ابني

نفسه يكمله، لكن القدر ما ادّالوش الفرصة.
أما إحنا…
فبقينا قدام وعد جديد لازم نكمله بدلًا منه عدى أسبوع كامل.
خلاله بدأنا ندور على كل فرد من العيلة انقطعت أخباره.
واحد كان مسافر من سنين.
وواحدة كانت عايشة في محافظة تانية بعد وفاة جوزها.
وحد تالت كان قاطع علاقته بالجميع بسبب خلاف على ميراث قديم، واتضح بعد مراجعة الأوراق إن الخلاف كله كان مبني على ورقة ناقصة وسوء فهم.
بفضل العقود والرسائل اللي كانت في الصندوق، بدأت الصورة تتضح.
ولأول مرة من عشرات السنين…
بدأت المكالمات ترجع بين أفراد العيلة.
وبدأت البيوت اللي كانت مقفولة تفتح أبوابها من جديد.
وفي يوم الجمعة، اتجمعنا كلنا في البيت القديم.
كان عددنا كبير.
أطفال بيلعبوا في الجنينة.
وكبار قاعدين يحكوا ذكريات زمان.
وقفت أبص للمشهد، وافتكرت كلام ابني في الفيديو
نفسي أمي تشوف الكل مجتمع.
ابتسمت وسط دموعي.
يمكن هو مش موجود بجسمه…
لكن أثره جمع ناس كانوا فاكرين إنهم عمرهم ما هيرجعوا لبعض.
نهى قربت مني وهي ماسكة الظرف الأخير.
وقالت
أعتقد… جه وقته.
بصيت حواليّ.
كل الأسماء اللي كانت في شجرة العيلة بقوا موجودين.
هزيت رأسي.
فتحت الظرف ببطء.
كان جواه خطاب واحد.
بدأت أقرأ بصوت مسموع
إذا كنتم تقرأون هذه الرسالة، فاعرفوا أن الأمانة وصلت، وأن الخصام انتهى، وأن البيت رجع مليان بأصحابه.
ثم توقفت لحظة.
لأن آخر سطر كان مختلفًا عن باقي الخط.
واضح إنه مكتوب بخط ابني.
يا أمي… لو حققتي الأمنية دي، يبقى أنا مطمن.
ماقدرتش أكمل.
الدموع غلبتني.
لكن في نفس اللحظة…
شد آدم طرف هدومي.
بصيت له.
ناولني ورقة صغيرة مطوية.
استغربت.
قلت
دي إيه؟
قال
لقيتها تحت سجادة الأوضة اللي فيها الباب الحديد.
فتحت الورقة.
كانت قديمة جدًا، وحوافها متآكلة.
لكن اللي شد انتباهي إن الخط مش خط الأستاذ محمود…
ولا خط ابني.
وفي أولها مكتوب
إلى من سيكمل الطريق بعدنا…
نظرت إلى نهى.
ثم إلى الورقة مرة أخرى.
كان واضحًا أن حكاية الأمانة التي ظننا أنها انتهت…
كانت تخفي فصلًا جديدًا لم نعرف عنه شيئًا بعد فتحت الورقة بحذر، لأن أطرافها كانت هشة جدًا.
بدأت أقرأ بصوت منخفض
إلى من سيكمل الطريق بعدنا… إذا وصلت هذه الرسالة إليك، فاعلم أن ما فعلناه لم يكن من أجل الأوراق ولا البيوت، بل من أجل ألا تضيع الذكريات.
ساد الصمت في الغرفة.
كملت القراءة
كل صورة في هذا البيت لها حكاية، وكل رسالة كُتبت كانت محاولة للإصلاح، لكن هناك شيء واحد لم نعثر عليه أبدًا…
قطبت جبيني.
إيه هو؟
قلبت الصفحة.
كان فيها رسم بسيط لشجرة العيلة، لكن في أحد الفروع كان فيه اسم ممسوح بعناية، كأن حد تعمد يخفيه.
نهى قربت مني وقالت
أنا أول مرة أشوف الاسم ده.
جوزها قال
واضح إنه اتشال من زمان.
وفي أسفل الصفحة، كانت جملة قصيرة
ابحثوا عن الألبوم الأزرق… ففيه الصورة التي لم تكتمل.
بصيت حواليا.
كل الألبومات اللي لقيناها كانت بنية أو خضراء.
مفيش أي ألبوم أزرق.
وفجأة، آدم جري ناحية المكتبة القديمة.
وقف قدام الرف الأخير، ومد إيده فوق الدولاب، ونزل ألبوم مغطى بطبقة تراب سميكة.
