اتصلت بزوجي 30 مرة

«ألا تتوقفين عن الاتصال بي كأنكِ مجنونة يا مريم؟ أنا في منتصف صفقة عمل مهمة جداً!» انطلق صوت زوجي الغاضب عبر مكبر الصوت، ليشق الصمت الثقيل الذي يخيم على منزلنا. ولكن خلف نبرة انزعاجه المصطنعة، سمعتُ شيئاً لم يستطع إخفاءه: * الإيقاع المنتظم لأمواج البحر… * رنين الكؤوس المتضاربة… * وضحكات امرأة شابة لا تفارقها الخفة.
لم أجادل. اكتفيتُ بالنظر إلى الطاولة الصغيرة بجوار الموقد، حيثُ وُضعت المتعلقات الأخيرة الخاصة بـ «أمينة» — والدته.
المرأة التي رعيتها ليلاً ونهاراً لقرابة عشرين عاماً.
في الوقت الذي يدّعي فيه «طارق» أنه في رحلة عمل، بينما يستمتع بالمشروبات على الشاطئ مع امرأة أخرى، لم يكن يعلم أن أمه قد فاضت روحها إلى بارئها.
* لم يكن يعلم أنني بقيتُ بجانبها حتى اللحظة الأخيرة.
* لم يكن يعلم أنني أنهيتُ كافة إجراءات الجنازة والدفن بمفردي.
في ذلك الوقت، لم تتبقَّ في عيني دمعة واحدة؛ فقد جففت غرفة الطوارئ آخر دموعي في الليلة السابقة.
«أرجوكِ تمسكي بالحياة يا أمي أمينة»، همستُ وأنا أمسك يدها الضئيلة وأحاول الاتصال بطارق للمرة الثلاثين دون جدوى. كل مكالمة ذهبت أدراج الرياح.
«أنا أسفة جداً»، بكيتُ وأنا أسند رأسي إلى جوار فراشها في المستشفى: «لا أستطيع الوصول إليه.»
ثم حدث شيء غير متوقع… أصابع «أمينة» الساكنة ضغطت فجأة على يدي بقوة غير متوقعة. فتحت عينيها، ومن خلف قناع الأكسجين، تحركت شفتاها ببطء دون أن يصدر صوت.
لكن بعد عشرين عاماً قضيتها معها، فهمتُ تماماً ما كانت تحاول قوله:
> لا تبكي بعد اليوم… لقد حان الوقت.
وباستعمال ما تبقى لها من رمق أخيرة، دست شيئاً بارداً ومعدنياً في كفي. وبعد ثوانٍ معدودة… أطلق جهاز مراقبة نبضات القلب صفيراً طويلاً متواصلاً، وحلّ السكون التام في الغرفة.
ببطء، فتحتُ أصابعي المرتجفة. وكان يستقر في راحتي مفتاح فضي صغير؛ هو المفتاح نفسه الذي ظلت تحتفظ به سراً طوال سنوات.
وعندما نظرتُ مجدداً إلى وجهها الهادئ، فهمتُ الحقيقة… لم تكن هديتها الأخيرة مجرد تذكار، بل كانت رسالة، وربما الشيء الوحيد القادر على كشف السر الذي قضى ابنها سنوات طويلة يحاول إخفاءه.
—
## الجزء الثاني
كان الموتيل المغمور القريب من محطة القطار بمثابة غرفة عملياتي. كانت لافتة النيون الحمراء خارج النافذة تومض باضطراب، لتلقي بظلالٍ قاسية على السجادة المتهالكة. كانت الساعة قد تجاوزت الحادية عشرة ليلاً؛ وهو الوقت الذي أستيقظ فيه عادةً لأقلّب «أمينة» في فراشها الطبي منعاً لتقرحات الفراش. كان الصمت الشديد في الغرفة يثقب الأذنين.
فتحتُ حقيبة سفري واستخرجتُ جهازاً لوحياً قديماً، كنا نستخدمه أنا وزوجي طارق قبل أن يشتري أحدث الموديلات. وبمجرد اتصاله بشبكة الموتيل الضعيفة، انهالت الإشعارات المزامنة لبريده الإلكتروني على الشاشة. طارق، الذي لا يفقه شيئاً في التكنولوجيا، نسي تماماً إلغاء ربط بريده الأساسي بهذا الجهاز.
