي قابلته بالصدفة في الطيارة، واللي مكنتش حتى تعرف اسمه وقتها، هو نفسه الشخص اللي دفع تكاليف علاج أبوها؟
لكن ليه يعمل كده؟
هو ميعرفهاش.
مكنش يعرف عنها غير اسم المستشفى، وإن أبوها محتاج فحص وعلاج.
ومع ذلك، قرر يساعدها من غير ما يطلب أي حاجة في المقابل.
إيما مسكت الورقة على صدرها، وبدأت دموعها تنزل.
لأول مرة من أيام، حست إنها مش مضطرة تواجه كل حاجة لوحدها.
مش معنى كده إن خۏفها اختفى، أو إن حالة أبوها بقت مضمونة، لكنها على الأقل قدرت تاخد نفس عميق من غير ما تفكر في الفلوس اللي كانت واقفة في طريق العلاج.
خرجت من المكتب، وراحت تطمن على أبوها.
كان نايم على السرير، وملامحه هادية.
قعدت جنبه، ومسكت إيده.
يا بابا، الفحص هيتم. متقلقش، كل حاجة هتمشي كويس إن شاء الله.
وبعد لحظة، همست
في حد ساعدنا حد أنا حتى معرفش اسمه.
ابتسمت وسط دموعها.
لسه في ناس كويسة يا بابا. لسه في ناس ممكن تعمل خير من غير ما تستنى حاجة من حد.
في نفس الوقت، كان الشيخ راشد قاعد في مكتبه في الفندق، قدامه تقارير الاجتماع اللي المفروض يحضره.
دخل مساعده الخاص، ومعاه ملف صغير.
سيدي، بخصوص المستشفى اللي حضرتك سألت عنه، الإجراءات اتعملت رسميًا. إدارة المستشفى أكدت إن المبلغ المطلوب للخدمات الطبية المعتمدة اتسدد، وملف المړيض اتحدث.
الشيخ راشد أومأ برأسه.
كويس.
المساعد اتردد لحظة، وبعدها قال
تسمح لي أسأل حضرتك سؤال؟
الشيخ راشد رفع عينيه.
اتفضل.
أنا اشتغلت مع حضرتك سنين طويلة، وشوفت حضرتك بتساعد مؤسسات خيرية ومشروعات طبية كتير. لكن المرة دي حضرتك طلبت إن كل حاجة تتم في سرية تامة، ومن غير ما البنت تعرف أي تفاصيل. هل في سبب معين؟
الشيخ راشد سكت شوية.
بص للملف اللي قدامه، وبعدها رجع بظهره للكرسي.
لأن المساعدة مش لازم تتحول لدين في رقبة الشخص اللي بياخدها.
المساعد فضل ساكت.
الشيخ راشد كمل
البنت دي كانت مرهقة، وخاېفة على أبوها، وبتحاول تعمل كل اللي تقدر عليه. آخر حاجة هي محتاجاها إنها تحس إنها لازم ترد لي الجميل، أو إنها بقت مدينة لحد بحاجة.
مفهوم يا سيدي.
أنا مش عايز حد يتصل بيها، ولا حد يقول لها أنا مين. لو سألت، المستشفى تتعامل معاها حسب الإجراءات الرسمية. غير كده، الموضوع انتهى.
المساعد أومأ برأسه، وقبل ما يخرج، الشيخ راشد ناداه مرة تانية.
وفي حاجة كمان.
أمرك يا سيدي.
اتأكد إن أي متابعة طبية مطلوبة لوالدها تتم عن طريق المستشفى، وبشكل مهني. مش عايز أي حاجة تتأخر بسبب الإجراءات الإدارية.
حاضر.
خرج المساعد، ورجع الهدوء للمكتب.
الشيخ راشد فتح ملف الاجتماع مرة تانية، لكنه مكنش قادر يمنع نفسه من التفكير في الموقف.
هو نفسه كان مستغرب تصرفه.
كان يقدر يساعد آلاف الأشخاص، وكان بالفعل بيساهم في مشروعات خيرية كتير.
لكن المرة دي، القرار بدأ من لحظة بسيطة جدًا.
بنت نامت على كتفه من التعب.
بنت مكنتش تعرف اسمه، ومكنتش بتحاول تكسب رضاه، ولا تعرف أصلًا إنه من أغنى رجال المدينة.
كانت بس مرهقة وخاېفة على أبوها.
ولما اتكلمت، مكنتش بتطلب منه مساعدة.
كل اللي عملته إنها شرحت له الحقيقة.
يمكن علشان كده حس إن المساعدة دي لازم تكون مختلفة.
من غير كاميرات.
من غير شكر.
ومن غير ما يعرف حد إنه صاحب الفضل.
كان عايزها تقدر تركز على أبوها،
وبس.
عدت الأيام، وبدأت إيما تدخل مع أبوها في مرحلة الفحوصات والعلاج.
كانت بتروح المستشفى كل يوم، وتتابع مع الأطباء، وتقرأ التقارير، وتسأل عن كل تفصيلة.
ورغم إن الأزمة المالية خفت، فإن القلق على صحة أبوها مكنش سهل يختفي.
في بعض الأيام، كانت النتائج تطمنها، وفي أيام تانية كانت بتحتاج تستنى فحوصات إضافية علشان تعرف الخطوة الجاية.
لكنها المرة دي مكانتش مضطرة تختار بين مصاريف العلاج وبين الاحتياجات الأساسية.
