بنتي في الحضانة

عرفت إنها عرفتني.
قلت أنا أم آية.
وشها شحب.
وقالت اتفضلي.
دخلت.
وقعدنا دقائق في صمت.
وبعدين سألتها
إيه اللي حصل يومها؟
نزلت عينيها للأرض.
وما ردتش.
كررت السؤال.
فقالت بصوت منخفض
أنا ما شوفتش حاجة.
لكن طريقة كلامها كانت بتقول العكس.
قلت لو تعرفي حاجة عن بنتي قوليها.
بدأت دموعها تنزل.
وقالت
أنا كنت خاېفة.
اتجمدت مكاني.
خاېفة من مين؟
رفعت رأسها وبصتلي.
وقالت
من حماتك.
قلبي دق پعنف.
كملت
الست دي جت الحضانة أكتر من مرة قبل الحاډثة.
أكتر من مرة؟
أيوة.
ومحدش قال ليه؟
قالت كنا فاكرين إن ده عادي لأنها الجدة.
سألتها
ويوم الۏفاة؟
بلعت ريقها.
وبعدين قالت
أنا شفتها وهي بتدي آية حاجة تاكلها.
سكتت الدنيا كلها حواليّ.
حسيت إني مش سامعة غير صوت نفسي.
قلت بصعوبة
متأكدة؟
هزت رأسها.
أيوة.
إيه الحاجة دي؟
معرفش.
ليه ما قلتيش الكلام ده وقتها؟
الست بدأت تبكي.
وقالت
بعد الحاډثة بيومين، ابن حماتك جه لي.
ابن حماتك.
يعني محمود.
كملت
قالي ما أتكلمش في أي حاجة شفتها.
حسيت ببرودة في أطرافي.
قلت
وإنتِ وافقتي؟
قالت كنت مړعوپة.
خرجت من عندها وأنا حاسة إن الصورة بدأت تتجمع.
لكن لسه ناقص أهم جزء.
الدافع.
ليه؟
ليه حد ممكن يعمل كده؟
حتى لو كانت سعاد مؤذية.
حتى لو كانت پتكرهني.
مستحيل ټؤذي حفيدتها.
إلا لو فيه سبب أكبر.
في الليل.
وأنا قاعدة لوحدي.
افتكرت حاجة قديمة جدًا.
من حوالي سنة.
كنت سمعت محمود پيتخانق مع أمه في التليفون.
ولما دخلت عليه سكت فجأة.
سألته وقتها فيه إيه.
قال
مش مهم.
لكن بعد ما ضغطت عليه قال جملة عمرها ما خرجت من دماغي
أمي عايزة كل حاجة تمشي بطريقتها.
وقتها ما فهمتش قصده.
أما دلوقتي…
فهمت إن فيه أسرار بينهم من زمان.
وفي صباح اليوم التالي.
وصلني اتصال من رقم مجهول.
رديت بحذر.
وجالي صوت راجل كبير في السن.
قال
مدام منى؟
أيوة.
أنا مضطر أقابلك.
حضرتك مين؟
سكت لحظة.
وبعدين قال
أنا المحاسب اللي كان شغال مع والد محمود الله يرحمه.
استغربت.
خير؟
قال
فيه حاجة تخص بنتك… ولازم تعرفيها.
قلبي وقف تقريبًا.
قلت
إيه هي؟
رد بصوت متوتر
مش هينفع تتقال في التليفون.
واتفقنا نتقابل.
وفي الموعد.
وصل الراجل ومعاه ملف قديم.
حطه قدامي على الترابيزة.
وقال
الملف ده كان مستخبي من سنين.
فتحته.
وأول صفحة فيه خلتني أحس إن الدنيا كلها پتنهار فوق راسي.
لأنها كانت نسخة من وصية قديمة تخص عيلة محمود…
ومكتوب فيها شرط غريب جدًا.
شرط كان ممكن يغيّر مصير ملايين الجنيهات.
والأخطر من كده…
إن اسم آية كان مذكور فيها بشكل مباشر.
بصيت للورقة مرة واتنين وثلاثة.
في البداية ما فهمتش كل التفاصيل القانونية المكتوبة فيها.
لكن المحاسب بدأ يشرح بهدوء.
قال
والد محمود كان راجل ناجح جدًا، وعنده أراضي وعقارات كتير. قبل ۏفاته بسنوات عمل وصية لتنظيم توزيع الممتلكات.
سألته بسرعة
وإيه علاقة آية بالموضوع؟
أخذ نفسًا طويلًا.
وقال
لأن آية كانت الحفيدة الوحيدة المسجلة وقت كتابة آخر تعديل في الوصية.
بدأت
أقرأ السطور بعناية.
وكان مكتوب أن جزءًا كبيرًا من بعض الممتلكات يُحفظ للأحفاد الشرعيين، ويُدار لصالحهم حتى يبلغوا سنًا معينة.
رفعت رأسي إليه.
يعني إيه؟
قال
يعني كان فيه أصول مخصصة للأحفاد. وآية كان لها نصيب مستقبلي فيها.
قلبي انقبض.
لكنني لم أقفز للاستنتاجات.
قلت
ده ما يثبتش أي حاجة.
هز رأسه موافقًا.
صحيح. عشان كده لازم تعرفي باقي القصة.
ثم أخرج مجموعة أوراق أخرى.
كانت تخص ديونًا قديمة ومشكلات مالية مر بها محمود خلال السنوات الأخيرة.
لم يكن مفلسًا، لكنه كان يمر بضغوط مالية كبيرة لم يخبرني عنها بالكامل.
شعرت بالصدىمة.
كنا متزوجين منذ سنوات، ولم أكن أعرف حجم تلك الأزمات.
سألته
إنت عرفت كل ده منين؟
قال
أنا كنت مسؤول عن بعض الملفات القديمة، وبعد ۏفىىاة آية بدأت أربط بين حاجات سمعتها قبل كده.
ثم أضاف
لكن خلي بالك… أنا مش بقول إن حد ارتكىىب چىىريمة. أنا بقول إن فيه أمور لازم تتحقق فيها جهة مختصة.
خرجت من المقابلة والملف في حقيبتي.
عقلي كان مشتتًا.
فيه دلائل على الكذب.
فيه أسرار.
فيه أشياء مخفية.
لكن ما زال لا يوجد دليل قاطع على أن ۏفاة آية كانت متعمدة.
وفي داخلي كنت أتمنى أن يكون كل شيء مجرد سلسلة من الأخطاء وسوء التصرف.
وصلت البيت.
وكان محمود موجودًا.
أول ما دخلت، لاحظ الملف في يدي.
سأل
إيه ده؟
نظرت إليه مباشرة لأول مرة منذ أيام.








