اتصلت بزوجي 30 مرة

أنهيتُ المكالمة وأومأتُ لحراس الأمن.
وعند البوابة، ترجل طارق من سيارته وأمسك بالسياج محاولاً تسلقه. وفي غضون ثلاثين ثانية، أقبلت سيارتان من الشرطة واستقرتا خلف سيارته الفارهة، وتلألأت أضواؤهما الحمراء والزرقاء بين أشجار الشارع.
كان الأستاذ منصور قد قدم أمر منع طارئ وبلاغاً باختلاس أموال الشركة قبل ست ساعات. لم تكن الشرطة هناك لفض نزاع زواجي، بل لتنفيذ أمر استدعاء وحظر، ومصادرة أجهزة طارق الإلكترونية.
عبر كاميرات المراقبة، شاهدتُ غرور طارق ينهار ويتتحول إلى غضب أعمى بينما كان الضباط يسحبون يديه خلف ظهره. صرخ باسمي ووجهه محتقن بالغل، حتى أدخلوه في خلفية سيارة الدورية.
لم أشعر بالانتصار… بل شعرت براحة عميقة وهائلة. كان الهواء في رئتيّ أنقى مما كان عليه منذ عشرين عاماً.
—
## الجزء الخامس
عُقد الاجتماع الطارئ لمجلس إدارة شركة العائلة عند الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي، في غرفة الاجتماعات الزجاجية بالطابق العلوي للبرج المالي وسط المدينة.
وكان قد تم الإفراج عن طارق بكفالة قدرها خمسون ألف دولار في وقت متأخر من الليلة السابقة، دفعها عمُّه «سليمان».
عندما دخل طارق غرفة الاجتماعات، محاطاً بعمّه «سليمان»، وعمّته «نعيمة»، ومحامٍ جنائي باهظ الثمن، كان لا يزال يرفض التخلي عن كبريائه. كان يعتقد أنه داخل إلى مشادة عائلية عادية يمكن تسويتها بالتهديدات والوعيد القانوني.
توقع أن يرى أعضاء المجلس يجلسون لمحاكمتي أنا — الزوجة العبء التي خرجت عن السيطرة.
لكنه بدلاً من ذلك، وجد أعضاء مجلس الإدارة الاثني عشر يجلسون على جانب واحد من الطاولة الطويلة، صامتين بوجوه جادة. وعلى رأس الطاولة جلس الأستاذ منصور.
**وفي مقعد الرئيس التنفيذي… كنتُ أجلس أنا.**
صاح عمّه «سليمان» بغضب وهو يضرب حقيبته على الطاولة: «ما هذه المهزلة؟ مريم لا تملك أي صفة هنا! هي مجرد زوجة ابن! طارق هو الوريث الشرعي لهذه الشركة، وهذا الكمين خرق فاضح للأنظمة!»
قال الأستاذ منصور بهدوء وهو يفتح ملفاً جلدياً: «اجلس يا سليمان… وإلا سأطلب من الأمن طردك للعدوان والتعدي.»
صرخ طارق متقدماً نحو الطاولة وعيناه محتقنتان بالدم: «لا يمكنك الحديث مع عمي بهذه الطريقة! مريم، توقفي عن لعب دور الرئيس التنفيذي! أنتِ لم تعملي يوماً واحداً في حياتكِ! قضيتِ عشرين عاماً تجلسين في المنزل وتقتاتين على أموال أمي!»
قلتُ له بصوت خافت متزن، وأنا أنظر في عينيه مباشرة ولأول مرة منذ دخوله: «على أموالها؟»
رفعتُ حزمة سميكة من القوائم المالية المطبوعة ومررتها عبر الطاولة الزجاجية نحو محاميه.
«على مدار عشرين عاماً يا طارق، كنتُ أعمل 24 ساعة في اليوم، 7 أيام في الأسبوع، أقدم لرعاية والدتك الطبية ما كان سيكلف هذه التركة مئات الآلاف سنوياً في دور الرعاية الخاصة. وبينما كنتُ أنظفها، وأطعمها، وأمسك بيدها أثناء نوبات الهلع… كنتَ أنت تسرقها وتختلس أموالها.»
ألقى محامي طارق نظرة سريعة على الصفحة الأولى من الحزمة. ومما أخذت عيناه تتنقلان بين أرقام التحويلات المالية المفصلة لحساب الشركة الوهمية، شحب وجهه بشكل ملحوظ. مد يده وشدم أكمام طارق برفق محاولاً إرجاعه للخلف.