لفت انتباهي عنوان إحدى الرسائل:
`تم الخصم: منتجع ماوي الفاخر – 3,500 دولار`
كان التوقيت يتطابق تماماً مع الدقيقة التي توقف فيها قلب أمه «أمينة» عن النبض!
لم أبكِ، بل سرت في صدري موجة من الغضب البارد المحسوب.
فتحتُ تطبيق الرسائل المستمر بالعمل. كانت هناك رسالة غير مقروءة من «أميرة»، شقيقة طارق، والتي تهربت من حضور الجنازة بحجة أنها تعاني من صداع نصفي.
كتَبَت فيها:
> «مريم، هل طارق في رحلة عمل حقاً؟ إحدى صديقاتي رأته للتو في المطار مع فتاة أشقر! لا بد أن هناك خطأ ما، أليس كذلك؟»
أكاذيبه المغرورة المترهلة بدأت تتكشف وتنهار. تذكرتُ المعاملة القاسية التي تلقيتها من أقاربه قبل ساعات قليلة في العزاء؛ عمّه «سليمان» الذي تفوح منه رائحة الكحول المقززة وهو يصرخ بي: «جنازة تخلو من الابن الأكبر وصمة عار! من الواضح أنكِ فشلتِ في الاتصال به يا مريم!»، وعمّته «نعيمة» التي قالت بسخرية: «من الأرجح أنكِ طردتِهِ بغبائكِ وشدة إزعاجكِ».
لقد صلبوني بجهلهم، غير مدركين أن الرجل الذي يدافعون عنه كان يشرب المشروبات على الشاطئ برفقة عشيقته.
في الصباح التالي، وارتداءً لبدلة رسمية كحيلة، وصلتُ إلى بناية مكاتب هادئة من الآجر الأحمر وسط المدينة. كانت اللوحة النحاسية على الباب تحمل اسم: «الأستاذ منصور – محامٍ»؛ ذلك الرجل الأنيق والمهيب الذي اقترب مني بعد انتهاء العزاء وتفرق الأقارب الأقساء، ليعاملني بصفتي الإبنة الحقيقية التي لم تلدها «أمينة».
قال الأستاذ منصور برفق وهو يقودني إلى مكتبه الذي تفوح منه رائحة الجلد العتيق: «أنا سعيد لأنكِ أتيتِ يا مريم».
أخرجتُ المفتاح الفضي من منديل ورقي ووضعته على مكتبه الخشبي الفاخر. وبدون كلمة، أخرج الأستاذ منصور صندوقاً خشبياً عتيقاً من خزنته الحديدية.
ترددت يداي قليلاً وأنا أدخل المفتاح في القفل…
استعرض الأستاذ منصور مجموعة من الوثائق المالية على شاشة حاسوبه: «كانت حماتكِ دقيقة ومحتالة بشكلٍ مذهل يا مريم. قبل خمس سنوات، عندما لاحظت لأول مرة وجود اختلاسات وتناقضات في الحسابات المالية لشركة العائلة “القابضة”، قامت بتوظيفي بشكل خاص. وعلى مدار العامين الماضيين، ومع تدهور حالتها الصحية، قمنا بتوثيق كل تحويل بنكي غير مصرح به، وكل تقرير مصاريف مزور، وكل حساب في الخارج أنشأه طارق تحت مظلة الشركة.»
سألته بصوت خافت: «كم اختلس؟»
أجاب الأستاذ منصور وهو يدير الشاشة نحوي: «مباشرة من احتياطيات الشركة؟ ما يقارب أربعة ملايين ومئتي ألف دولار. وهذا لا يشمل الأربعمئة ألف دولار التي سحبها من الصندوق الطبي الخاص بوالدته خلال الثمانية عشر شهراً الماضية — وهي الأموال التي كانت مخصصة لتغطية رعايتها الطبية الخاصة ودفع مخصصاتكِ لقاء جهودكِ.»
خرجت مني ضحكة مريرة: «أخبرني أن الصندوق ينفذ! وأنه يجب علينا تقليل جلسات العلاج الطبيعي لأن الأموال لم تعد تكفي!»