كانت تقدر تقعد جنب أبوها من غير ما تفضل كل دقيقة تحسب في دماغها هتدفع كام، وهتجيب المبلغ منين.
وفي كل مرة كانت تفتح الورقة الصغيرة، كانت تقرا نفس الجملة.
فرصة يرتاح فيها شوية، ويبطل يحارب لوحده.
الجملة دي فضلت معاها.
وفي يوم، وهي قاعدة في غرفة الانتظار، أخوها لاحظ إنها بتبص للورقة وبتبتسم.
سألها
إيه الورقة دي؟ بقالي كام يوم شايفك محتفظة بيها.
إيما اترددت، وبعدها حكت له عن الراجل اللي قابلته في الطيارة.
حكت له إزاي نامت من التعب على كتفه، وإزاي الحراس قاموا، وإزاي هو منعهم يقربوا منها، وبعدها طلب لها بطانية.
أخوها ضحك باستغراب.
يعني إنتِ كنتِ نايمة على كتف واحد غريب، وهو بدل ما يزعق لك، غطاكي ببطانية؟
إيما هزت راسها.
أيوه.
طب وإنتِ عرفتي هو مين؟
لأ، معرفش اسمه. كل اللي أعرفه إنه كان معاه حارسين، وإنه كان هادي جدًا.
أخوها سألها
وبتفكري إنه هو اللي دفع المصاريف؟
إيما بصت للورقة.
مش متأكدة، بس حاسة إن الموضوع مش مجرد صدفة. المستشفى اللي اسمه كان مكتوب على الأوراق هو نفس المستشفى اللي كلمته عنه، والرسالة بتقول إني محتاجة أرتاح وأبطل أحارب لوحدي نفس المعنى اللي كان بيتكلم عنه.
أخوها فضل يفكر شوية، وبعدها قال
حتى لو هو، يمكن مش عايزك تعرفي. المهم إن المساعدة وصلت، وإن بابا بياخد فرصة للعلاج.
إيما أومأت برأسها.
كانت عايزة تشكره.
كانت نفسها تقابله مرة تانية، وتقوله إن اللي عمله فرق معاها أكتر مما يتخيل.
لكنها في الوقت نفسه احترمت رغبته في عدم الكشف عن هويته.
لو كان عايزها تعرف، كان ساب اسمه.
وهو اختار إنه ميكتبش أي اسم.
فقررت تحتفظ بالرسالة، وتدعي للشخص اللي ساعدها من غير ما تعرفه.
أما الشيخ راشد، فكان رجع لحياته المعتادة.
اجتماعات طويلة، قرارات صعبة، واتصالات متواصلة.
كان بيتحرك بين مكاتبه ومشروعاته بنفس الهدوء والحزم اللي الناس متعودة تشوفه بيهم.
لكن مساعده لاحظ حاجة بسيطة.
الشيخ راشد بقى أحيانًا يسأل عن المستشفيات اللي بتحتاج دعم، وعن الموظفين اللي بيشتغلوا في ظروف صعبة، وعن البرامج اللي بتساعد المرضى اللي مش قادرين يتحملوا تكاليف العلاج.
مكانش بيعلن عن أي حاجة.
ولا بيطلب من حد ينشر أخباره.
لكنه بدأ يراجع بعض التبرعات القديمة، ويتأكد إنها بتوصل للناس اللي محتاجاها فعلًا.
وفي أحد الاجتماعات، اقترح أحد المديرين إن الشركة تعمل حملة إعلامية كبيرة عن التبرعات الطبية علشان تحسن صورتها قدام الجمهور.
الشيخ راشد سمعه للآخر، وبعدها قال
لو هدفنا نساعد الناس، يبقى الفلوس تروح للمساعدة. مش لازم كل محتاج يقف قدام كاميرا علشان يثبت إنه محتاج.
المدير سكت.
والباقيين بصوا لبعض.
الشيخ راشد كمل
اللي محتاج علاج، محتاج علاج. مش محتاج يحكي حياته كلها للناس، ولا يفضل مدين بالشكر لحد. اعملوا نظام واضح، يحفظ كرامة المړيض ويوصل الدعم لمستحقيه.
كانت دي مجرد تعليمات في اجتماع عادي، لكنها كانت مختلفة عن الطريقة اللي ناس كتير اتعودت تسمع بيها قراراته.
ومع ذلك، الشيخ راشد نفسه مكنش شايف إنه اتغير.
كان شايف إنه عمل حاجة بسيطة، وإنه لو يقدر يساعد شخص من غير ما يسبب له إحراج، يبقى ده كفاية.
بعد فترة، بدأت حالة أبو إيما تستقر نسبيًا، وظهرت نتائج الفحوصات اللي الأطباء كانوا مستنيينها.
الفريق الطبي شرح لها خطة العلاج والخطوات المطلوبة، وبدأوا ينفذوها وفقًا لحالته.
إيما فضلت جنبه، بتتابع كل تفصيلة، وبتحاول تعوضه عن الأيام اللي كانت مشغولة فيها بالشغل ومش قادرة تقعد معاه وقت طويل.
وفي إحدى الليالي، كان أبوها صاحي، وهي قاعدة جنبه بتقرأ له بعض الرسائل اللي وصلته من معارفه.
بص لها فجأة وسألها
إنتِ نمتي كويس اليومين اللي فاتوا؟
إيما ابتسمت.
أحسن من الأول.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى