اتصلت بزوجي 30 مرة

قال الأستاذ منصور بأسف: «لقد كذب عليكِ. كان يحول تلك المبالغ إلى حساب في ملاذ ضريبي باسم شركة وهمية مسجلة باسمه واسم امرأة تُدعى “نجلاء”…»
كررتُ الاسم والمرار يملأ فمي: «نجلاء… الفتاة الأشقر في المطار.»
«بالضبط. علاوة على ذلك، فإن ملكية القصر العائلي والمزرعة لم تُنقل قط إلى طارق، رغم ادعاءاته أمام أقاربه. لقد عدّلت “أمينة” وصيتها سراً قبل ستة أشهر؛ حيث وضعت المنزل، والأسهم الحاكمة في الشركة، وكافة الأصول المالية المتبقية تحت تصرف كائن استثماري خاص.»
ثم سحب وثيقة ومررها عبر المكتب. نظرتُ إلى أسفل الصفحة حيث يُذكر اسم المستفيد الأساسي:
**«مريم العلي»**
أوضح الأستاذ منصور: «أنتِ الآن تمتلكين 85% من أسهم التصويت في شركة العائلة، بينما يمتلك طارق 15% فقط مشروطة بحسن سلوكه مع مجلس الإدارة. وبمجرد تقديم بلاغ الاحتيال والتزوير الجنائي، ستُسحب منه أسهمه فوراً بموجب البند 12 من اللائحة الداخلية للشركة.»
نظرتُ إلى المفتاح الفضي المستقر على المكتب الخشبي وسألته: «ما الخطوة التالية؟»
ابتسم الأستاذ منصور ابتسامة حادة ودقيقة أظهرت المحامي الشرس المخبأ خلف مظهره الهادئ: «الخطوة التالية… ننتظر عودته إلى الوطن.»
—
## الجزء الثالث
انفتح القفل بصوت معدني حاد تردد صداه في الغرفة الهادئة كأنه ضربة مطرقة القاضي.
تراجع الأستاذ منصور إلى الخلف، مشيراً بيده إلى أن الصندوق بات ملكي لأفتحه. وفي الداخل، كان هناك دفتران كبيران بجلاد جلدي، وظرف مغلق بالشمع الأحمر، بالإضافة إلى وحدة ذاكرة (Flash Drive) ملفوفة ببطاقة مكتوبة بخط يد «أمينة».
التقطتُ البطاقة أولاً. كان خطها مرتجفاً، كتبته في أشهرها الأخيرة قبل أن يصيبها الشلل ويحرمها من الصوت، لكن الإصرار في كل حرف كان واضحاً كالشمس:
> **«إلى مريم… ابنتي بكل ما تحمله الكلمة من معنى،**
> إن كنتِ تقرئين هذه السطور، فهذا يعني أنني رحلت، وأن ابني قد أثبت أنه الجبان الذي طالما خشيتُ أن يكونه. على مدار عشرين عاماً، وهبتِني شبابكِ، ورعايتكِ، وقلبكِ، بينما كان طارق يعاملكِ كأنكِ تحصيل حاصل، ويعاملني أنا كأنني عبء عليه. هو يعتقد أن هذا البيت، وعقارات العائلة، وأموال التركة ملكٌ له بحكم النسب.
> **هو واهم.**
>
> الأموال التي ينفقها على ملذاته لا تأتي من عبقريته، بل من الشركة التي بنيتها أنا ووالده الراحل — وهي الشركة التي ظل طارق يختلس منها سراً طوال خمس سنوات. كل شيء داخل هذا الصندوق سيعرّيه من أوهامه. استخدميه… لا ترحميه، ولا ترحمي عائلته التي وقفت تتفرج عليكِ وأنتِ تنزفين من أجلنا.
>
> **كوني قاسية يا ابنتي العزيزة… فقد استحققتِ حريتكِ.»**
أغمضتُ عينيَّ للحظة، تاركة كلماتها تتغلغل في أعماق صدري. الحزن الهادئ الذي أثقل كاهلي لأيام تحوّل فجأة إلى شيء حاد، مضيء، ولا يمكن إيقافه.
—
## الجزء الرابع
عاد طارق إلى المدينة مساء يوم الخميس، بعد أربعة أيام من وفاة والدته.
لم يتصل بي، ولم يرسل رسالة للطمأنينة على أمه. بدلاً من ذلك، قاد سيارته الرياضية الحديثة رأساً إلى قصر العائلة، متوقعاً أن يجدني جالسة بجوار فراش «أمينة»، متعبة، خاضعة، وجاهزة للاعتذار عن “إزعاجي” له أثناء مفاوضاته التجارية المزعومة!
ولكنه تفاجأ بالبوابة الحديدية الفخمة مغلقة في وجهه.
كنتُ أقف على شرفة القصر، أرتدي بدلة رسمية داكنة، وأراقبه عبر شاشات المراقبة بينما كانت سيارته تتوقف عند البوابة. وبجانبي اثنان من حراس الأمن الخاص والأستاذ منصور.
عندما فشل الرمز السري في فتح البوابة، ضرب طارق قبضته على لوحة الاتصال، وانطلق صوته عبر السماع يفيض بالغضب:
«مريم! ما هذا العبث في البوابة؟ افتحي هذا الباب اللعين فوراً!»
ضغطتُ على زر التحدث، ممتنعة عن إظهار أي مشاعر: «لم يعد لك أي حق في دخول هذا العقار يا طارق.»
ساد الصمت لثوانٍ قبل أن تنطلق منه ضحكة ساخرة وغير مصدقة: «هل فقدتِ عقلكِ؟ لقد كنتُ في رحلة عمل شاقة أتعامل مع عقود بالملايين، وأعود لأجد هذه الألعاب الصبيانية؟ افتحي البوابة قبل أن أفقد أعصابي!»
قلتُ له بنبرة ثابته: «والدتك توفيت منذ أربعة أيام يا طارق. وقيمت جنازتها يوم الثلاثاء… وقد تفوّتَ حضورها.»
ساد صمت مطبق عبر المكبر لمدة ثلاث ثوانٍ كاملة. وللحظة خاطفة، ظننتُ أن شيئاً من الإنسانية قد يلمس قلبه.
لكنه تحدث بنبرة تقطر انزعاجاً مزيفاً: «ماذا؟ لماذا لم تصرّي وتلحي بالاتصال أكثر عندما كلمتِني؟ كنتِ تعلمين أنني في اجتماعات رفيعة المستوى! كان عليكِ الاتصال بخط الفندق المباشر! هذا أسلوبكِ المعتاد دائماً… تصنعين الدراما لتظهريني بمظهر السيئ أمام عائلتي!»
رددتُ عليه ببرود: «شقيقتك “أميرة” تعلم أنك كنت في Hawaii، وكذلك مجلس إدارة الشركة بأكمله. أنصحك بتفقد بريدك الإلكتروني.»