ولما مسحنا التراب…
ظهر لونه.
كان أزرق.
اتبادلنا النظرات.
فتحته ببطء.
فيه صور كتير للعيلة في مناسبات مختلفة.
لكن آخر صفحة كانت غريبة.
كان فيها مكان صورة… والصورة نفسها مش موجودة.
مكانها ورقة صغيرة مكتوب عليها
الصورة مع صاحبتها… وستعود يوم تعود الابتسامة إلى هذا البيت.
وقبل ما نستوعب معنى الكلام…
سمعنا طرقًا خفيفًا على باب البيت القديم.
خرج جوز نهى يفتح.
وبعد لحظات رجع، ومعاه سيدة كبيرة في السن، شعرها أبيض، وفي إيدها إطار صورة ملفوف بقماش أبيض.
أول ما دخلت، بصت على الألبوم الأزرق، وابتسمت وقالت
واضح إنكم وصلتوا للمرحلة الأخيرة… وأنا جيت أوفي بوعد قطعته من ثلاثين سنة.
ثم وضعت إطار الصورة على الطاولة…
وقالت بهدوء
دي الصورة الناقصة… واللي بسببها بدأت الحكاية كلها وضعت السيدة إطار الصورة على الطاولة بكل هدوء.
كلنا اتجمعنا حواليها.
كانت إيدي بتترعش وأنا بفك القماش الأبيض.
ولما ظهر الإطار…
لقينا صورة قديمة بالأبيض والأسود.
فيها أفراد العيلة كلهم واقفين قدام البيت القديم.
لكن الغريب…
إن في طرف الصورة مكان كان واضح إنه اتقص واتلزق فيه جزء تاني باحتراف.
السيدة ابتسمت وقالت
دي مش الصورة الأصلية.
سألتها باستغراب
يعني إيه؟
قالت
زمان، لما حصل الخلاف بين الإخوات، واحد منهم قص جزء من الصورة، لأنه كان رافض حتى يشوف أخوه فيها. ومن يومها كل واحد احتفظ بنسخة ناقصة.
نهى همست
عشان كده الألبوم كان ناقص.
أومأت السيدة برأسها.
ثم فتحت حقيبتها، وأخرجت ظرفًا صغيرًا.
ومن داخله أخرجت…
الجزء المفقود من الصورة.
كان محفوظًا بعناية طوال السنين.
ناولته لي.
وقالت
ركبيه مكانه.
مسكت القطعة بحذر.
ولما حطيتها فوق الصورة…
اكتملت لأول مرة بعد أكثر من ثلاثين سنة.
كل أفراد العيلة بقوا ظاهرين.
ووسطهم…
وقف طفل صغير مبتسم.
سألت السيدة
مين الطفل ده؟
ابتسمت وهي تنظر للصورة طويلًا.
وقالت
ده جدكم وهو صغير… وكان دايمًا يقول إن العيلة مهما اتفرقت، هييجي يوم وترجع تضحك قدام الصورة دي من تاني.
ساد الصمت.
كان واضح إن كل رحلة الأمانة دي بدأت من وعد بسيط… وانتهت بلمّة عيلة.
في اللحظة دي، بصيت لآدم.
لقيته مبتسم للصورة.
وسألني
الأبلة… هو كده بقى كل الناس رجعت؟
ابتسمت لأول مرة من قلبي من يوم وفاة ابني.
وربتّ على رأسه وقلت
لسه يا آدم… بس إحنا أخيرًا عرفنا الطريق.
وانتهى اليوم على صوت ضحكات الأطفال في جنينة البيت القديم…
بينما كانت صورة العيلة المكتملة معلقة في منتصف الصالة، بعد غياب جزء منها لسنوات طويلة، لتبقى شاهدًا على أن الذكريات الصادقة، والمحبة، قادرة على جمع ما فرقته الأيام في صباح اليوم التالي، رجعت البيت وأنا حاسة لأول مرة من سنين إن في هدوء جوايا.
وقفت قدام صورة ابني المعلقة في الصالة.
ابتسمت وقلت بصوت واطي
نفذت وصيتك… والعيلة رجعت لبعض.
ولأول مرة من خمس سنين…
حسيت إني قادرة أدعيله من غير ما أنهار.
بعد كام يوم، وأنا برتب الأوراق اللي رجعناها من البيت القديم، لفت نظري ملف صغير ماكنتش فتحته.
كان مكتوب عليه
خاص بالحضانة.
استغربت.
إيه علاقة الحضانة بالأمانة؟
فتحته.
