قصص و روايات

حماتي والحمل

تحاول إقناع حازم بضرورة تربية البنت كأنها ولد لتكفر عن ذنب كونها أنثى، قررتُ أن أضع حداً نهائياً. انتظرت حتى هدأت العاصفة، وناديت عليهما. وقفت بكل قوتي، رغم تعب النفاس، ونظرت في عيني نادية مباشرة
نادية.. ابنتي ليست مشروعاً فاشلاً، وليست تكراراً لتاريخ العائلة. هي فردٌ مستقل، لها روح، لها أحلام، وستكبر لتكون الشخص الذي تختاره هي، لا الذي تختارينه أنتِ. أوضة الطفل ليست باللون الذي ترغبين، بل بالألوان التي ستلون عالمها الخاص. ومن اليوم، أي تلميح بأنها أقل أو خيبة أمل، يعني أنكِ لن تريها إلا في الأعياد والمناسبات الرسمية.
ساد صمت طويل، لدرجة أنني كنت أسمع دقات قلبي. حازم، سندي الذي طالما كان صامتاً في وجه ضغوط والدته، أمسك بيدي وقبلها، ثم نظر لأمه وقال بصوت حازم وحازم جداً يا أمي، أنا أحب هذه البنت أكثر من أي شيء في الدنيا. لقد أنقذتني من تفكير كان سيحول بيتي إلى ساحة تدريب عسكري بدلاً من أن يكون بيتاً دافئاً. إذا أردتِ أن تكوني جزءاً من حياتنا، فاقبلي حفيدتك كما هي، كهدية لا كعبء.
خرجت نادية من البيت، ومن حياتي اليومية. لم تعد مفاتيح شقتي في جيبها، ولم تعد خبيرة في شؤون منزلي. في البداية، شعرت بالذنب، لكن بعد فترة، لاحظت التغيير. الطفلة نمت في بيئة هادئة، مليئة بالحب لا بالتوقعات الخانقة.
بدأت نادية بمرور الأشهر تزورنا كجدة، وليس كمالكة للمنزل. كانت تنظر لحفيدتها التي بدأت تمشي وتلعب، وتلاحظ ذكاءها الحاد، وقوتها التي لا تشبه قوة الصبيان، بل قوة من نوع خاص؛ قوة الإصرار والتميز.
في عيد ميلادها الأول، دخلت نادية الغرفة، لم تكن تحمل تعاويذ ولا . كانت تحمل دمية كبيرة، لكنها لم تكن دمية عادية، كانت مجموعة كتب تعليمية ملونة. نظرت إليّ وقالت بكلماتٍ متثاقلة، كأنها تحاول غسل سنوات من الغرور لقد كنتُ مخطئة. كنتُ أبحث عن وريث لاسم العائلة، بينما فاتني أنني حصلتُ على جوهرة.
ابتسمت لها، وأدركتُ حينها أنني لم أربِ طفلتي فحسب، بل ربما ساعدتُ نادية أيضاً على أن تولد من جديد، بعيداً عن أوهام السيطرة. أدركتُ أن الأمومة الحقيقية ليست في إنجاب نوع معين، بل في احتضان الحياة بكل أشكالها، وفي وضع حدود تحمي سلامنا النفسي، وفي بناء عائلة تقوم على الاحترام لا على الأوامر.
الآن، بعد مرور سنتين، ابنتي تقرأ الكتب، تلعب بالكورة، وترتدي الأزرق والوردي، وتضحك في وجه جدتها نادية التي صارت تجلس معها لساعات، تحكي لها قصصاً عن القوة.. قصصاً أصبحت تتغير فصولها لتناسب روح حفيدتها المتمردة والذكية. لقد تعلمت نادية أخيراً، أن الولد أو البنت، كلاهما نعمة، وأن العائلة الحقيقية هي التي تتقبل المختلف ولا تحاول قټله في مهد التوقعات.
أنهيتُ رحلتي مع نادية بانتصارٍ ليس فقط لحقي كأم، بل بانتصارٍ لمنطق الحب الذي انتصر على طمع التقاليد. واليوم، حين أنظر إلى طفلتي، لا أرى خيبة أمل ولا مشروعاً فاشلاً، أرى مستقبلاً يكتبه قلبي، لا مخططات الآخرين.

الصفحة السابقة 1 2 3
زر الذهاب إلى الأعلى