صرخ طارق بحدة وهو ينفض يد محاميه: «اخرس أنت! هذه استثمارات للشركة! وأنا أملك كامل الصلاحية التنفيذية لتوزيع رؤوس الأموال!»
قاطعه الأستاذ منصور بنبرة حازمة: «ليس بدون موافقة مجلس الإدارة. وبالمؤكد ليس عندما تكون الجهة المستلمة لتلك الأموال شركة وهمية أُنشئت لشراء شقة فاخرة على الشاطئ بقيمة مليونين دولار باسمك واسم الآنسة “نجلاء”!»
عم الصمت المطبق غرفة الاجتماعات. وشخصت أبصار عدة أعضاء من المجلس وهم يشيحون بوجوههم عن طارق باشمئزاز.
وتابع الأستاذ منصور: «علاوة على ذلك، استرجعنا التسجيل الصوتي الكامل من نظام الأمان المثبت في غرفة المرحومة “أمينة” — وهو النظام الذي ثبّتَهُ أنت لمراقبة مريم، ولكنه سجل أيضاً حديثك الأخير مع والدتك قبل ثلاثة أسابيع.»
تجمد طارق في مكانه. غادرت كل قطرة دم وجهه، ليمسي أصفر كالموت.
سألته بصوت رنان وثابت عبر الغرفة: «تتذكر ذلك الحديث، أليس كذلك يا طارق؟ في الليلة التي ظننت فيها أنها فاقدة للوعي تماماً؟ وقفت فوق رأسها وقلت لها إنك بمجرد موتها ستبيع المنزل، وتطردني إلى الشارع دون قرش واحد، وتنتقل بالعيش هنا مع “نجلاء”.»
تألعثم طارق وهو يفقد كل مظاهر غروره: «هذا… هذا كذب! لم تكن تسمعني… كانت في غيبوبة…»
قلتُ له: «كانت تسمع كل كلمة… وكذلك يفعل الميكروفون الرقمي.»
ضغط الأستاذ منصور على زر في حاسوبه. ملأ صوت أنفاس «أمينة» الهادئة الغرفة، يليه صوت طارق الحاد والقاسي وهو يصرخ عبر السمعات:
> «موتي بسرعة أيتها العجوز! لقد تعبت من التظاهر بالاهتمام. بمجرد رحيلك، سأرمي مريم على الرصيف، وكل ما بنيتِهِ سيكون لي.»
شهقت العمّة «نعيمة» ووضعت يدها على فمها صدمةً. أما العَم «سليمان» فنظر إلى الأرض عاجزاً عن النظر في عيون الحاضرين.
وقف طارق متجمداً ينظر إلى الحاسوب كأنه أفعى سامة.
أعلن الأستاذ منصور: «بموجب البند 12 من النظام الأساسي للشركة، فإن أي مسؤول يرتكب أفعالاً تمس الشرف أو اختلاساً جسيماً أو إخلالاً بالأمانة ضد المساهمين المؤسسين، يخضع للإقالة الفورية، ومصادرة جميع أسهمه، واسترداد كافة التعويضات.»
وقفتُ من مقعدي ووضعت يديّ بصلابة على الطاولة الخشبية.
«طارق… بموجب التصويت الإجماعي للأسهم الحاكمة، تُقال من جميع مناصبك في شركة العائلة فوراً. تم تجميد وصولك لجميع الحسابات، وستقوم الشركة برفع دعاوى جنائية رسمية بتهم السرقة الكبرى، الاختلاس، وإساءة معاملة كبار السن.»
همس محامي طارق في أذنه بإلحاح: «لا تقل شيئاً آخر… سنغادر الآن.»
نظر إليّ طارق، وشفتاده ترتجفان ويداه ترتعدان إلى جانبه. على مدار عشرين عاماً، كان يراني مجرد أثاث هادئ وغير مرئي في بيته — شخصاً يمكن تجاهله، والتحكم فيه، ثم التخلص منه. لكنه كان ينظر إليّ الآن وهو يرى أخيراً المرأة التي ائتمنتها أمه على إرثها الكامل.
همس بنبرة متكسرة: «مريم… أرجوكِ، يمكننا التحدث… نحن عائلة!»
قلتُ له بصوت خافت: «لم نكن عائلة قط يا طارق. كنت مجرد مؤجر نسيَ أن البيت ليس ملكه.»
—