لقيت جواه إيصال تبرع قديم، وعقد تأسيس فصل للأطفال الأيتام، وتحتهم جواب بخط الأستاذ محمود.
كان حلم ابنك بعد التخرج يفتح فصل مجاني للأطفال اللي فقدوا أحد والديهم، وقال لي الطفل اللي يفقد أهله محتاج حضن قبل أي حاجة.
قفلت عيني.
افتكرت مرة وهو عنده سبعتاشر سنة، رجع من زيارة دار أيتام وقاللي
نفسي لما أكبر أعمل حاجة للأطفال دول.
كنت فاكرة إنه مجرد كلام شاب صغير…
لكن واضح إنه
—
كان مخطط بجد.
في اليوم اللي بعده، رحت الحضانة بدري.
ناديت المديرة، ووريتها الأوراق.
قرأتها بهدوء، وبعدين بصتلي وقالت
يعني كان نفسه يعمل الفصل ده؟
هزيت رأسي.
ابتسمت وقالت
يبقى نعمله.
بعد شهرين…
كان في الحضانة فصل جديد.
على بابه لافتة خشب بسيطة مكتوب عليها
فصل الأمل.
من غير أسماء.
من غير صور.
بس كل طفل يدخل الفصل كان يلاقي ألعاب، وكتب، وحد يسمعه ويهتم بيه.
وكل ما أشوف طفل بيضحك هناك…
كنت أحس إن جزءًا من حلم ابني بيتحقق.
أما آدم…
فبقى من أقرب الأطفال لقلبي.
لكن المرة دي، ما بقيتش أشوف فيه شبه ابني.
بقيت أشوفه هو…
طفل جميل، ربنا بعته في الوقت اللي كنت محتاجة فيه سبب أرجع أبتسم.
وفي آخر يوم في السنة الدراسية…
جري عليا قبل ما يمشي، واداني رسمة.
كانت فيها شجرة كبيرة…
وتحتها بيت…
وحواليه ناس ماسكين إيد بعض.
وفي آخر الرسمة كتب بخطه الصغير
العيلة لما تبقى مع بعض… كل واحد بيبقى في بيته.
حضنت الرسمة، وابتسمت.
لأنني أدركت أن فقدان الأحبة لا يختفي، لكنه قد يتحول مع الوقت إلى أثر طيب، يدفعنا لنكمل الخير الذي كانوا يتمنونه
ابني مات وهو عنده عشرين سنة في حادثة عربية وبعد خمس سنين ، دخل فصلي طفل صغير ، أول ما رفعت عيني عليه حسيت إن قلبي وقف في من مكانه لأن تحت عينه الشمال كانت نفس الوحمة نفس العلامة اللي كنت بحفظها عن ظهر قلب في وش ابني من يوم ما جبت ابني للدنيا وأنا وهو لوحدنا بنواجه الحياة. أبوه ساب الدنيا قبل حتى ما يشوفه ومن ساعتها بقيت أنا الأم والأب والسند والبيت والدنيا كلها بالنسبة ليه وهو كمان كان دنيتي الوحيدة والسبب اللي كنت بصحى عشانه كل صبح كبر قدام عيني سنة ورا سنة. أول يوم مدرسة ، أول مرة نزل يلعب لوحده ، أول مرة ناداني وهو فرحان بنجاحه كل لحظة كانت بالنسبة لي كنز. كنت ببص ليه وأقول في سري إن ربنا عوضني بيه عن كل حاجة خسرتها وإن وجوده في حياتي كان كفاية يهون أي تعب مر عليا ولما بقى عنده عشرين سنة ، خرج من البيت زي أي يوم عادي. قبل ما يقفل الباب بصلي وابتسم وقال بلاش تستنيني على العشا ممكن أتأخر شوية. ماكنتش أعرف إن دي آخر مرة هشوف فيها ابتسامته وبعدها بساعات جالي خبر وفاته. قالوا إنها كانت حادثة عربية والسواق كان سايق وهو سكران. الظابط حاول يهون عليا وقال بهدوء اطمني ابنك ما اتألمش. لكن ولا كلمة في الدنيا كانت تقدر تخفف وجع أم فقدت ابنها الوحيد ومن يومها وأنا عايشة بجسمي بس أما روحي فاتدفنت معاه تحت التراب فاكرة يوم دفنه كأنه امبارح. كنت واقفة قدام قبره وببص للتراب ومش قادرة أستوعب إن ابني اللي كان مالي عليا البيت بضحكته بقى تحت الأرض. فضلت أسأل نفسي إزاي الشمس طلعت تاني وإزاي الناس راحت شغلها وإزاي .




